نواكشوط ـ «القدس العربي»: أعلن في نواكشوط الأسبوع الماضي عن ميلاد شبكة النساء العربيات الرائدات والمبدعات، وذلك في ختام ملتقى فكري ناقش على مدى ثلاثة أيام، وتدارس بعمق جميع ما يعترض تمكين المرأة العربية المبدعة من تحديات موروثة ومستمرة وناشئة.
واشترك في تنظيم هذا الملتقى الذي أنعشته محاضرات ذوات مكانة ثقافية وفكرية وعلمية مرموقة، كل من وزارة الثقافة الموريتانية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومركز «محيط للتنمية وقضايا المرأة والسلم».
وشهد الملتقى مشاركة وزيرات سابقات وكاتبات وإعلاميات وباحثات من مختلف الأقطار العربية، حيث استعرضن في عدة جلسات وورشات، تجاربهن ووجهات نظرهن حول أهمية الدور الريادي الذي يجب أن تلعبه المرأة العربية في صناعة المستقبل.
وتركزت أشغال الملتقى على استحداث واقتراح آليات لتنسيق جهود النساء المؤثرات ورائدات الأعمال في المنطقة العربية وتعزيز مبادرات الدراسات الخاصة بالنوع الاجتماعي وبالمعرفة والمناصرة، سبيلا إلى تحسين وضع المرأة العربية.
واتفقت المشاركات على تأسيس شبكة تمكين النساء والفتيات العربيات، لتكون أداة عمل للمناصرة ودعم القدرات والتوثيق والبحث، ولتتولى تنفيذ الأنشطة والبرامج التي تساعد في تمكين النساء والفتيات في المنطقة العربية.
مهام وأنشطة
وستعمل الشبكة في عدة مجالات بينها محاربة الصور النمطية والسعي على إحداث تغيير في المواقف والسلوك والعقليات بما يكرس المساواة في الفرص والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات.
وأكد البيان الختامي للملتقى «أن الشبكة ستقوم بدعم وإبراز مبادرة الجهات الفاعلة المسؤولة عن تمكين المرأة على أرض الواقع ومناصرة السياسات العامة المراعية لمبدأ المساواة».
ولتحقيق ذلك، يضيف البيان، ستقوم الشبكة بتشكيل روابط ببن المعرفة والفعل بما يدعم المبادرات والمشاريع المتعلقة بخلق تقدم في المساواة عن طريق تطوير أدوات مبتكرة في خدمة وتمكين النساء في المنطقة العربية.
نقل المعرفة
وستقوم الشبكة، بتطوير إنتاج ونقل المعرفة حول المساواة وتمكين المرأة والنوع الاجتماعي، مع متابعة تطور التزامات الدول العربية فيما يخص المساواة والفرص وتمكين النساء.
وستروج الشبكة للحوار الاجتماعي ولتشجيع تشكيل المجموعات وتسهيل التأثير بين الجهات الفاعلة في مجال المساواة وتمكين النساء.
وقررت المشاركات المؤسسات تشكيل فريق تنفيذي للمتابعة يعني بوضع هيكلة مؤسساتية للشبكة وبوضع برنامج لنشاطها وعملها.
المرأة والرجل: الكائنان المتكاملان
وأكد المختار داهي وزير الثقافة الموريتاني في مداخلة أمام الملتقى «أن تاريخ كفاح الإنسان، من أجل السيطرة على الطبيعة، رسمه الرجل والمرأة على حد سواء: فمعًا شذّبا فؤوس الصخور وصنعا معاول الحجارة، ومعًا حفرا كهوف الجبال وبنَيَا أكواخ الأدغال، ومعًا نحتا رسوم الغزلان والفيّلة، ومعًا تصورا أفلاك السماء وما وراء البحار».
وقال «إنه تاريخ مشترك بكل ما في الكلمة من معنى؛ لم تبدأ عملية فصل تاريخ هذين الكائنين إلا في فترة متأخرة جدا عندما بدأتْ التراتبيات تغزو الثقافة انطلاقا من تصور وفرض أدوار لكل جنس، بل لكل فئة وعرق ولون».
وأضاف «أن تاريخنا العربي الإسلامي ظل زاخرا بأسماء نساء تركن بصماتهن على جميع مناحي الحياة، فمنهن العالمات، ومنهن الفقيهات، ومنهن الشاعرات والكاتبات والطبيبات والفلكيات، وغيرهن. فقد أخَذَ العلمَ عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنها، حوالي 299 من الصحابة والتابعين، واشتهرت أمُّ المؤمنين أمُّ سلمة هندُ بنت أبي أمية، رضي الله عنها، بالتبحر في الفقه، وقد روى عنها حوالي 100 من الصحابة والتابعين، وكانت الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية طبيبة بارعة، وكانت أولَ امرأة عرفت الكتابة في العهد الجاهلي واشتهرت بها في العهد النبوي».
عراقيل وعقليات
وزاد «لا شك أن طريق تمكين المرأة العربية ما يزال غير سالك تماما، لأن ثمة عقليات بائدة ما تزال تعيق تقدمها، وبالتالي يكون لزاما علينا التحلي بشيء غير يسير من الجراءة والجسارة من أجل محاربة الذهنيات الثقافية المعادية لرقي المرأة و نهضتها».
وتابع الوزير داهي «إننا أمام وضع يتسم فى جزء غير قليل من جوانبه، بالعداء المفرط لأي مبادرة من شأنها تمكين المرأة من لعب دورها في بناء الدولة والمجتمع على قدم المساواة والتكاملية مع الرجل؛ إنه وضع متعنت قائم منذ قرون، وهو ما يستدعي منكن أخواتي الحضور، أن تسارعن إلى تشخيص ودراسة التحديات وتقديم الاقتراحات ومتابعة التوصيات الكفيلة بإحداث قطيعة مع تهميش الدور النسوي».
تأثير كبير
وقال «لقد أثبت التاريخ، في العديد من مناطق العالم، أن النساء الفاعلات والنساء المبدعات قادرات على المساهمة البناءة في صياغة المشهد الثقافي والاقتصادي والسياسي، وتحقيق كل أهداف التنمية الاجتماعية؛ وإن بلداننا العربية بحاجة إلى تشجيع وإشراك النساء المبدعات والرائدات، بالتمويل والتأطير والمواكبة، وبتمكينهن من الوصول إلى مراكز القرار وإلى الوظائف السامية، ومنحهن الفرصة للمشاركة في السياسات الاستراتيجية والتنموية».
وشدد على «أن تضافر جهود الجميع بات ضروريا لوضع خطة عمل ناجعة تضمن ولوج النساء المبدعات إلى سوق العمل والاستفادة من القروض ومن التكنولوجيا ومن الثورة الرقمية: فالمرأة لكي تكون مبدعة يجب أن تتحرر من أغلال الفقر والجهل والمرض والعنف والتمييز والاستغلال وغياب التكوين، علينا أن نتصور خطة لتحرير المرأة من كل ما من شأنه أن يقف في وجه إبداعها، ثم تشجيعها، في مرحلة الإبداع، على المساهمة في العملية التنموية بالحصول على العمل اللائق والمنتج والمعوّض، في ظروف تكتنفها الحرية والإنصاف والأمن والكرامة كما تنص عليه مواثيق منظمة الشغل الدولية».
التفاوتات والفروق
وقال «إن تمكين المرأة يمر حتما بمعالجة التفاوتات بين الجنسين ورفع التحديات على مستوى الأمن الغذائي ومساعدة النساء في الأرياف العربية على تحسين وضعيتهن المتسمة بالفقر المدقع؛ فالنساء يمثلن اليوم 70 في المئة من مليار شخص في العالم يعيشون بأقل من دولار يوميا، ولنا أن نتصور كم تمثل النساء العربيات من هذه النسبة الكبيرة».
وأكد الوزير ولد داهي «أن تمكين المرأة العربية المبدعة يمر من أبواب عديدة من أهمها تغيير العقليات المتعلقة بالنظرة النمطية، وإشراك المبدعات في مراكز القرار، وتثمين منتوجهن الفكري أو الأدبي أو الفني أو التكنولوجي، وتسهيل ولوجهن إلى التمويلات، وتخصيص جوائز لتمجيد تفوقهن، وتثمين أعمالهن وتكريمها وتشجيعها؛ مضيفا «أن كل ذلك مرهون بالتعليم، وجدوائية تعليم النساء لا يعتريها أي شك، لذلك قيل «إذا علّمْتَ طفلا فإنك تُكوّن رجلا، وإذا علمت فتاة فإنك تكوّن قرية بأسرها».