عبد الحق ميفراني
تتأسس شعرية عبد الحق ميفراني على إنتاج مجموعة من آثار المعنى، انطلاقا من تخييل العلامات المرجعية، ويبدو أن شعرية العلامة تنزع في هذه التجربة الشعرية إلى الكشف عن العلاقة بين الذات/العالم الموسومة بالألم. فالذات في بحث دائم عن ملاذ وكينونة خارج الواقع التراجيدي للعالم، كما نستشف من خلال قصيدة ”كمامة الغريب”، كما أن اللغة تتحرك من داخل نسق العلامات المرجعية.
ولعل بنية العنوان تكشف هذا التعارض بين الواقع والعلامة، بوصفه يعكس العلاقة المؤلمة بين الذات الشاعر والعالم، والهوة بين هذه الذات وخارج العلامات بوصفه ترميزا للعالم. وهذا ما يكشف عنه تكرار توظيف الأسطورة” سيلفيا”. وكأن الشاعر يشتغل على ترهين هذه العلامة المرجعية بوصفها تنزيلا إلى العالم الحديث. لذا نحن أمام صرخة كما يتجلى من خلال الغنائية الجديدة. فالتكرار في القصيدة، يشتغل على تضعيف الدوال وتأثيث الخطاب بالعلامات المرجعية المتولدة من الرحم النصي ”سيلفيا”:
روحي قربَ يوميّات سيلفيا
دمي منسكباً بين شلالات الوطن («العربي الجديد» 19 يناير/كانون الثاني 2021) إن شعرية النص تتشكل من خلال علاقتي التعارض والتوازي. ويأتي التكرار والتعارض والمفارقة لتنظم اشتغال الوظيفة المهيمنة وتحرر اللغة من طابعها المرجعي، عبر وساطة تخييل العلامات. هكذا تحفر القصيدة في علاقة التعارض بين العلامة/ الذات والعالم؛ ما يجعلها تعيش غربة وجودية في ظل الصمت المتولد عن وضع الكمامة. بيد أنها ليست كمامة مألوفة، فهي الكمامة التي جعلت وضع الذات في ظل علاقته بالعالم محكوما بالصمت المؤلم. ولذا، فالكلام من وراء الكمامة ينطوي على فعل ممزوج بالاغتراب والغرابة اللذين يسمان كينونة الذات المستلبة، فتمارس استعارة الكمامة ضغطا رهيبا كما يتجلى من خلال تشاكل الألم، ونتيجة لاستلابها حرية القول، وتعرية ما وراء العلامات المرجعية، وبالتالي، لن تجد هذه الذات سوى الاستعارات للتحرر من ضغط العلامة المرجعية والألم المترتب عن وضع العلاقة بالعالم.
أما بالنسبة للعلاقة الثانية فهي نتاج للعلاقة الأولى ونتيجة حتمية لها، فهي تمثل التوازي بين الذات ـ الشاعرة وتخييل العلامة ”سيلفيا”. ففي ظل وضعية العالم المحكومة بالصمت (العالم الذي لا يحتمل) لا تجد الذات من مهرب وملجأ وجودي بحثا عن الكينونة، سوى سيلفيا بوصفها مؤشرا إلى الأمل الذي تستظل به الذات بكل ما تحمله العلامة المرجعية من دوال ترتبط بفضاء الغابة، حيث تجد هذه الذات ضالتها وحريتها هربا من فضاء محدد (الأرض). ويمكن أن نستجلي البنية العميقة التي تتجه نحو بحث الشاعر عن الكينونة، التي لن يجدها سوى في ”سيلفيا» بكل محمولاتها المرتبطة بفضاء الغابة والشعر.. أي أن الكينونة لن يجدها الشاعر سوى داخل الشعر ذاته، هروبا من الأرض الفضاء التي تمارس الضغوطات وتحفل بالألم:
ككلّ الصدف التعيسة
لملمت وصايا الشعراء،
تحت شجرة السرو الوحيدة.
لم أيأس تماماً، تركتُ كُوّةً على جملة شذرية قصيرة.
أنا امتدادٌ لظلّكِ، ليَبابك…
(«العربي الجديد»)
يمثل فضاء الغابة العلامة النووية التي تؤسس للتشاكل الدلالي بين الكتابة الشعرية والتخييل، بوصفه اللامحدد وفضاء للهروب من جور العالم إلى الطبيعة فضاء اللانهائي والمصالحة مع العالم، في مقابل الأرض التي تغتال حرية الذات، وتضيق الأفق على التخييل الذي يمنح الذات الحرية المفقودة:
جسدي وهو يركض في الغابة، خلفَ ظلال وصيفات الرغبة.خزّانُ الأمل الفارغ تماماً، هو أيضاً..
ندما تضيق هذه الأرض
يتّسع البياض
وتفتح اللغة فخذيها تماماً
ليس في الأمر حِسٌّ إيروتيكي
فالعالم لا يحتمل جريدة
(«العربي الجديد»)
تنفجر المقاطع السابقة عن أثر معنى مرتبط بآلام الذات في ظل وضعيتها داخل العالم، وبين بياض اللغة الفضاء اللانهائي للكينونة، الذي ينتج مجموعة من آثار معنى مرتبطة بصورة العالم الحديث كما نستشف من خلال التشاكل المعجمي (لا يحتمل، تضيق الأمل في الوحل، باعوا لا أحد يشتري، دمي، بعض بقاياي). ويظهر التشاكل الدلالي بين البياض وسيلفيا واللغة، بوصفه كاشفا للعلاقة التراجيدية بين الذات والعالم. فهو البياض الذي تملأه الذات والمتلقي معا بغية تجاوز حدود الأرض الضيقة والبحث عن ملاذ.
وبناء عليه، لا نعدم هذا السفر الشعري بين ثنائيات الماضي/ الحاضر، الغائب/ الحاضر، الذي ينعكس على مرايا الذات؛ وهو ما يوازي البنية العميقة التي يترجمها التمثل السيميائي لثنائيات: الجمال ـ الشعر/القبح ـ الأشعر. هكذا، لن تجد الذات من ملجأ وجودي لتحقيق كينونتها سوى الشعر، كما نستشف من خلال التشاكل الدلالي الذي يشتغل إرساء محتمل المعنى المرتبط بالهروب إلى الكتابة الشعرية، ونزع الكمامة ومقاومة الصمت /الموت، والعيش غريبا في الأرض التي لا تحتمل. وفي نهاية القصيدة يضعنا الشاعر داخل فضاء يشتغل على تضعيف التعارض والمفارقة بين البداية والنهاية. فتجد الذات كينونتها وتقاوم الصمت بوصفه علامة من علامات الموت وتتكلم لتعيش غربة الشاعر، وتنبثق القصيدة عنوانا لمقاومة الصمت /الموت، وتتوسل في ذلك بالنفس السردي الذي يلتقي بالشعر مع الإبقاء على الوظيفة المهيمنة التي تنظم اشتعال العلامات وفق مبدأ شعرية القصيدة:
سأنزع كمامتي وألتقي الغريب.
ففي ديوان ”أكواريوم من الألم” تتحول الذات إلى علامة داخل استعارة الأكواريوم /العالم، بوصفه فضاء مُحَددا تضيق به هذه الذات. فنجد الذات تعيش ضغوطات مرة أخرة في فضاءات مغلقة، مستعيدة دائما ثنائية الحاضر /الغائب، الماضي/ الحاضر. فالمدينة فضاء اليأس وتمثل الحاضر، والخسارة بالنسبة للثوار تمثل الذاكرة الماضي ـ الغائب، لتتحول القصيدة ذاتها إلى ذاكرة للخسارات، بينما تتحول” حديقة الكينونة” في قصيدة أخرى إلى فضاء لانهائي يتقاطع داخله العشق والكتابة، كما يكشف التشاكل الدلالي. فنقف مرة أخرى أمام تشاكل الكتابة بوصفها ملجأ وجوديا للذات وبحثا عن الكينونة:
اللغة مسكني لوشائج عبور الهالك
(عودة صانع الكمان)
وبناء عليه، تتحول الكينونة إلى عالم شعري من علامات الوجود عبر مساءلة الذات العالم، ومن داخل الكتابة الشعرية بوصفها فضاء للمحتمل:
الكينونة الذات التي أنهت آخر كأس لنيتشه. ترى العالم متشظيا دون حواس تماما.
ولعل من أهم سمات شعرية عبد الغني هو هذه الحدود الواهية بين الشعر والنثر، حتى إن القصيدة تنزع إلى محاكاة لغة القصة، من خلال حضور الشخوص والفضاء والأفعال مستعيدة الزمن الشعري بوصفه الأفق الذي تتداعى داخله القصيدة وتتأمل الذات العالم.
إن الكينونة في ديوان ”أكواريوم من الألم ” علامة تنسج معاني لانهائية انطلاقا من تشاكل الدلالة في النص الشعري بوصفه أفقا للتحرر من محدودية وضيق العالم، والبحث عن ملجأ وجودي تنفلت الذات من خلاله من قيود وحصار الألم/العالم. وإذا كانت الكينونة في شعرية ميفراني متوزعة بين الخفاء والتجلي، الألم والأمل، الحاضر والغائب؛ فإن شعرية محمود عبد الغني تنزع نحو تدمير الكيان المرجعي للقصيدة، ومحاولة الدفع باللغة نحو أقاصي التخييل والموضوعية. بيد أن هذا السلب للكينونة لا ينفي ارتباطها بالكتابة الشعرية بوصفها الحرية التي تفتح أفاقا لوجود الذات:
قلت إني أتيت
وبقيت ضيفا حزينا
على هذه الصحراء
التي يذوب فيها
كل ألم وكل عذاب
ولا يتحرر الكائن
إلا بنظم الشعر
(محمود عبد الغني، صانع الكمان)
يرتبط الشعر مرة أخرى بفضاء اللانهاية، ويؤسس أسلوبيته من خلال شعرية اللامعنى التي تحاول بناء عالم الشعر، وارتياد فضاءات تنزع نحو بناء تخييل العلامات كما نستشف من خلال فضاء الساحة في قصيدة تحمل الاسم نفسه، وفضاء الصحراء في قصيدة أخرى. فتعيد شعرية محمد عبد الغني بناء اللغة الشعرية وفق استراتيجية تَحْفر في فضاء اشتغال العلامات بوصفه اللامُحَدد المولد للمُحَدَّد. وتأسيسا على ذلك، تنبني بنية اللغة الشعرية على أساس بنية التعارض والمفارقة داخل العالم. ففي قصيدة ”زهور” يَنكشف التوتر بين الدال والمدلول، بين النثري والشعري، بين الذات وعالم الموجودات. وبالتالي، يتشكل اللامعنى انطلاقا من المفارقة والتعارض بين الثلج والصخر، لتنكشف بلاغة القصيدة المؤسسة على مجاز الكلمة النووية ”قبلة ” مؤشرة إلى فعل العشق السحري وأثره على الذات، والذي يوازي محتمل المعنى المرتبط بتذويب الثلج للصخر. وينتقل القلب من حالة ألم وتوجس إلى حالة انتشاء وجمال، كما نستشف من خلال أثر المعنى الذي ينتجه العنوان ”زهور” بصيغة الجمع.
إن شعرية محمود عبد الغني تُمَثِّل تأملا في الموجودات من خلال إعادة بناء اللغة الشعرية، ومدّ الجسور بين الشعري والمعرفي. فيتحول المحدد إلى اللامحدد، والشعري إلى نثري، والنثر إلى شعري. هكذا تتمظهر ”النافذة” في قصيدة ”يا نافذتي” بمثابة ميتا لغة شعرية تنبض بقصة الموجودات، وتتحول هذه النافذة إلى كينونة لانهائية وملجأ للعالم.. إنها فضاء للرؤيا واستعادة جوهر الكائن والموجودات، كما نعاين من خلال المرأة التي تُرى من النافذة بحجم المحيط، والعصفور اللاجئ بجناح واحد:
أيها الصوت المضمر، يا نافذتي التي يقف فيها عصفور بجناح واحد..
إن بنية العلامات التي تنهض على اللغة الشعرية تتلاشى في شعرية محمود عبد الغني لصالح توسيع أُفق القصيدة، وهي تمتد لتحاور السردي وتسائل العالم.
ولعل من أهم سمات شعرية عبد الغني هو هذه الحدود الواهية بين الشعر والنثر، حتى إن القصيدة تنزع إلى محاكاة لغة القصة، من خلال حضور الشخوص والفضاء والأفعال مستعيدة الزمن الشعري بوصفه الأفق الذي تتداعى داخله القصيدة وتتأمل الذات العالم. ففي قصيدة ”قضية الشعرة في العجين” تسعى الذات الشاعرة إلى الاختفاء وراء موضوعات الوجود والتوسل بالعلامات بوصفها انزياحات عن بناء القصيدة الذي يتجه نحو اللامحدد:
ولاكتشاف الغابة لا بد أن يلعب الضوء على الثياب
تتحول اللغة المألوفة إلى فضاء لامتناه لإنتاج دوال عبر علامات التعارض والمفارقة، وتحاول القصيدة التحرر من هواجس الذات وترسبات المرجعي. فشعرية محمود عبد الغني تسعى إلى الاستقلال بلغتها وعلاماتها، من خلال فعل التمرد على اللغة المألوفة ذاتها كما عاينا من خلال مجموع القصائد. ففي قصيدة ”قضية الشعرة في العجين” تدمير لكل نسق مرجعي، وتمرد على اللغة، ومحاولة لنسج وإبداع لغة من داخل الموضوع /العالم. ومن ثم تظهر مرجعية الشاعر داخل هذه اللغة التي يحاول صناعتها وإبداعها:
أنا صانع الكمان
عدت إلى مدينة الخراب الشهيرة
مشاء يرى المسير هي الكلمة الوحيدة
النازلة من السماء
هكذا تعيدنا الشعريات الجديدة إلى عمق الجدل الشعري بين الغائب/الحاضر، من خلال الحفر في بنية اللغة الشعرية وتوسيع آفاقها، ومحاولة تمثل الكتابة الشعرية بوصفها الكينونة والوجود، ومن خلال وساطة تخييل العلامات.
كاتب مغربي