تخييل الفضاء في «واحة الغروب» لبهاء طاهر

مارك كوبر | ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف
حجم الخط
0

يقترح الأكاديمي والكاتب الفرنسي مارك كوبر في هذه الدراسة التي نقدم ترجمتها العربية، قراءة نقدية عميقة في عوالم رواية «واحة الغروب» للروائي المصري بهاء طاهر، الذي رحل عن عالمنا مؤخرا. ويصبو الكاتب الذي يعمل أستاذا في جامعة باريس السوربون إلى القبض على سمات التوظيف التخييلي لفضاء الواحة في علاقتها بالمدينة والصحراء.
مثلت أعمال بهاء طاهر في القصة والرواية والترجمة محطة دالة في مدونة السرد العربي، في ارتباط بجيل الستينيات. ويكفي أن نشير إلى «الخطوبة» «بالأمس حلمت بك» «شرق النخيل» «واحة الغروب» «حب في المنفى» «خالتي صفية والدير».

النص
ترتبط مصر شأن كل بلدان الشرق الأوسط بهذا التقاطب المهم بين الصحراء والمدينة، واندماج أشكال الاقتصاد المحلي في دينامية عالمية من خلال ظاهرة التوسع الحضري تحديدا. وتعتبر مدينة القاهرة وفق هذا المنحى قطب الفاعلية والكثافة الديمغرافية. ويمثل ذلك نوعا من الوجود في المكان يسبغ طابعا ثانويا على أنماط الوجود والعيش الأخرى في المكان، من قبيل السكن في الواحة، على الرغم من الإرادة الحكومية الراغبة في إسباغ القيمة على الفضاء الصحراوي وواحاته. ويعبّر بعض الروائيين بوضوح عن أهمية فضاء المدينة في المعيش المصري والقلق المترتب على الخروج من المدينة. تعتبر الصحراء فضاء غير قابل للسكن، وحيث يكون مصري المدينة منذورا داخله لموت محقق، إن لم يكن ثمة وجود لنقاط اتصال وطريق واصل ذي طابع تجاري. بيد أن بعض الروايات التاريخية وذات الحمولة المجازية، التي ترجمت مؤخرا تجلي بشكل بدهي مظهرا آخر للواحات، وأقصد هنا أهميتها الوجودية وغير الوظيفية، بما يستدعيه ذلك من إحالتها إلى شكلٍ آخر للحضور في الفضاء يتسم بهامشيته وثانويته وهشاشته. وتشكل هذه الصحراء القابلة للإقامة بديلا للسكن الحضري، وربما نوعا من اليوتوبيا أو الجحيم السياسي، وحيث يتمظهر تارة الحنين وتارة أخرى يأس وإحباط الكتاب الذين يشكلون الوعي السياسي لشعوبهم. وفي مواجهة الرعب والعنف السياسيين اللذين يمتدان لمئات السنين، فإن الكتّاب باعتبارهم ضحايا مباشرين يجيبون باللجوء إلى الكتابة الروائية وتوظيف فضاء الصحراء، وتخصيصا واحة سيوة الأكثر نأيا عن مركز الثقل في البلاد، باعتبارها بديلا طوباويا، أو تمثيلا مجازيا للاضطراب السياسي والاجتماعي في مصر.
يرتبط واقع الواحات بعلاقة اشتقاقية بمصر، لأن كلمة «واحة» ذات أصول مصرية قبطية وهيلينية. وثمة أيضا علاقة تاريخية قديمة جدا، تعتبر مصر بدورها واديا خصيبا يتسم بصغر مساحته، وحيث لا يتيح شح موارده المائية تطور الزراعة بتأثير شساعة المناطق الصحراوية المحيطة به.

استعمل المصريون كلمة «واحة» للتدليل على الاختلاف الموجود بينها وبين الوادي الخصيب. يتيح المعنى المجازي لكلمة «واحة» الذي يحيل على الأمان والاستراحة، نوعا من الإسقاط الخيالي. كما تتيح أيضا الإحالة إلى مشهد طبيعي تلقائي يفتقر إلى مزروعات، ويعتبر مرفأ للراحة والاستجمام، وهو المعنى الذي تؤثره الصناعة السياحية، أو الصورة الأكثر شيوعا والمتمثلة في ظل نخلة إلى جوار الماء. تتيح الواحة فضاء متخيلا شبيها بالجزيرة في غموضه وعزلته. تثير واحة سيوة الخيال بسبب بعدها عن وسط البلاد؛ اذ تبعد بمسافة 600 كلم عن غرب النيل. بيد أن هذه الوضعية النائية نسبية، على الرغم من ذلك؛ إذ تقع الواحة على بعد 300 كلم من مرسى مطروح على الساحل المتوسطي و50 كلم من الحدود الليبية، في ملتقى الطرق العابرة للصحراء، وهي محطة رئيسية تصل بين المغرب وشبه الجزيرة العربية. غير أن عزلتها والغموض الذي يرشح منها ليسا بالإطلاق الذي رغب بعض الكتاب في تأكيده. وتبقى واحة سيوة بالنسبة لآلان بلوتيير الأجمل والأكثر امتلاء بالأسرار والضائعة في غمرة صحراء مطلقة. وهي تشكل بمفردها عالما وحده.
تعتبر عزلة الجزيرة محصلة المراقبة العسكرية للحكومة المصرية، التي لا تختلف عن القاعدة المطبقة في كل المدن. وتعتبر النساء المتواريات خلف حجبهن السميكة أشبه بأشباح، وثمة لعنة قديمة تلقي وطأتها على المدينة ونسائها بشكل خاص. وتعرف واحة سيوة المصير ذاته لكل المدن المصرية من هشاشة اقتصادية واختفاء للنساء ومراقبة عسكرية وبوليسية.

ينبغي التذكير في ما يتعلق بالعزلة والغموض أن الدخول إلى الواحة كان ممنوعا على الغرباء إلى حدود سنة 1967، ولم يتم وصلها بباقي العالم إلا في مستهل الثمانينيات، وهو ما يطرح افتراض اكتفاء ذاتي. وتشهد على مكانة واحة سيوة الرفيعة ونظامها الزراعي المتعدد كتابات علماء الجغرافيا منذ القرن الخامس قبل الميلاد. كان اسمها «سيخيت أميت» ويعني أرض النخيل المثمرة، إبان الحقبة الفرعونية. وهي معروفة منذ القدم بمعبدها الخاص بالإله آمون والمعروف في مجموع الحوض الأبيض المتوسط. وقد زار الإسكندر الأكبر هذا المعبد بعد وفاة صديقه هيبيسثيون، وتعهد الفاتحون العرب والأمازيغ الواحة بالعناية قبل أن يعاد احتلالها بعد فترة هجر ونبذ في القرن الثامن الميلادي، في الفترة التي شيدت فيها قلعة شالي في الموقع الحالي لمدينة سيوة، لصد هجمات القبائل المجاورة.
استند الروائي بهاء طاهر إلى هذه المعطيات التاريخية والأسطورية كي يبلور في سياق رواية «واحة الغروب» حبكة سردية وصورة جديدة لواحة سيوة، بالاحتكام إلى حرية الابتكار في ارتباطها بالواقع، التي تميز الخطاب الأدبي.
يخص بهاء طاهر بمعيّة الروائيين المصريين الآخرين واقع الواحة بنظرة خارجية، وهم يتوسلون بلغة أخرى ويتحررون من ثقل الواقع على الأرض. لم تتخلق هذه الرواية داخل الواحة بشكل مباشر، وإنما تندرج في سياق التخييل الروائي المصري المعاصر في ذروة تطوره. ويتموقع هذا الأخير عموما في المجال الحضري، ونادرا ما يكون له حضور على هوامش الصحراء. وبفضل موقعها في قلب الصحراء فإن واحة سيوة تتأطر بشكل طبيعي باعتبارها فضاء روائيا ملائما لتخيل يفضل ما هو مثالي على ما هو واقعي، وهذا ما يميز كتابات العديد من الروائيين الأقباط.

تتأسس بعض الروايات على التوظيف المتعاقب لفضائين: مدينة القاهرة والصحراء. وتتحدد قيمة الغموض والعزلة المميزة للواحة بوصفها ملاذا سيكولوجيا من خلال بناء الحبكة. ونمثل لذلك بنبيل نعوم وروايته «جسد أول». يستمتع فؤاد أستاذ علم الاجتماع والشخصية المحورية بالقدوم إلى مدينة داخل منطقة شبه مهجورة، تحيط بها بحيرة مقدسة أوشكت مياهها على النضوب. يتعلق الأمر في مدينة أبناتو المقدسة التي تكتسي لونا أحمر وقت الغروب، وقطعة أرض على حواف الصحراء. وقد رغب فؤاد في الانعزال داخلها كي يتخيل المدينة القديمة ويحل أسرار التشكيل الجغرافي للمكان، الذي يتمثل ببساطة في الجبل والبحيرة والطريق المؤدية إلى الوادي. وتطل شرفة شقته مباشرة على الصحراء. بيد أن هذه الجغرافيا الأولية تخفي طوبوغرافيا سرية محجوبة.

تتأطر رواية بهاء طاهر من جهتها في نهاية القرن التاسع عشر، يتم انتداب الضابط محمود ابن القاهرة للعمل محافظا لسيوة وتحصيل الضرائب. وقد اصطحب معه زوجته الأيرلندية كاترين، التي كانت تأمل في العثور على قبر الإسكندر الأكبر. كان محمود يجسد الآمال المجهضة لمصر في الديمقراطية والاستقلال. وكان رهينة للاتفاق الذي كان يتجاوزه في سياق انتفاضة أحمد عرابي ضد الاحتلال الإنكليزي. وقد شعر بالسخط لتحالف الأوليغارشيا المحلية مع الاحتلال، بغاية سحق الشعب المصري، وكان لزاما عليه ضدا على إرادته أن يطيع أوامر الاحتلال ويقمع أهالي سيوة. تمثلت مهمته الرئيسية في جباية الضرائب، وإن كان احتمال تعرضه للموت واردا. كان عبور الصحراء في حد ذاته حكما بالموت بفعل الرياح المشبعة بالرمال، التي تغمر المسافرين وتمحو آثار الطريق. بيد أن واحة سيوة ستبدو بعد العاصمة الرملية المريعة من أكثر الفضاءات حفاوة واستضافة، ويبدو محمود كما لو إنه يكرر زيارة الإسكندر الأكبر، الذي سيموت بعدها بفترة قصيرة.
سوف تتحول واحة سيوة بوصفها قلعة طبيعية عصية على الفهم والترويض إلى شخصية فاعلة في الرواية. وتبدو الشخصيتان الرئيستان محمود وكاترين، كما لو تنشدان مثالا مستحيلا يتمثل في حكومة عادلة بالنسبة لمحمود، وحل لغز قبر الإسكندر الأكبر في ما يهم كاترين. ويتم العبور من خلال البناء التخيلي من الفضاء الطبيعي لواحة سيوة إلى الفضاء المتعالي على الطبيعة بيسر. وتتيح الواحة ترتيب اللقاء مع المقدس، وتفصح عن حضورها باعتبارها مناقضة للصحراء، ونقطة ارتكاز للنزعة المثالية الحاضرة بكثافة في التخييل السردي.

تقترح رواية «واحة الغروب» كونا بديلا وتلتزم بإسباغ طابع نسبي على مفهوم الحقيقة. وإذا نحن استندنا إلى فكرة بافيل توماس القاضية بأن فن الرواية بحث عن حقيقة مثالية، فإن رواية «واحة الغروب» لن تستنكف من المثالية، أو عدم مشاكلة الواقع حتى إن كان التطور العام للرواية قد اتجه بالفعل صوب الواقعية الاجتماعية والسيكولوجية في صيغتها الأكثر مرونة. وما يثير الاعجاب في هذه الرواية يتمثل في الدينامية الداخلية التي تشتغل داخله؛ إذ يجد محمود وكاترين ذاتيهما في مواجهة عالم إشكالي يستعصي القبض على معناه. أجهض حلم محمود بالحرية بفعل وطاة الواقع الاستعماري؛ وهو وفق هذا المعنى بطل إشكالي وشخصية روائية تضطر نسبيا إلى الرضوخ والإذعان. ذلك أن المثال الذي يصبو إليه أكثر رحابة من الكون الواقعي.
أصدر بهاء طاهر هذه الرواية عام 2007 ويعتبر في آن واحد من أنصار النزعة المثالية الموروثة عن أوروبا، والواقعية التي تشكل انشغال الكتاب المصريين من قبيل صنع الله إبراهيم. ويبقى سؤال التفكير في الرواية في نص «واحة الغروب» حاضرا بقوة. يعيد بهاء طاهر بمعنى ما الوصل بمثال يتحدد في عظمة وسمو الأنا وفعلها التاريخي. وهو الصنيع الذي آتاه روائيون آخرون من القرن العشرين ينتمون إلى جيل سابق، وضدا من الاتجاه السائد في الرواية الحديثة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية