تخمين… راحت حلوة الحلوين

حجم الخط
0

محمد حيدر

تخمين، رأيت في عيون صديقي عند ‘حاجز’ المطار نظرة أخيرة لما يمكن انه كان ماضيه او حاضره او ربما مستقبله. خلف الحاجز. الضياع من جديد. البحث عن المكان يبدو كلعنة لا احد يعرف من يملك طاقة إطلاقها وإعطائها هذه القوة على ملاحقة الأشخاص حتى نهاية التاريخ. هذه هو تعريف اللعنة بالعموم، أما هنا، في سورية، فاللعنة تبدو أقسى وأكثر عبثية لأنها دائرية. الماضي يعيد الحاضر وسيعيد المستقبل. الثابت الوحيد، هو المطار. أقوى من حياتنا وأحلامنا هذا المطار. المطار مليء بتلك النظرات. مليء بالمغادرين، ولا قادم.. بالفوضى والانشغال الكبيرين بوضع الحقائب في مكانها، بجر الأطفال، بالبحث بين الأوراق الكثيرة عن الورقة المناسبة للشخص غير المناسب، تذكر الذهاب الى الحمام في اللحظة الأخيرة، السيجارة الأخيرة، و…. وفجأة، عند الحاجز، بقرب رجل الأمن، تأتي تلك النظرة للخلف هادئة على عكس كل ما سبقها. حتى وان لم يكن هنالك من يودع، هي، العيون، تريد وداع نفسها. واللعنة على ذلك السؤال فيها: الى متى؟ لماذا؟ ولمن؟ كل علامات الاستفهام في كل اللغات تتحول الى نظرة عند الحاجز، وكأن السفر هو ليس إلا محاولة لنسيان تهمة ‘الاستفهام’ ، و لإيجاد علامات أخرى اقل خطرا: تعجب، او نداء، او تأشير، او تنقيط. ولكن حتما ليس محاولة لإيجاد الأجوبة. فقط من يعيش لعنة الترحال الدائرية يصبح بالغا ويعرف انه لم يعد يجد نفعا إيجاد الأجوبة. لا شيء، ولا احد، حتى ولا الأجيال القادمة، ستعرف الجواب على ما يحصل وما حصل بمسافرينا الأبديين، بالباحثين عن أمكنة في ارض لا نريد منها إلا مكانا واحدا: هنا. منذ انطلاقنا من النبك لنوصله الى المطار، توقفت سيارتنا عند عدة حواجز. لم يعد ما يغري في تأمل الهوية هو الاسم ومحاولة تكهن الطائفة لمعرفة نوع المعاملة الموجهة لصاحب الهوية، بل ما هو مهم أصبح، وبشكل فجائي، منطقة التولد والخانة والحارة والشارع. من حمص؟ ومن باب السباع او من الخالدية؟ هذا ما لن يرضوا به أبدا. افتح غطاء السيارة. افتح الحقائب. اللعنات الغريبة والعبثية تنشأ وتلقي بظلها، ثقيلا، في مكان تعود على أن من يصدر اللعنة هو عبثي و ‘غريب’ …. عن المكان. أحد أصدقائنا، هذا الذي يحمل الهوية ‘الحمصية’ كان هو مصدر تأخيرنا وتوقفنا المتكرر والمطول. هو لم يزر حمص في حياته إلا يومين او ثلاثة، ولكنها، ومن جديد، اللعنة. الصمت المشحون كان سيد الطريق، في الخارج، كما هو في الداخل. وللتخفيف منه حاول صديقنا الحمصي إلقاء دعابته: حاسس حالي بلغاري. هو الوحيد الذي قد ضحك، وبطريقة هستيرية اقرب الى الجنون. وعند الحاجز التالي، ذهب بعيدا في هستيريته، وبمجرد أن أوقفنا ‘ الرجال ‘ ـ التعريف هنا ضرورة شعرية تؤكد عدم معرفتي لصفتهم تحديدا: رجال امن، ام حفظ نظام، ام عسكر، ام…. ـ قال لهم: أنا من باب السباع، فأجابه احدهم: وفرحان بحالك كتير. انزل. الدعابة الحمصية لم تعد سورية، ولم تعد تضحك. العبء خفيف الآن بنزول راكب منها، ولكنها أصبحت أثقل. سيارتنا. طر، سافر، يا