سيادة الرئيس:
تأتي رسالتي الممتدة إليكم في ظروف تداعيات الحكم ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعودة الروح الكاذبة لفلوله وتنمردهم؛ ويعطون الانطباع بأنهم قادمون لاستعادة الحكم وإحكام القبضة على الأعناق والأرزاق؛ وهذا شعور طبيعي من قوم غلب عليهم ضيق الأفق والتجبر والثراء الحرام، وحين وقعت الواقعة في كانون الثاني / يناير 2011 استعانوا بالبلطجية ثم تصرفوا كالفئران المذعورة، وفي الثانية بعد حزيران/ يونيو 2013 انطلقوا ينهشون الأجساد ويخوضون في الأعراض، وبعد أن تحكمت قنوات «أبناء مبارك» – علاء وجمال – في الفضاء المرئي والإلكتروني؛ تمادت في العويل والنفاق والتحريض. إنها «حلاوة روح» لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا ترد المارد الثوري إلى قمقمه مرة أخرى!.
والمتابع للأحداث شعر بتعقيدات المشهد وتشابكاته فور أن وضعت الثورة أوزارها، وعاد المتظاهرون إلى بيوتهم، ليكتشفوا أن ثورتهم تعتمد نظام العمل بـ»القطعة»، وتكسب جولاتها بالنقاط كحال مباريات الملاكمة، فطال المخاض، وتباطأ التغيير، وتأخر قطاره عن الوصول إلى محطة النهاية. ولذا فمسار الثورة يتخذ شكل الموجات المتتابعة، وبدأت بموجتي 2011، و2013.
سيادة الرئيس:
نعلم أن من يحيطونكم تتجاذبهم اتجاهات معاكسة؛ بعضها متحفظ على الثورة، وأخرى مُكبلة للدولة، وثالثة متعالية على الشعب.. وعلى الجانب الآخر أثبتت تداعيات حكم البراءة ما ذهبنا إليه؛ فأغلب المحسوبين على معسكر الثورة لم يصلوا بعد إلى العمل بطريقة «التجربة والخطأ»، التي تصحح نفسها ذاتيا، في حال توفر الرؤية الواضحة والمبادئ الهادية، وذلك يجنب المجتمع الاعتماد على استنساخ ونقل تجارب جاهزة؛ مُكلفة وباهظة.
وحكم البراءة لم يكن محصلة جهد «الثورة المضادة»، ولا يعود إلى كفاءة الدفاع. بل جاء نتاج ترتيبات وضعها من سبقكم، ولم يكن استجابة لضغوط أو تهديدات من الولايات المتحدة أو غيرها، ولا بفعل «الحرب النفسية» والفعلية الضارية ضد مصر وشعبها ودولتها ومؤسساتها.
وبعد يناير 2011 كان الطابور الخامس؛ المؤيد لواشنطن وضغوطها يتوارى خجلا بسبب كراهية المصريين الشديدة للسياسة الأمريكية، وكان ممكنا لقوى الثورة الواعية والواعدة أن تستثمر ذلك الإجماع الوطني النادر ضد هذه السياسة، فيخف الضغط وتتمكن مصر من حشد أكبر طاقة ممكنة لترتيب البيت من الداخل، بلا هرولة نحو المناصب والمقاعد والحصص، وهو ما يعوق أي عمل مهما كان نبله وثقله وتأثيره إذا لم يتطهر الداخل من فساده وأدرانه.
تكررت أخطاء وتعددت تجارب؛ كثير منها أقرب لتطبيقات نظرية العالم الروسي «إيفان بتروفيتش بافلوف» عن «الفعل المنعكس الشرطي»، التي صارت أساسا لتدريب الحيوانات وتطورت في معامل المخابرات الأمريكية إلى «برمجة البشر» واستخدامهم في تنفيذ الأعمال القذرة.
والتدقيق في خلفية البراءة؛ يقتضي استعادة «ذاكرة الميدان» (ميدان التحرير)؛ كان التيار الغالب وقتها يرفض المحاكمات الثورية أو السياسية أو العسكرية. ولما تمكن «التيار القطبي» من البرلمان ثم لاحقا من رئاسة الدولة غض الطرف عن «العدالة الانتقالية» وناور بقانون»العزل السياسي» وصاغ مشروعه بشكل مهلهل، كانت نتيجته معروفة سلفا، وهو رفض المحكمة الدستورية العليا له.
سيادة الرئيس:
في الوقت الذي كانت فيه ميليشيات الشيخ حازم أبو اسماعيل تحاصر وتحرق المحاكم، ووصولها إلى دار القضاء العالي والمحكمة الدستورية العليا، واستدارتها إلى مدينة الإنتاج الإعلامي، واعتدائها على المسيحيين في حي شبرا القاهري، في ذلك الوقت كان الرئيس الأسبق محمد مرسي يتصالح مع رجال أعمال مبارك؛ استجابة لطلب خيرت الشاطر؛ الرجل القوي في مكتب الإرشاد.. وذلك من أجل تنمية المصالح المالية المشتركة.
وشهادة النائب الأول للمرشد العام السابق محمد حبيب هامة لأنها غير مجروحة، فهو من «آل البيت» الإخواني؛ حمَّل حبيب المسؤولية لـ»الإخوان والقوى الثورية والشعب». وبموجب ما أسماها انتهازية إخوانية عُقدت صفقات سياسية وغير سياسية؛ بدأت بتعديلات دستورية بعثت الحياة في دستور 1971، الذي أسقطته الثورة، وإجراء استفتاء على اعلان دستوري في 30 آذار/ مارس أصدره المجلس العسكري، واقتراح الخروج الآمن للمجلس العسكري، ومنح أهالي الشهداء والمصابين تعويضا ماديا. وقال إن «المجلس العسكري والقوى الثورية والإخوان والشعب… اضاعوا فرصة محاكمة ثورية لمبارك ونظامه ورموزه أو وجود عدالة انتقالية»!.
وحوكم مبارك ومساعدوه على فترة أسبوع واحد؛ من 25 يناير إلى 31 يناير 2011، لا تساوي شيئا في عمر حكم امتد لثلاثة عقود؛ وقائمة الاتهام خلت من اتهامات جادة، وسقطت تهمة رشوة الفيلات بانقضاء المدة القانونية لإقامة الدعوى، وأفتى «خبراء» بأن بيع الغاز لتل أبيب كان سعره عادلا وقتها! وأقر القاضي بضعف الأدلة، وعجز النيابة عن الحصول على ما طلبته من بيانات، وطمس أدلة عديدة من التسجيلات، وإخفاء معلومات هامة في الملفات، واضطرار النيابة للقيام بالتحريات. واعتماد المحكمة على المتاح من أوراق وشهود، ومع ذلك أدانت النظام بالفساد والظلم والفشل. وأشادت بثورة يناير التي أطاحت به وكذلك ثورة الثلاثين من يونيو وإزاحتها حكم الإخوان، وطلبت تعويض المصابين وأسر الشهداء.
وأبرأ القاضي محمود الرشيدي ذمته بالقول: «يجب على القاضي النافذ البصيرة أن يطوع نصوص القانون لمعنى العدالة، فإذا عصيت ولم تطاوعه حكم بمقتضى نصوص القانون، ونبه إلى ما فيه من ظلم ليكون ذلك سبيلا لإصلاح القانون وتبرئة الذمة أمام الله». وتابع: «سدا لثغرات اتجار الموظف العام بأعمال وظيفته أو استغلال نفوذه، ثم الاحتماء بالمادة المسقطة للدعوى الجنائية، والمحكمة تهيب بالمشرع الجنائي ضرورة التعجيل بتعديل تشريعي للفقرة الأخيرة من المادة «15» من قانون الإجراءات الجنائية لتبسط العدالة سلطانها على كافة صور الرشوة للموظف العام أو المتاجرة بنفوذه». وهذه الإدانة الأدبية والمعنوية تجعل رؤوس فلول مبارك مطاطأة أمام الناس.
والاتجاه السائد هو تخفيف آثار ما حدث وتداعياته، وتقديم الطعون خلال الفترة القانونية، وأخيرا ارتفعت أصوات تطالب بمحاكم ثورية وسياسية أو تطبيق «العدالة الانتقالية».
السيد الرئيس:
هناك حراك متصاعد يحاول قطع الطريق على الثورة المضادة والفلول والطابور الخامس، وهو في حاجة إلى دعمكم، وعلى هذا الحراك «ألا تأخذه العزة بالإثم»، وليتحلى بفضيلة الاعتذار ونقد الذات، ولا يتجاهل الأخطاء أو يتجنب عدم تصحيحها، وهذه الفضيلة تساعد على ترسيخ قواعد التصحيح والمراجعة.
سيادة الرئيس:
مارستم فضيلة الاعتذار حين زرتم ضحية «تحرش التحرير» يوم تنصيبكم، وفي أيلول /سبتمبر الماضي طلبتم من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ابلاغ اعتذاركم الشخصي للشيخة موزا بنت ناصر المسند على تجاوزات الإعلام المصري الخاص في حقها. ومؤخرا اعتذرتم لأهلنا المرابطين في رفح عن نقلهم بعيدا عن الحدود، وأصدرتم تعليماتكم ببناء مدينة جديدة لهم!.
والشباب الآن في أمس الحاجة إلى إعمال هذه الفضيلة ليشعر بدولته؛ الممثلة في رئيسها وهي تحنو عليه وتثق فيه. وليتكم توجهون رجاءا للنيابة العامة والقضاء ليسرع في البت في أوضاع المحبوسين على ذمة قضايا لا علاقة لها بالعنف، وحث القضاء على سرعة إصدار الأحكام، مع الانتهاء من تعديل قانون التظاهر؛ لتعود الثقة بين الدولة والشباب. وسوف تكون رسالتنا القادمة عن هذا الموضوع إن شاء الله.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب