تخفي سبب الصراع الحقيقي: معارك اعلامية بسبب الحجاب
هويدا طهتخفي سبب الصراع الحقيقي: معارك اعلامية بسبب الحجابلا تعرف بالضبط من منهم هو اللاهث وراء الآخر.. الاعلام يطارد قضية الحجاب لأنها قضية مثيرة.. أم (أصحاب الحجاب) دعوة وزيا هم من يوظفون الاعلام؟ أم أن الناس محاصرون بكليهما؟! هذا الأسبوع اشتدت فيه بامتياز حمي المعارك الاعلامية حول الحجاب علي مستوي دولي! من بريطانيا الي تونس الي الدانمارك الي مصر وغيرها، وعندما تكون متابعا لكل ما يمكن متابعته من معالجات اعلامية لقضايا وطنك بل وعالمك، فانك غالبا ما تكون قد شعرت هذا الأسبوع بأنك (محاصر) بتلك المعركة الاعلامية حول الحجاب.. في السيارة تستمع الي الاذاعة تناقش الأمر وفي المنزل والعمل تشاهد التليفزيون وتقرأ الجرائد ومواقع الانترنت.. كل وسائل الاعلام تعرض تفاصيل أحداث ومواقف هذا (الاشتباك العالمي). جاك سترو طلب من مسلمات بريطانيا رفع النقاب عن وجوههن حتي يري وجها لوجه من يتناقش معها.. الحكومة التونسية تشن حملة لاثناء التونسيات عن انجرافهن مع دعوات عودة المرأة التونسية الي الحجاب.. الشارع المصري الذي أصبح من النادر أن تري فيه سيدة أو فتاة أو حتي طفلة غير منقبة.. مشغول باتهام التليفزيون المصري بتعمد تجاهل مسلسلات (الفنانات التائبات العائدات لما تبن عنه.. لكن بالحجاب!).. صورة فوتوغرافية ذات مغزي انتشرت في البريد الالكتروني لسائح خليجي، وهو راكع في ميدان في لندن ممسكا بكاميرا وأمامه حريمه الأربع.. لا يُري من سواد ملابسهن شيئاً علي الاطلاق حتي الأيادي والعيون.. يقفن أمامه في وضع استعداد لالتقاط صورة! لا مفر اذن من متابعة جولات تلك المعركة لا بحثا عن التفاصيل وانما نبشا وراء الجذور، في اذاعة بي بي سي كان هناك تقرير عن الجدل الذي أحدثته تصريحات سترو حول النقاب.. قال التقرير ان مسيحية بريطانية تحتج بدورها علي منعها من العمل في خطوط الطيران البريطانية لأنها لا تخفي الصليب المعلق في رقبتها.. وان السجال يحتدم في بريطانيا حول ما يسمي (الرموز الدينية) وليس الحجاب أو الصليب فقط، وعلي قناة الجزيرة تناول برنامج أكثر من رأي نفس القضية.. نقاب المسلمات البريطانيات.. واستضاف مسؤولا من الخارجية البريطانية وسيدة بريطانية من أصل عربي ترتدي بياضا علي جسدها كله بما فيه وجهها.. فلم يبد منها الا جزء من عينيها اللتين غاب منهما الجزء الأكبر مع باقي وجهها تحت النقاب.. بينما تناول برنامج ما وراء الخبر ما سُمي حملة الحكومة التونسية ضد تنامي ظاهرة التونسيات العائدات الي الحجاب.. وفي جرائد عديدة تتهم قناة روتانا بأن نجمتها هالة سرحان تستضيف الكاسيات العاريات وتسخر من المحجبات المحتشمات المعتصمات بحبل الدين.. وفي قنوات أوربت ودريم و.. و.. أينما تولوا الريموت كنترول ثمة نقاش حام حول الحجاب!.. من منهما يوظف الآخر؟ الاعلام يلهث وراء الاثارة في قضية الحجاب أم (أصحاب الحجاب) هم من امتطوا ظهر بعير الاعلام لارسال الدعوة الي العالمين؟!.. لكن مهلا.. هل قطعة القماش تلك هي حقا سبب هذا الاشتباك العالمي.. أم أنه سبب أبعد من مجرد السجال حول (مدي خطورة) ظهور شعر المرأة علي القيم الانسانية؟صراع علي الموارد باسم الدين والقيم المعركة تدور ـ ظاهريا ـ بين طرف يدافع عن (الحق الشخصي للمرأة في أن تتحجب) وطرف يرفض (الاستخدام المفرط للحجاب) للتعبير عن موقف سياسي اجتماعي مما يمور به العالم الآن من فوضي القيم.. في صراع عالمي يشتد باسم الديانات تارة والحضارات تارة أخري، هذا هو ظاهر (الحرب العالمية الثالثة) الدائرة حول الحجاب! لكن كما كل الحروب.. دائما ما يكون السبب المباشر فيها شيئا يخفي السبب الحقيقي (المسكوت عنه).. نشبت (حرب البسوس) ودامت أربعين عاما بين قبائل الجزيرة العربية منذ قرون حول (مقتل ناقة) بينما كان هناك السبب الدائم للحروب.. والذي لم يُفصَح عنه أبدا في بدء أي حرب انسانية.. وهو (الصراع علي الموارد).. ونشبت حرب عالمية في مطلع القرن العشرين بسبب (جريمة قتل) وريث العرش النمساوي علي يد شخص صربي.. ثم شاركت في الحرب أحلاف وكتل عالمية بمن فيها حتي من لم يسمعوا بالقاتل أو القتيل ولا يعنيهم في الأصل بلد أي منهما.. وكان السبب كذلك هو نفسه السبب الخفي (الصراع علي الموارد)، ونشبت الحرب العالمية الثانية باسم الدفاع عن بولندا من غزو الألمان.. بينما شاركت فيها أمم لا ناقة لها ولا جمل في تلك البولندا.. وكان السبب الخفي كذلك هو ذاك (الصراع علي الموارد)، كل تلك الحروب الدموية الوحشية كانت مقدمتها جميعا حرب (اعلامية) تعطي الغوغاء سببا قيميا وجيها .. تندلع باسم تلك الأسباب السطحية في البداية ثم ينسي المتحاربون مع تأجج المعارك الأسباب التي اندلعت باسمها حروبهم، الآن.. تتأجج ـ حرب اعلامية بدعوي (الحق في الحجاب) ـ مخفية نفس السبب الحقيقي فيما نظن.. الصراع علي الموارد بين الشرق والغرب، غرب متقدم بالسلاح جشع في طموحه لاقتناص موارد الضعفاء.. ويستخدم ـ كذبا ـ (قيم التحرر) غطاء لأطماعه في موارد الشرق التي ما زالت بعد خاما.. وشرق يستخدم أسلحة (غيبوية) في مقابل ادعاءات الغرب عن قيم التحرر.. وأبرز تلك الأسلحة الغيبوية التي تعتمد علي مفاهيم دينية.. هو أن المرأة شر.. جسدها شر.. شعرها شر، (قطعة القماش) تلك علي رأس (ووجه وعيني ويدي المرأة المسلمة) هي نظير ناقة حرب البسوس ووريث العرش النمساوي.. سبب علني تافه يمهد علي مدي زمني طويل لحرب ضروس علي الموارد.. هذه المرة الاعلام أكثر انتشارا وتقدما وفاعلية في عملية التمهيد طويلة الأجل.. وكل الأطراف تقريبا قادرة علي استخدامه، لكن عودة مرة أخري الي الحجاب، وعلي مستوي المجتمع بعيدا عن مستوي الصراع بين الشرق والغرب.. ما الحجاب؟!الحجاب تمرد علي الفشل الحقيقة أنه ورغم أن كاتبة هذا المقال لن تضع أبدا قطعة القماش تلك علي رأسها حتي ولو وضعته كل نساء العالمين.. الا أن الحجاب يبدو- بغض النظر عن الموقف منه ـ شكلا من أشكال (التمرد).. لا تمارسه النساء المتحجبات فقط.. وانما هو حتي شكل من أشكال التمرد عند هؤلاء الرجال (المهووسين) بتحجيب المرأة وكأن طمس رأسها هو الحل لمشاكل عجزوا عن حلها بطرق أخري! تتمرد المرأة التونسية علي ديكتاتورية نظام الحكم في بلدها بضربه في (أكبر مفاخره).. وهو المكتسبات التي أقرتها الدولة التونسية عبر العقود الماضية للمرأة دون غيرها من سائر بلدان المسلمين.. وكأنها تتمرد بطريقة (عليّ وعلي أعدائي)! ويتمرد الرجل التونسي سياسيا واجتماعيا باستخدام الأداة الأكثر يسرا التي وفرها له الاسلام وهي المرأة.. التي تُحمِلها دعاوي الاسلاميين مسؤولية كل الشرور، وتتمرد المرأة المصرية علي فقرها بذلك النقاب الأسود الذي يخفي حرمانها عن كل العيون.. حتي لو كان في تلك الخيمة السوداء التي تتحرك بها اهانة لكرامتها وانسانيتها.. هي أصلا امرأة مُهانة علي كل صعيد فلا جديد! ويتمرد الرجل المصري علي (انهزاميته وعجزه وفشله في كل الميادين) بتحقيق الانتصار علي العدو السهل الذي وضعته بين أيديه تيارات الاسلامويين في بلده.. المرأة.. التي يمعن في تشويهها بهذا الرداء الكريه وينتشي باستجابتها العمياء لتلك البلوي.. فيحقق انتصارا أخفق في تحقيقه علي أي صعيد آخر، وتتمرد دول العالم المتخلف علي ضعف حيلتها أمام غطرسة الغرب المتقدم بتحديه بما يسمي قيمها وخصوصيتها.. فلا يتوفر التحدي الا من الزاوية الأضعف والأسهل والتي لا تكلف جهدا ولا بحثا ولا مالا ولا قوة.. قهر المرأة، يتمرد المهاجرون والمهاجرات المسلمون والمسلمات في بلاد الغرب علي فشلهم في الاندماج مع مجتمعاتهم الجديدة.. وفشل مجتمعـــــــاتهم الجديدة في استيعابهم ودمجهم.. باخافتها بهذا الزي الذي يخفي مشــــــاعر الكراهية لأهل الدار.. ولعله خوف جاك سترو هو ما دفعه للاصرار علي رؤية وجه محاورته المنقبة! لكن بئس هذا التمرد الذي لا يصب الا علي (رأس المرأة)! نعم.. الحجاب اهانة لآدمية المرأة كما العُري اهانة رخيصة لها، واذا كان اخفاق الرجل المسلم في تحقيق أي شيء له قيمة في العالم دفعه لركوب أسهل المطايا في ثقافته، فان (غياب وعي) المرأة المسلمة وترسخ (نفسية الجارية) في أعماقها علي مدي مئات السنين هو ما يجعلها تستجيب لهذه الاهانة، بل وتدافع عنها باستماتة! الحجاب قضية سياسية واجتماعية وتاريخية وليس مجرد (حق شخصي).. حتي كلمة (حق شخصي) هي ذاتها تعبر عن مفهوم لا يعترف به الاسلامويون! لا تعترف أفكارهم المتحجرة بما سمي (حرية الفرد) فلا فرد حرا لديهم.. فالكل (عبيد) الله.. والنساء كلهن (اماء) الله! واذا كان الهدف من الحجاب (نظريا) هو الاحتشام.. فالغالبية الساحقة من النساء (في مصر مثلا) وعلي مدي قرون كن محتشمات بأزيائهن الريفية أو حتي هؤلاء المدنيات من بنات الطبقة الوسطي.. وحتي هذه اللحظة ورغم رفض بعضهن لقطعة القماش المهينة تلك فانهن لا يرضين ابتذال أجسادهن بالعُري.. لأن عُري الجسد كما تغطيته.. مهين، كذلك كانت النساء عموما في مصر حتي أوائل السبعينات.. تلك السبعينات التي بدأت معها في مصر كل تجليات اخفاق الرجل المصري في كل المجالات.. فصب هوسه علي المرأة المصرية التي بدورها أخفقت في أن (تعي انسانيتها) فانساقت وراء (رواسب الجارية الكامنة في أعماقها)، حتي أن محمد أبو الفتوح وهو من أقطاب الاخوان المسلمين وفي ندوة بثتها قناة الجزيرة مباشرة منذ فترة.. عبّر عن (انتصاره) بقوله: عام 68 كنت هنا ولم تكن هناك امرأة محجبة واحدة.. انظروا الآن يا اخواني الي نصر الله المبين.. كل نساء القاعة محجبات وشوارع المدينة عامرة بالمحجبات.. الحمد لله ! الحجاب تمرد نعم.. ولكنه تمرد اليائسين واليائسات.. ليس هذا هو التمرد الذي يدافع عن الموارد وليس هذا هو التمرد الذي يدفع الأمم الي الأمام.. بل هو تمرد يحتاج الي.. التمرد عليه!كاتبة من مصر[email protected]