صديقي، هنا لن تجد إلا سرعة ستين، وحواجز بين الشوارع، وصديق سقط مازحا على الطريق. النبك تبعد اليوم خمس ساعات عن حرستا. عصر القصص والحكايا قد عاد. الحكاية هي محاولة تكهن ما يحدث في مكان بعيد. لكن لا يوجد رواة اليوم، لا احد لديه الرغبة في الحكي او تأليف الحكايا. إنها ارضي…. كلها. لن تنجح الحواجز في جعل خيالي يؤلف قصصا عن أبي وأمي وصديقي، ودكان جاري. هي الوحيدة، هذه الحواجز، التي سنحكي عنها، يوما ما. الحاجز الأخير أتى. الخطوة الأخيرة نحو الخروج من هنا. خطوته كانت مترددة منذ البداية. كل الأكاذيب التي ضحك علينا بها حول انه غير مهتم بترك امرأة حياته، بترك منزله المستأجر المليء بكؤوسنا المخصصة لكل واحد منا، بترك شمس الصباح ـ ومن لا يعرف صباح سورية يظن بأننا متعصبون لهذه الأرض، بترك المشاريع الصغيرة التي تبقى صغيرة ولكنه على الأقل يعرفها، كل تلك الأكاذيب سقطت مع خطوته المتعثرة أمام وزن الحقائب. لنساعده قال لي صديق، فأجبته: اتركه يرحل فعلا. هي المرة الثالثة التي يسافر بها بعيدا وطويلا. هنالك آخرون في المطار هي مرتهم الأولى ولكن هل ستكون الوحيدة؟ هل سيعودون أم أنهم سيستطيعون النسيان، وان عادوا هل سيسافرون من جديد مئات المرات؟ قاسية هي سورية. إنها المكان الأكثر ضجيجا بالأمل في العالم، وبمجرد ابتعادك عنها يخف الضجيج ويصبح الأمل سهلا. هل من متعة في أمل سهل؟ مازوخيون نحن بطبيعتنا، وكل ما يجري في المطار، يؤكد استمتاعنا بحمل صخرة سيزيف مرات ومرات. فلتذهبوا ولا تعودوا. اللعنة على ذلك السؤال: الى متى؟ لماذا؟ لمن؟ صرخها احد رجال امن المطار فجأة: على مهل، على مهل، لعمى، كلوا مسافر، كلوا تارك البلد. ليس المؤذي ان لا يعرف ‘الآخر’ ما يمر بك من تراكم، ليس المؤذي ان يعرفه وان يكون معه ام ضده، بل المؤذي ان يتجاهله تماما. كل ما كنا نطلبه هو عدم تجاهل وجودنا وتراكمنا. وتحديدا في المطار، عند المغادرة. نعم يا سيدي، كلو مسافر، كلو تارك البلد. لن يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لكم، حفنة ‘خونة’ بقيت او غادرت، حفنة ‘خونة’ تجتمع ثنائيات او ثلاثيات في أماكن مشبوهة: في المنزل، في الحارة، في المقبرة حيث مدفون آباؤنا، في المسرح الصغير، في المقهى الرخيصة. لن تختلف الصيغة بين مغادرتنا او بقائنا. ما سيختلف فعلا هو الأرض الخالية من أبنائها، ما سيختلف فعلا هو شعوركم وليس شعورنا. ستحكمون وحيدين أرضا خالية من البشر، وستقيمون الحواجز في شوارع مهجورة. ستصنعون السعادة والانتصار، وستروون نكاتا بلغارية ربما او صينية او روسية. ونحن سنكون في الأرض كلها، نحكي حكاية حواجز لم يعد يمر عليها مارة، نحكي حكاية حفنة ‘الرجال’ الذين يحكمون صخورا ومحلات مغلقة وأوراق تقاريرهم وتسليتهم المؤذية فارغة، وبيضاء. نحن سنكتب الروايات وانتم لا تملكون حكاية واحدة، نحن سنحمل الأرض، وانتم لن ترغب بكم ولا حتى في حلمها. اللعنة عبثية منذ البداية: جميعنا سيخسر من اجل شيء لا يعرفه. مسرحي سوري مقيم في دمشق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية