تداعيات اتفاق سنجار تعقد المشهد العراقي

حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: تتسارع تداعيات اتفاق سنجار بين حكومتي بغداد وأربيل، حول تطبيع أوضاع المنطقة وإعادة النازحين وإخراج القوات المثيرة للجدل منها، حيث صعدت قوى سياسية وفصائل مسلحة تحركاتها بهدف تأزيم الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق لإفشال تحركات حكومة بغداد لتطبيق اتفاق سنجار أو إجراء الإصلاحات، بالتزامن مع تصاعد دعوات قوى سنية لاستنساخ اتفاق سنجار وإخراج الفصائل الشيعية من المحافظات المحررة، لما تسببه من انتهاكات وابتزاز وتجاوزات على أهلها.

ومع كل خطوة يقدم عليها الكاظمي لمحاولة إصلاح الأوضاع وإيقاف تدهور البلد سياسيا واقتصاديا وأمنيا، عبر الابتعاد عن الصدام مع الفصائل المسلحة رغم تحديها المتواصل للدولة، وسعيه لنزع فتيل النزاعات بين المكونات لتهدئة الأمور، ترد الدولة العميقة بالمزيد من الخطوات في الاتجاه المعاكس، مركزة على افتعال أزمات ونزاعات تارة شيعية كردية عبر مهاجمة مقر حزب بارزاني في بغداد وتارة شيعية سنية عبر مجزرة بلد وحتى شيعية شيعية بخصوص قضية مهاجمة السفارات وانفلات بعض الفصائل. وهدف تحرك الدولة العميقة هو زعزعة الأوضاع الأمنية وتأجيج المشاعر الطائفية والعرقية، ليس لافشال عمل الحكومة فحسب بل للكسب الجماهيري قبل الانتخابات، إضافة إلى إحباط المساعي الأمريكية لتهدئة الأوضاع في العراق وتجنب وقوع أحداث ومواجهات كبيرة فيه لحين الانتهاء من الانتخابات الأمريكية المزمع إجراءها الشهر المقبل.

وعندما أعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، قبل أيام عن توقيع اتفاق بين حكومتي بغداد وأربيل برعاية الأمم المتحدة، لتطبيع الأوضاع في مدينة سنجار الاستراتيجية غرب الموصل، من خلال إنشاء إدارة مشتركة بين الحكومتين بمشاركة سكان المنطقة لإعادة النازحين إليها والبدء بإعمارها، تفجرت ردود أفعال متضاربة بين مؤيد للاتفاق لحل الأزمة الأمنية والإنسانية لسكان سنجار النازحين في المخيمات، وبين معارضة قوى تضررت من الاتفاق وخاصة الحشد الشعبي وحزب العمال التركي المعارض الذين سيتم إخراجهم من المنطقة وفق الاتفاق المذكور.

وقد أكد الكاظمي ان الاتفاق “سيكون بداية لحل مشاكل جميع المناطق المتنوعة إثنيا ودينيا في العراق” وهذه النقطة تخدم الأحزاب الكردية كثيرا لأنها ستفتح أمامها أبواب المناطق المتنازع عليها، خاصة قبل الانتخابات، مما يثير قلق القوى السياسية العربية والتركمانية كثيرا.

معضلة إخراج الجماعات المسلحة

وحيث ينص الاتفاق على إخراج كافة الفصائل المسلحة من سنجار وتسليم الملف الأمني للقوات النظامية، فقد برزت مشكلة تمسك الحشد الشعبي وحزب العمال التركي بالمنطقة، ورفضهما التخلي عنها لحسابات سياسية.

وتشكل منطقة سنجار أهمية كبيرة للحشد الشعبي الذي دخل المنطقة بمصاحبة الجيش العراقي عام 2017 عقب استفتاء الإقليم على الانفصال عن العراق، حيث يحرص الحشد على التواجد في المناطق السنية لفرض سيطرته عليها، كما تشكل سنجار وتلعفر القريبة منها، أجزاء من الطريق الاستراتيجي الممتد من إيران إلى سوريا ولبنان مرورا بالعراق. ولذا لا يمكن للحشد ان يتخلى عن المنطقة، وهو ما عكسته مواقف القوى الشيعية التي عارضت الاتفاق بحجة انه يخدم الأحزاب الكردية ويوسع انتشارها في المناطق المتنازع عليها.

أما حزب العمال الكردستاني التركي، فانه أوجد لنفسه موطئ قدم في قضاء سنجار خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة بعد ظهور تنظيم “داعش” وسيطرته على سنجار عام 2014 حيث سمحت له حكومة الإقليم بجلب بعض عناصره من جبال قنديل وسوريا للمشاركة في عملية تحرير المنطقة عام 2015  التي تمت بدعم قوات التحالف الدولي. وعقب التحرير انشأ حزب العمال مواقع له في المدينة وما حولها، وتمسك بها رافضا الانسحاب منها والعودة إلى مناطقه التي قدم منها، بل انه قام بتشكيل إدارة محلية وقوات عسكرية باسم “وحدات حماية سنجار” من السكان المحليين.

ورغم النداءات المتكررة من حكومتي الإقليم وبغداد، فإن العمال الكردستاني يرفض الانسحاب من سنجار ومناطق أخرى على حدود تركيا، مما دفع تركيا إلى مهاجمة مواقع الحزب وقياداته هناك باستمرار لمنع تواجده فيها كما فعل في جبال قنديل شمال العراق التي يستقر فيها منذ سنوات.

وحتى بعد انسحاب البيشمركه من سنجار عام 2017 وتقدم قوات الحكومة الاتحادية فيها في أعقاب الاستفتاء على الاستقلال، فإن حزب العمال استمر في تواجده في المنطقة، وذلك بعد ارتباط بعض عناصر الحزب بالحشد الشعبي الذي أصبح يزودهم بالرواتب والسلاح، حسب المصادر الكردية، اضافة إلى وجود دعم له من حليفه الاتحاد الوطني الكردستاني حزب جلال طالباني.

معارضون للاتفاق

ويعتقد مراقبون أن اتفاق قضاء سنجار، أربك النفوذ الإيراني في شمال العراق، لذا كان طبيعا ان ترفض القوى الشيعية العراقية ذلك الاتفاق، بحجة إنه منح الكرد مساحات نفوذ إضافية، وان الحكومة الاتحادية تستطيع تطبيع أوضاع المدينة بدون إقليم كردستان.

قيس الخزعلي، قائد ميليشيا عصائب أهل الحق الموالية لإيران، قال إن “الاتفاق الأخير الذي حصل بين الحكومة المركزية، وإقليم كردستان بخصوص سنجار وتضمن إخراج الحشد الشعبي الذي حرر سنجار هو مجاملة سياسية ومكافأة انتخابية على حساب الإيزيديين الذين عانوا ما عانوا من الوضع السابق ويراد أن تستمر معاناتهم بهذا الاتفاق الجديد” داعيا للوقوف ضد الاتفاق.

فيما ادعى النائب الشيعي عباس الشبكي، ان اتفاق حكومتي بغداد وأربيل بشأن قضاء سنجار يتنافى مع المادة 140 من الدستور التي تنص على ان مناطق سهل نينوى مناطق إدارية تابعة لمحافظة نينوى، لافتا إلى ان “اتفاق سنجار لم يتم عبر الاتفاق مع جميع المكونات ويجب إعادة صياغته من جديد” مدعيا ان “عناصر الحشد الشعبي المتواجدة في سنجار هي من حررت القضاء من عصابات داعش الإرهابية” وان “أمريكا تتدخل في سهل نينوى ومسألة إطلاق الصواريخ على أربيل دبرت لاتهام الحشد الشعبي”. كما انتقد الاتفاق نواب شيعة آخرون، وسياسيون تركمان وسنة يتخوفون من توسع النفوذ الكردي.

المناطق المحررة

إلا ان اهم تداعيات اتفاق سنجار، انه فتح ملف وجود فصائل الحشد الشعبي في المناطق السنية، ومطالبات بإجراء اتفاق مماثل، لإخراج تلك الفصائل منها وتسليم الملف الأمني للجيش والشرطة.

وجاء ارتكاب مجزرة بلد في محافظة صلاح الدين قبل أيام وخطف وقتل 12 من سكانها السنة على يد مسلحين من فصائل شيعية، ليعزز مطالبات بإخراج الحشد الشعبي من المناطق المحررة من “داعش” اسوة باتفاق سنجار.

فضمن ردود الأفعال على مجزرة بلد، دعا النائب عن تحالف القوى العراقية رعد الدهلكي، رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، إلى “إنهاء الاستهتار الذي تقوم به الميليشيات الطائفية المنفلتة بحال أراد استمرار العملية السياسية في شكلها المعترف به دوليا”. وذكر الدهلكي في تغريدة على منصة تويتر، إن “جريمة بلد في محافظة صلاح الدين، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة التي تنفذها الميليشيات الطائفية المنفلتة” مطالبا “بإخراج المجاميع المسلحة من محافظاتنا والتي فرضت على باقي المكونات العراقية” ومهددا باللجوء إلى الخيارات الدستورية.

وفيما غرد النائب فلاح الزيدان، على تويتر، أن “صلاح الدين لن تصبح مشروع قتل دائم من قبل الميليشيات الطائفية، وإنهم سيدافعون عن أنفسهم ما لم يتخذ القائد العام للقوات المسلحة إجراءا حازما وفوريا بإخراج هذه الميليشيات” من محافظتهم، فإن النائب محمد الكربولي دعا في تغريدة، وجّهها إلى الكاظمي: “نقدر جهود الحكومة الرامية إلى إنهاء سطوة الجماعات الدخيلة على مدينة سنجار، كونها ستمهد لعودة أهالي المدينة وإعمارها” وأضاف “ندعو رئيس مجلس الوزراء لإجراء مماثل في بقية المحافظات المحررة”.

واضافة إلى ذلك ، أصدر نواب محافظة صلاح الدين، بيانا مشتركا أكدوا فيه : “أصبح لزاماً خروج كل الجهات المسلحة التي ترتبط بالأحزاب أو الجماعات المسلحة التي تحاول الصاق نفسها بالحشد ويتخذ بعض ضعاف النفوس منه غطاء لارتكاب الجرائم بحق الأبرياء، أصبح لزاما إخراجهم من محافظتنا وأن تبقى الكلمة الفصل في الشأن الأمني لقواتنا المسلحة وقوى الأمن الداخلي حصرا” مشيرين إلى ان “الخيارات أمامنا مفتوحة في اتخاذ مواقف سياسية وقانونية سواء تجاه الانتخابات التي لا يمكن إجراؤها تحت هيمنة السلاح أو في طلب الحماية الدولية، أو أي مواقف سياسية أخرى تسهم في تعزيز الأمن في محافظاتنا”.

وتشكو مصادر في المحافظات المحررة، من إن فصائل الحشد الشعبي تتمتع بنفوذ كبير في محافظاتهم، وتمتلك مقرات داخل المدن، وتفرض رؤيتها على أهالي المناطق التي يتواجدون فيها، فضلا عن فتحها مكاتب اقتصادية لابتزاز المستثمرين وأصحاب المشاريع التجارية والمواطنين في النقاط الأمنية بين المحافظات، إضافة إلى عمليات خطف واغتيال أبرياء. داعين إلى تسليم ملفها الأمني بيد الشرطة والجيش، لكون أغلب فصائل الحشد الشعبي، تتصرف بنفس طائفي واضح.  

 

الموقف التركي

ومع الترحيب الأممي والدولي باتفاق سنجار، حرصا على استقرار الأوضاع في هذه المنطقة الحساسة وإنهاء معاناة سكانها النازحين، فإن تركيا تبدو أكثر اهتماما بالموضوع، وخاصة بتشديد الكاظمي على حرص حكومته في أن “تكون سنجار خالية من الجماعات المسلحة سواء المحلية منها أو الوافدة من خارج الحدود” مشددا على “رفض العراق استخدام أراضيه من قبل جماعات مسلحة للاعتداء على جيرانه” وهي إشارة مهمة لتطمين دول الجوار وخاصة تركيا.

وقد سارعت تركيا للاعراب عن تأييد اتفاق سنجار، معربة عن أملها بان يتم تطبيق الاتفاق ويؤدي إلى إخراج الجماعات الإرهابية مثل حزب العمال من المنطقة، ومبدية استعدادها للتعاون مع العراق لتنفيذ الاتفاق. علما ان تركيا سبق ان حذرت بانها لن تسكت عن تنامي حزب العمال التركي الإرهابي في سنجار، كما فعل في جبال قنديل، وانها ستضرب قواعده ومقراته هناك.

كما قام السفير التركي في بغداد بنقل دعوة إلى مصطفى الكاظمي من الرئيس التركي رجب اردوغان، لزيارة تركيا وبحث تطوير آفاق التعاون بين البلدين في مجالات عدة.

والحقيقة ان اتفاق سنجار شجع الكثير من العراقيين والسياسيين، على تجديد دعواتهم للحكومة بضرورة إخراج حزب العمال من سنجار وجبال قنديل وغيرها، الذي جعلها مناطق خارج سلطة الدولة العراقية ويشن منها هجمات ضد الأراضي التركية منذ سنوات.

وكان زعيم ائتلاف العراقية أياد علاوي، دعا لفتح حوار عالي المستوى مع تركيا، مبينا في تغريدة بـ “تويتر” أليس من المفترض ان تخضع العلاقات مع تركيا لمبادئ الصداقة والجيرة الحسنة؟ حاثا على “فتح حوار جاد على أعلى المستويات مع تركيا ودول المنطقة لمناقشة جميع القضايا العالقة”.

وهكذا يبدو ان اتفاق تطبيع الأوضاع في سنجار سيكون له تداعيات وآثار متشعبة، ومواقف متباينة من أطراف وقوى محلية ودولية، كل حسب مصلحته وسياسته، وستكون هناك عقبات كثيرة أمامه لافشاله عند التطبيق، رغم كونه اتفاقا مهما ينهي معاناة النازحين من أهل سنجار ويعيد سلطة الدولة عليها ويقدم نموذجا يستحق الاهتمام لحل أزمات مزمنة في المناطق المتعددة الأعراق والقوميات من العراق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية