تداعيات الإعلان الإيراني بتخصيب اليورانيوم
د. يوسف نور عوضتداعيات الإعلان الإيراني بتخصيب اليورانيومالرقابة الدولية علي الاسلحة النووية اكتسبت مشروعيتها من عدم الرغبة في حدوث فوضي عالمية بوقوع هذه الاسلحة في ايدي دول قد تسيء استخدامها، وهذا هدف مشروع إذا كانت وراءه حقيقة ماثلة، ولكن بعد الحرب الباردة رأينا الولايات المتحدة تتخذ موقفا من الدول التي تحاول امتلاك هذا السلاح ليس من منظور المصلحة العالمية بل من منظور مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها، وقد تفاقم هذا الوضع بعد أن سيطر اليمين المتطرف علي سياسة الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس بوش وهو يمين لا يخدم مصالح الولايات المتحدة بقدر ما يخدم مصالح اسرائيل، وقد رأينا هذا اليمين يغض الطرف عن الترسانة النووية الاسرائيلية والجرائم التي ترتكبها تل أبيب ضد الشعب الفلسطيني ولكنه لا يتردد في تطبيق اقسي العقوبات علي حكومة حماس والاستمرار في احتلال العراق بعد أن خربه وغض الطرف عن الانظمة الدكتاتورية التي تسيطر علي العالم العربي وتبعد عنه رياح الحرية والتغيير.ولكن هذا اليمين يقف امام امتحان صعب في تجربته الجديدة مع النظام الإيراني ذلك أن الولايات المتحدة ظلت منذ فترة طويلة تثير الشكوك حول البرنامج النووي لطهران وتزعم انه موجه للأهداف العسكرية وتحرك مجلس الامن والوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجل إيجاد الذرائع حتي يجد المجتمع الدولي مبررا لمعاقبة إيران، وجاءت اللحظة الحاسمة بعد أن صعدت المواقف ضد إيران عندما اعلن الرئيس محمود أحمدي نجاد أنه مع اتجاه محو اسرائيل من الخريطة، وكان واضحا هنا ان إيران تحسب حسابا لخطواتها وتتكلم وهي تدرك ما تقول، وفي هذه المرحلة بدأت الولايات في تصعيد حملتها ضد إيران بسبب موقفها من اسرائيل بل ذهب الرئيس جورج بوش إلي القول بانه لن يسمح لإيران بإزالة اسرائيل وإن الولايات المتحدة ستدافع عن هذه الدولة التي تعتبرها أقوي حليف لها في المنطقة. وظل الأمر سجالا بينها وبين إيران حيث ظلت إيران تؤكد انها تهدف إلي تخصيب اليورانيوم من أجل الأغراض السلمية وظلت الولايات المتحدة تشكك في هذا الهدف حتي جاءت اللحظة التي اعلنت فيها إيران عن عدد من الصواريخ القادرة علي ضرب السفن وهي بكل تأكيد سفن امريكية أو حاملة للنفط في الخليج العربي، وقالت في نفس الوقت إنها ستدخل مضيق هرمز في استراتيجيتها إذا تعرضت إلي اعتداء من الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه قالت مصادر صحافية إن الولايات المتحدة تعد لضربة نووية توجهها للمنشآت الإيرانية ولكن الإدارة الأمريكية انكرت ذلك، وفجأة تطورت الأمور علي نحو غريب لم يتوقعه الكثيرون وكان فيه تفسير للحملة الخطابية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، ذلك أن إيران أعلنت فجأة وقبل زيارة محمد البرادعي اليها أنها أكملت دورة تخصيب اليورانيوم ويعني ذلك أن كل ما يدور في مجلس الامن والوكالة الدولية للطاقة الذرية لا معني له، وعلي العالم أن ينصاع للأمر الواقع، وقالت الولايات المتحدة إن الإعلان الإيراني دليل علي أن إيران تسير في الطريق الخطأ. وخضع الامر كله إلي تفسيرات مختلفة ذلك ان المراقبين لا يمكنهم أن يفهموا لماذا أعلنت إيران أنها دخلت إلي هذه المرحلة في وقت تعلم فيه أن الإعلان عن هذا الأمر قد يعرضها لضربة امريكية، والترجيح في نظرهم امران فإما ان إيران أرادت بهذا الإعلان ان تصل إلي تفاهم مع الامم المتحدة بعد الزعم أنها أكملت دورة التخصيب وإما أنها أكملت التخصيب حقا، وليس ذلك سببا كافيا للإعلان لو لم تكن قد انتجت القنبلة النووية بالفعل.وبالطبع هذا الخبر ليس من الأخبار السارة للولايات المتحدة والعالم الغربي بصفة عامة وهو مرحلة جديدة من مراحل تداعيات سياسات الرئيس بوش وخاصة في العالمين العربي والإسلامي، ذلك ان الرئيس بوش ارتكب خطأ كبيرا عندما استسلم لاغراض اليمين المتطرف واخطأ مرة اخري عندما جعل حربه علي التطرف حربا علي الإسلام وأخطأ مرة ثالثة عندما ذهب إلي الهند وقال إن الولايات المتحدة سوف تدعم البرنامج الهندي النووي لاسباب استراتيجية ورفض دعم البرنامج النووي الباكستاني علي الرغم من أن باكستان ـ في هذه المرحلة ـ حليف قوي للولايات المتحدة ولكنها بكل تأكيد حليف غير موثوق به وإلا لماذا لم ترد الولايات المتحدة التعاون معها؟ هذا الموقف من باكستان يؤكد أن الولايات المتحدة تصنف الدول الاسلامية كلها في خانة الأعداء وبالتالي هي لا تريد أن تمكنهم من القوة، ولكن هل تظن الولايات المتحدة أن هذه الدول ستستسلم لهذا الواقع؟ ربما كان ذلك هو موقفها، ولكن موقف إيران الأخير يؤكد ان الدول الإسلامية في طريقها لامتلاك التقنية النووية وأنها ستتبادل الخبرات في ما بينها، فقد امتلكت باكستان التقنية النووية وهي ستتعاون في مرحلة من المراحل مع إيران وتركيا إذا رأت ان ذلك يخدم أهدافها الاستراتيجية وقد تتعاون مع مصر لان العالم العربي الإسلامي لن يقبل سياسة الرضوخ أبد الدهر وهو يري الولايات المتحدة تحقق سياسات ظالمة في المنطقة وتنحاز إلي اسرائيل علي حساب الأمة العربية كلها. ولكن ذلك بالطبع لن يتحقق إلا إذا تغير المناخ السياسي والثقافي في المنطقة العربية وتخلت كثير من الدول العربية عن سياسة الرضوخ وبيع الحقوق العربية للولايات المتحدة من غير مقابل لأنه من العار ان تكون هناك دول عربية مهمة في الشرق الأوسط تعترف أو تتعامل مع اسرائيل في وقت لم تقم فيه الدولة الفلسطينية ولم يتحقق السلم علي أرض فلسطين، فكيف يمكن للشعب الفلسطيني أن يقاوم إذا كان ظهره مكسورا واقوي الدول العربية التي يعتمد عليها تعترف باسرائيل وتنحاز لها او تعتبر نفسها وسيطا بين اسرائيل والفلسطينيين في وقت ليس فيه وساطة وليس فيه شراكة وليس فيه مفاوضات بل ولا تريد اسرائيل حتي أن تفتح ملف فلسطين.ولا شك أن التحدي الإيراني للولايات المتحدة يفتح ملف امتلاك السلاح النووي واسعا في منطقة الشرق الاوسط، ذلك ان امتلاك هذا السلاح ليس حقا لبعض الدول وحراما علي دول أخري فمن الذي يطمئن لامتلاك اسرائيل هذا السلاح؟ وكيف ترتاح مصر لامنها بدون سلاح نووي وهي تعلم أن مصادر النيل الذي تعتمد عليه توجد علي بعد الاف الاميال من حدودها والولايات المتحدة واسرائيل تتآمران عليها من خلال العمل علي تقسيم السودان حتي تكون مصر في اضعف حالاتها؟ ولا يعني المنطق السليم أن تحولا سوف يحدث في العالم العربي من أجل اكتساب القوة، فقد رأينا بعض الدول العربية تسارع إلي القول بان علي إيران أن تراعي السلام في منطقتها إذا هي امتلكت مثل هذه القدرة النووية. فهل يظن أحد أن إيران تسعي لامتلاك القدرة النووية من أجل ان تواجه بها دول المنطقة؟ هذا تفكير ساذج ولا يمكن ان يكون قد خطر علي أذهان الإيرانيين، ولكن في نفس الوقت لا تسعي إيران لاكتساب القدرة النووية من أجل الدفاع عن دول المنطقة بل لأن إيران لن تسمح لنفسها ان تكون قوة غير نووية وهي تري الهند وباكستان قد اصبحتا دولتين نوويتين وتري الولايات المتحدة تتخذ منها مثل هذا الموقف العدائي. ولا شك أن إيران قد استغلت الوقت المناسب من أجل تصعيد مواجهتها للولايات المتحدة وهو توقيت تعاني فيه الولايات المتحدة ما تعانيه في العراق وهي رهينة عند إيران بسبب اخطاء استراتيجية ارتكبتها في العراق تدل علي ان الدول الكبري ايضا تخطيء عندما لا تفكر بطريقة شمولية وصحيحة وعندما تنطلق من منطلقات مغرورة. ولا شك ان المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ستتخذ أبعادا واسعة خاصة أن الولايات المتحدة تعلم أن هزيمتها أمام الإرادة الإيرانية ستجعل كثيرا من الدول الصغيرة تتجاسر عليها، وسوف يحدث ذلك آثارا كبيرة علي القضية الفلسطينية لأن هزيمة الولايات المتحدة في هذه المنازلة سوف يجسر بعض الدول لاتخاذ مواقف أكثر تشددا من القضية الفلسطينية. ولا شك أن الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة إذا ما قامت بهجوم علي إيران سيكون كبيرا لعدم وجود ضمان بكسب هذه المعركة، وحتي لو كسبتها الولايات المتحدة فإن ذلك سوف يثير حفيظة كثير من دول العالم علي الولايات المتحدة وتبدأ هذه الدول الاستعداد لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية وهي مرحلة ستعود فيها إلي العالم من جديد نظرية سباق التسلح.ولا شك أن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتصعيد الخلافات مع إيران او مع غيرها من الدول سواء كان ذلك في منطقة الشرق الاوسط او أي منطقة أخري من العالم بل بتحقيق العدالة للشعوب خاصة تلك التي ترزح تحت اسوأ الظروف وفي مقدمة هذه الشعوب الشعب الفلسطيني الذي تعتبر مشكلته حجر الاساس في حل معظم قضايا الشرق الاوسط.9