تداعيات ثورة مزعومة

حجم الخط
0

د.

محي الدين عميمور

سمحت لنفسي بحجم معتبر من السعادة اثر الانتصار التركي الرائع لمبدأ تكامل الانتماء القومي مع الالتزام الديني، والذي تميز بتزاوج صلابة المبدأ مع مرونة الممارسة وارادة الانتصار مع عزيمة الثبات، لكنني اعترف بانني، رغم كل تلك المشاعر الدافئة، اشعر بغيرة لا حدود لها من جماعة آردوغان، بقدر ما اشعر بالاشفاق علي الذين سمموا حياتنا في السنوات الماضية بكراهية للاتراك ليتها كانت في مستوي كراهيتنا لمن فعلوا بنا اكثر من الاتراك، واولهم قياداتنا التاريخية المتشبثة منذ عقود بكرسي الحكم، والتي جعلت حياتنا سلسلة من الاخطاء والاحباطات والتناقضات الدموية.

وانا لست منظرا ولا زعيما ولا رائدا فكريا، وان جاز ان اعامل كمفكر فساعتبر هذا كرما كبيرا ينطلق من تصريف فعل التفكير، واستعمال اسم الفاعل لانه الاستعمال الوحيد المُتاح، وفي غير هذا فانا مجرد مواطن عربي خدعته الشعارات، وعبثت به احلام اليقظة، وجرفته المطامح والآمال، وسحقته النكبات والنكسات.

ولن استرجع افكار الارسوزي وكتابات الحُصري وممارسات ميشيل عفلق وتجربة جورج حبش فلا اتصور ان هذا هو اول ما نحتاجه اليوم، بل هو ان نضع نصب اعيننا الاحداث التي صنعت التوجه القومي في التاريخ العربي الحديث، واولها واشدها تاثيرا واكثرها رسوخا في الاذهان بحكم الترديد المتواصل لها، هو ما اصطلح علي تسميته بالثورة العربية الكبري والتي يُمكنني ان ادعي بانها لم تكن ثورة، ولم تكن عربية، ولا تستحق بالتالي وصف الكبري، الا اذا عدلنا من كتابة الكلمة لتكون: الكوبرا، اشارة للثعبان المعروف.

فقد كانت الاحداث التي عرفتها الساحة العربية مع الحرب العالمية الاولي عملا مخابراتيا بالدرجة الاولي قام به الانعليزي لورنس، الذي استغل مطامح اسرة عربية لكي يُجيّش، بالذهب وبالوعود، قبائل ضائعة في الصحراء، ليستخدمها ضد الوجود التركي خدمة للنفوذ البريطاني، وفتحا للباب امام اللورد اللنبي لكي يدخل القدس غازيا، ولتعد الارضية التي ستنطلق منها سايكس – بيكو سيئة الذكر، ثم لاعداد الواقع العربي لزرع الكيان الصهيوني في قلبه.

في تلك المرحلة كان الاوروبيون يسمون تركيا رجل اوروبا المريض، واريد ان اضع هنا خطوطا تحت نسبة تركيا الي اوروبا، حيث لم تكن تسمي رجل آسيا المريض او رجل الاسلام المريض، وهو امر ارجو ان يحظي بالاهتمام المطلوب.

ولن ادافع عن الامبراطورية العثمانية ولن احاول تبرير ما ارتكبه بعض عساكرها من جرائم علي الساحة العربية، وان كنت اتوقف لحظات لكي اقول اننا في المغرب العربي لا نتبني نظرية المشرق العربي تجاه الحكم العثماني بشكل مطلق، حيث اننا نحن الذين دعونا الاخوة بارباروس لقيادة القوات الجزائرية في مواجهة الغزو الاوروبي، انطلاقا من وحدة العقيدة، وهو ما اعتبره مثقفون كثيرون من بينهم، علي ما اذكر، المرحوم مولود قاسم، نقلة تاريخية رسمت نوعية ارتباط المنطقة بالاسلام، عقيدة وممارسة، واذكر هنا بان حكم الدايات في الجزائر كان، كما يقول المؤرخون، اقرب الي حكم عسكري فوقي مع فارق رئيسي هو انه كان بالانتخاب.

واقول ايضا ان واحدا من الاسباب التي خلقت العداء للآستانة في الغرب كان رفض السلطان العثماني كل المطالب اليهودية التي كانت تعمل علي اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هنا تاتي النقطة الرئيسية التي ادت، في تصوري، الي تعثر الفكر القومي، وهي تمسكه بمنطق لائكي (ولا اقول… علماني) ينطلق من كراهية الاتراك ويبرر ذلك بمراعاة الوجود المسيحي الاصيل الذي كان دائما جزءا من النسيج البشري لشعوب المشرق العربي، ولكننا لم نعرفه في المغرب العربي وفي الجزائر بوجه خاص، حيث كانت المسيحية دائما مرادفا للغزو الكاثوليكي الذي قضي علي مسيحية الاب دونا في الجزائر ليفسح الباب امام مسيحية اوغستان، الذي يعتبره الغرب قديسا، ويرتبط به كل المفكرين المعادين للاسلام، وللعروبة نتيجة لكراهية الاسلام.

وليس سرا اننا في الجزائر مسلمون سنيون اشعريون، والمذاهب الاخري تجسد اقليات تتكامل مع الاكثرية الساحقة ولا تتناقض معها، ومن هنا كان الجزائري يُصاب بالدهشة عندما يُقال له ان في مصر او في سورية او في لبنان عربا مسيحيين، لانه كان يري المسيحية استكمالا للقمع الروماني وحربا مستمرة ضد انتمائنا الحضاري وهويتنا الوطنية.

ولقد نسب للعقيد اوعمران رحمه الله، انه قال لميشيل عفلق ما معناه: كيف تتحدث عن العروبة وانت لست مُسلما؟.

وازعم هنا ان اول اخطاء التفكير القومي جاءت من موقفه المتناقض مع الدين، اسلاما ومسيحية شرقية ويهودية محلية، وكانت قيادة الفكر الماركسي شبه احتكار لشخصيات يهودية مثل كورييل في مصر، بجانب موقف قبطي رائع عبر عنه الزعيم المصـري مكـرم عبيد بقـوله: انا مسـيحي دينا مسلم حضارة.

وهكذا يجب ان ندرك اليوم ان الفكر القومي اراد ان يُحلق بجناح واحد، وكان تنافره مع التيار الديني سببا في انطواء هذا الاخير علي نفسه، ثم في رفعه لواء التناقض مع الفكر القومي او الوطني محاولا الاستفادة من عثرات هذا الفكر والمزايدة علي اخطائه، الي ان وصل الي حد الصدام المُباشر معه بل والانسجام مع خصومه ممن لا يُمكن الا ان يكونوا خصوما لما نؤمن به من عقائد سماوية مرتبطة بارضنا وبتاريخنا وبحضارتنا، وكانت عثرات الممارسة القومية، التي نتجت اساسا عن التآمر الاستعماري، وراء ابتهاج بعض التيارات الدينية، التي احست، في لحظة ما، بان سقوط الفكر القومي هو انتصار للفكر الديني، وبان حملة الشعارات الدينية هم المؤهلون لوراثة حملة الالوية القومية.

واعتقد ان هذا هو الخطأ الرئيسي الذي ادي الي سقوط الامة العربية والاسلامية في وقت واحد، وهو ما ان نجند كل قوانا لتفهمه ولاستيعاب معطياته.

فالقومية والدين هما وجهان لعملة واحدة هي الوطن العربي، ولا اقول… العالم العربي، لان النسبة الجُغرافية لا تهمني بقدر ما يهمني الرباط الفكري والانتماء الحضاري والارتباط الوجداني.

واستعين هنا بتحليل رائع للمفكر الاسلامي الاستاذ راشد الغنوشي تناول فيه الازدهار الذي تعرفه كل القوميات المنضوية تحت عباءة الاسلام، سواء في تركيا او اندونيسيا او ماليزيا او ايران، لانها ادركت ان الواقع القومي جزء من المظلة الدينية، وذلك في مواجهة التشتت الذي لا تعرفه سوي القومية العربية، وهي، اي القومية العربية، واقع فعلي لم نحسن التعامل معه، او تعاملنا بمزيج من الجهل والحماقة، فتجاهلنا انه جزء من الهوية ولكنه ليس كل الهوية، وخنقنا انفسنا داخل مفهوم ضيق للفكر القومي، ونسي بعضنا انه ليست هناك حضارة عربية مقطوعة الصلة بالرسالات السماوية، ونسي آخرون بانه لا مجال للتشدق بحضارة اسلامية تنسي النسبة العربية او تتجاهلها او تتناقض معها. وهنا تاتي قضية اخري لن اتوقف عندها كثيرا لانها راسخة في اذهان الكثيرين وهي ان الفكر القومي، تماما مثل الفكر الديني، فرض علينا مرحليا اسلوب الحزب الواحد، واعترف هنا ان الظروف السياسية التي واجهها الوطن العربي في كفاحه جعلت من الممارسة الديموقراطية الكلاسيكية ترفا يُطلب منا الا نفكر فيه لان الاستعمار الجديد يشحذ اسلحته لتدميرنا، مما يتطلب الحفاظ علي وحدة الصف والهدف والنظرة والفكر، وهو ما لم يكن خطأ بشكل مُطلق ولكن استمراره خطيئة لا جدال فيها.

والاكثر امعانا في ممارسة الخطيئة هو ان يكون هذا فرصة للحفاظ علي جثة سليمان بعد ان انقضي اجله، ولتكريس انظمة حكم تحولت شيئا فشيئا الي واجهة حقيقية لسيطرة المال والمخابرات، وتعمل، ادركت ذلك ام تعامت عنه ام غاب عنها تصوره، لمصلحة كل القوي الاحتكارية التي تتواطأ في الشمال للسيطرة علي الوطن العربي وتخريب التكامل بينه وبين عمقه الاسلامي.

ونحن بلد استرجع استقلاله بثمن باهظ وبتضحيات هائلة، وسار، نحو عقدين من الزمان، باسلوب الحزب الواحد، ولكن من منطلق بسيط وواضح، هو ان الحزب الواحد يُشبه جبيرة الجبس علي ساق مكسورة، يجب ان يُترك زمنا محددا وينزع بعد التئام الكسر، والحفاظ عليه بعد الفترة الزمنية المطلوبة يؤدي الي ضمور العضلات وربما الي ما هو اسوأ من ذلك، ومن هنا كان الرئيس الجزائري هواري بو مدين رحمه الله يُعد العدة في منتصف السبعينيات للانتقال من مرحلة الحزب الواحد الي مرحلة جديدة هي مرحلة التعددية التي يتم الانطلاق نحوها باسلوب تدريجي تتكامل فيه رغبة القاعدة مع ارادة القمة، وانا اقول هذا وقد عشت تلك المرحلة مع فكر الرئيس الراحل.

وتبقي النقطة الاخيرة وتتعلق بدور المثقف في هذه المرحلة، والذي اراه عملا يقترب اسلوبه من اسلوب عمل النحل، اي انه اسلوب جماعي لا مجال فيه للفردية، ولا مكان فيه للعبقري الاوحد الذي لا ينتظر من الناس الا ان يقولوا له: آمين. ويمكنني القول بان المطلوب اليوم هو خلق ورشات فكرية مرتبطة ببعضها كالاواني المُستطرقة، يُمكنها ان تنجز الكثير علي درب وحدة الفكر، وليس وحدة التفكير، ليمكن تجاوز المحنة التي نحياها، والتي اعترف، كقارئ للتاريخ، بانها اسوأ مرحلة اجتازتها امة علي الاطلاق، فالاحصنة الخشبية فيها تكاثرت ولم تعد مجرد حصان واحد كالذي عرفته طروادة، وحجم الاختراق الفكري تجاوز كل ما كنا نخشاه ونحذر منه، والطوابير الخامسة تمارس عملها في وضح النهار وبدون خجل او حتي ممارسة لتقية سياسية.

واعتذر اذا كان بعض ما قلته قد صدم البعض، إذ كنت اتصور ان ذلك كان من حقي كمواطن، واتصور ان الكرة اليوم في ملعب المثقفين، الذين يتحتم عليهم الخروج من منطق جلد الذات او جلد عميرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية