تداعيات كورونا وحرب أسعار النفط تهدد الاقتصاد السعودي بالعجز

سليمان حاج إبراهيم 
حجم الخط
0

الدوحة “القدس العربي”: يواجه الاقتصاد السعودي منذ مطلع 2020 تحديات كارثية، نتيجة تراجع مداخيل النفط، بسبب حرب الأسعار التي يشنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على خصومه، ترافقها تداعيات فيروس كورونا التي شلت النشاط الاقتصادي بشكل عام.

وتزداد مخاوف صناع القرار في المملكة العربية السعودية من ارتداد الحرب التي افتعلتها، على الاقتصاد المحلي، مع امكانيات تبخر الاحتياطات النقدية التي تبلغ مستوى متدن، تزداد معه المخاوف من انكماش اقتصادي موجع.

وتأثرت مختلف القطاعات الاقتصادية، والإنتاجية، والخدماتية، في المملكة التي تعتمد بشكل تام، على مداخيل النفط لتمويل موازنتها، بسبب الأزمة الحالية.

حرب أسعار النفط أحدثت هزة في الاقتصاد العالمي

وأعلنت السعودية حزمة تدابير اقتصادية عاجلة، بقيمة تقارب 32 مليار دولار، للحد من تداعيات هبوط أسعار النفط، وتفشي فيروس كورونا.

وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان، إن الحزمة تتضمن تقديم أكثر من 13 مليار دولار للبنوك والمؤسسات المالية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما تتضمن تعليق تحصيل رسوم الجمارك على الواردات لشهر.

وتأتي هذه الإجراءات بعد يومين من إقرار الحكومة السعودية خفضاً يزيد على 13 مليار دولار، في موازنة العام الحالي، للحد من أثر الهبوط الكبير في أسعار النفط، وبالتزامن مع التعليق المؤقت للعمل في معظم أنشطة القطاع الخاص.

وقال وزير المالية إن الحكومة حصلت على الموافقة لزيادة سقف الدين العام إلى 50 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، بسقف 100 مليار ريال (نحو 27 مليار دولار) هذا العام.

وحسب هذه القرارات، سيُسمح لأصحاب الشركات بتأجيل مدفوعات ضرائب القيمة المضافة والسلع الانتقائية والدخل لثلاثة أشهر، وستلغى لثلاثة أشهر أيضا رسوم العمالة الوافدة التي تتقاضاها الحكومة عن توظيف الأجانب واستخراج تأشيرات الإقامة لذويهم.

وحاول الجدعان التخفيف من الصدمة، بتأكيده “أن الحكومة قادرة على استخدام مصادر مختلفة للتمويل مثل الدين العام والاحتياطيات الحكومية من أجل التعامل مع التحديات المستجدة” وأن هذا يسمح بالتدخل الإيجابي من خلال القنوات والأوقات المناسبة، مع الحد من التأثير على مستهدفات الحكومة في الحفاظ على الاستدامة المالية والاستقرار الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.

الإجراءات السعودية الأخيرة، تعد إجراءً سريعاً، للحد من العجز المالي في المملكة، التي تواجه انحدار أسعار النفط، وأنها أعلنت عن ميزانية حجمها 1.02 تريليون ريال (نحو 272 مليار دولار) للعام الجاري، والتي يعتقد أنها تقوم على افتراض أن سعر النفط سيبلغ نحو 60 دولارا للبرميل، لكن السعر انهار إلى أقل من نصف هذا الرقم.

وحذر العاهل السعودي الملك سلمان من أن البلاد تواجه معركة “أكثر صعوبة” في المستقبل.

وقال الملك في أول خطاب تلفزيوني “إننا نمر بمرحلة صعبة”. وأضاف أن “المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة على المستوى العالمي لمواجهة الانتشار السريع للوباء”.

شبح أزمة قاتلة

ودقت صحيفة “الايكونوميست” البريطانية، ناقوس الخطر، وعنونت مقالها التحليلي، الذي يشرّح الوضع الاقتصادي في المملكة، بـ”سنة ضائعة في السعودية”.

واعتبرت أن السعودية، بالكاد بدأت تتجاوز إرهاصات اغتيال جمال خاشقجي ومتاعب حرب اليمن، حتى انقلبت الأوضاع رأساً على عقب، بعدما خلط ولي العهد الحاكم الفعلي في السعودية، الأوراق كافة بانغماسه في حرب أسعار، اعتبرتها عدد من المصادر بالمجنونة والمتهورة.

وشدد تقرير الصحيفة أن قرارات رجل الرياض، كانت تستهدف خصمه بوتين، مقتنعة أنه بإغراق أسواق النفط بإنتاج يفوق الطلب، سيجعله الأمر، يستجدي بن سلمان، الجلوس لطاولة الحوار.

واعتبر التقرير أن الأمور لم تسر وفق ما خطط حاكم الرياض الفعلي، الأمير الشاب محمد بن سلمان، والذي إضافة إلى حرب أسعار النفط التي نزلت أسعارها إلى أدنى مستوى منذ 2003 قام مؤخراً، باعتقال وسجن عدد من الأمراء، وعشرات الموظفين الحكوميين في آذار/مارس الماضي.

قرارات الرياض حسب التقرير، لم تظل انعكاساتها على حدود روسيا فحسب، ولكنها وصلت حتى العاصمة الأمريكية واشنطن، وهذا تزامناً مع كارثة فيروس كوفيد-19 التي جعلت السعودية تغرق في بحيرات من النفط غير المرغوب فيه، بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي تزداد نذرها يوماً بعد يوم.  “الاكونوميست” تعتبر أن عام 2020 قد يغرق السعودية في حفرة عميقة، اقتصادياً ودبلوماسياً.

تبدد أحلام 2030

التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا المستجد، والمقترنة بتراجع أسعار النفط، تنسف طموحات وأحلام الحاكم السعودي، بتنويع مصادر الاقتصاد، والانتقال لما بعد النفط، مثلما روج منذ صعوده الحكم.

واعتبرت وكالة بلومبيرغ الأمريكية المتخصصة في الاقتصاد، أن خطة المملكة العربية السعودية لما بعد النفط تواجه الانهيار.

وأشارت في تحليل نشرته مؤخراً أن “الخطط المستقبلية لما بعد النفط في المملكة العربية السعودية، أضحت الآن، تحت رحمة الحاضر بشكل متزايد”. وتوقعت أن تواجه استراتيجية تحويل الاقتصاد السعودي، التي أيدها ولي العهد، تخفيضات كبيرة في الميزانية مع تفشي وباء الفيروس التاجي وتراجع أسعار النفط الخام للاقتصاد.

واعتبرت أن المبادرة واسعة النطاق التي تم الكشف عنها بالكثير من البهجة عام 2016 والتي أطلق عليها اسم رؤية 2030 والهادفة إلى تنويع مصادر الاقتصاد المعتمد على النفط، وجذب الاستثمارات الأجنبية، لم تعد سهلة التنفيذ.

وتتسرب من الدوائر السعودية معلومات عن محاولات المسؤولين إعادة تقييم المخطط، منها وزارة المالية على وجه التحديد، التي تتطلع إلى تقليص ميزانياتها، مع توقعات باللجوء لتخفيضات واسعة.

ضربة أخرى

المتابعون للشأن السعودي، يتوقعون أن تتسبب قرارات تعطيل العمرة، وامكانية إلغاء موسم الحج بسبب انتشار الفيروس المستجد، بتوجيه ضربة أخرى للاقتصاد السعودي.

ومن شأن القرار أن يسهم بدوره في تعميق أزمة ولي العهد الذي كان يطمح لجعل موارد هذه الشعائر الدينية، أحد ركائز رؤية 2030 التي كانت تنظر إلى ملايين الأشخاص من جميع أنحاء العالم، وقدومهم إلى المملكة العربية السعودية كل عام، كمصدر رئيسي للإيرادات غير النفطية.

وكانت رؤية الأمير محمد بن سلمان، سطرت 96 هدفًا عامًا لعام 2030. ويتوقع الخبراء أن عدداً منها لن يكون سهل التنفيذ في الظروف الراهنة، وهناك احتمالات لتعديلها أو إلغاء عدد من الخطط، أو استبدالها.

قلق شعبي

ويبدي بعض الخبراء تخوفات من أن انعكاسات الفيروس ليست فقط الأرواح التي يحصدها، واعتبرت إن “قتلى كورنا أقل بكثير من المفلسين بسببه، وهو الأمر الحاصل في المملكة”.

تضاف لها الانعكاسات الناجمة عن تراجع أسعار النفط، وتأثير ذلك على اقتصاد المملكة.

ويخشى العديد من الموظفين الحكوميين من تراجع إجراءات الدعم الحكومية على الرغم من ارتفاع تكاليف المعيشة. ويشعر بعض السعوديين بالقلق، من إمكانية تجميد آلية التوظيف في القطاعين العام والخاص، في حين أبدى طلاب سعوديون خشيتهم من تأثر المنح الدراسية الحكومية للتعليم في الخارج.

وتعتمد ثقة الجمهور على الإنفاق الحكومي ووضع النفط، وكلاهما تراجعا.

غضب أمريكي

دفعت السياسات والمناورات التي تنفذها المملكة العربية السعودية، والتي تزامنت مع أزمة اقتصادية ترعب عواصم العالم كوفيد-19 عدداً من الفاعلين في الساحة الدولية، التدخل، والسعي لوضع حد لتهور حاكم الرياض.

واستجابت الرياض سريعاً لتوصيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي امتعض من لعبة حليفه الهادفة إلى خفض الأسعار.

ولحظات بعد اتصال ترامب بالقيادة السعودية، سارعت الرياض الدعوة لعقد اجتماع نفطي عاجل لتحالف “أوبك+” وبقية المنتجين، والتراجع عن الموقف المتشدد السابق، واعتماد خطاب لين.

وقال الكاتب ديفد كيركباتريك في مقال في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، إن حرب أسعار النفط التي شنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أدت إلى حدوث هزة قوية في الاقتصاد العالمي، وأحيت الحديث في أروقة العواصم الغربية، عن مدى تهور بن سلمان، والتساؤل عن امكانية كونه شخصاً يمكن الاعتماد عليه.

وفي السياق نفسه أكد غريق برو الخبير في شؤون منطقة الشرق الأوسط، والباحث في جامعة ميثوديست الأمريكية، أن الخطوة التي اتخذها بن سلمان تشكل تدميراً مؤكداً، لأي اقتصاد يعتمد على النفط.

وأشار الكاتب إلى أن بن سلمان أعطى الضوء الأخضر لبلاده لضخ النفط بأقصى كمية، بعد أن رفضت روسيا مقترح أوبك لزيادة التخفيضات، من أجل التأقلم مع تفشي فيروس كورونا.

ومنذ ذلك التاريخ، تخوض السعودية وروسيا، حرباً على أسعار النفط، أعقبه إعلان الرياض زيادة ضخ الإنتاج، ليصل لمتوسط 13 مليون برميل يومياً، بحلول أيار/مايو المقبل، مقابل 9.8 مليون برميل يومياً، كانت تنتجها في شباط/فبراير الماضي.

التحركات الأمريكية لم تقتصر على رئيسها ترامب فحسب، ورافقتها تحركات لساسة في واشنطن، للضغط ودفع حليف بلادهم، التراجع عن الحرب التي أشعل فتيلها الشاب بن سلمان.

واتهم أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي السعودية وروسيا بشن حرب على الولايات المتحدة عبر النفط.

وقال أعضاء الكونغرس، في رسالة وجهوها إلى وزير الخارجية الأمريكي، إن المملكة اختارت توقيت انتشار وباء كورونا، والأزمة الاقتصادية لتصفية الحسابات في سوق النفط. وأضافوا أن دوافع السعودية قد تكون متعددة، تشمل معاقبة موسكو، وزعزعة استقرار استثمارات طويلة الأجل في أمريكا.

كما جاء في الرسالة أن هيمنة الولايات المتحدة على الطاقة أصبحت الآن تحت تهديد مباشر من بلد يصرح بأنه حليف لأمريكا.

حسابات خاطئة

اعتقدت دائرة بن سلمان التي تنفذ أجندات ولي العهد السعودي، أن إنتاج المملكة من النفط منخفض التكلفة، وتوهموا، أن موارد السعودية المرتفعة نسبياً، تمكنها من تحمل الأسعار المتدنية لسنوات.

لكن الواقع دحض تلك الحسابات، حيث تسجل الرياض عجزًا في ميزانياتها منذ 2014 وصل مجموعه إلى أكثر من 350 مليار دولار. وقد اقترضت المملكة أكثر من 100 مليار دولار وسحبت من احتياطياتها لسد العجز، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

ويقول خبير حسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، إن الاقتصاد السعودي سيكون الأكثر تأثرا، لأن الاقتصاد الروسي عكسه متنوع، ولا يعتمد بالدرجة الأولى على إيرادات النفط، كما هو الحال في السعودية.

ووفق تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” فإن السعودية لا تزال تعتمد بشكل كبير على النفط، والأكثر من ذلك أن احتياطياتها النقدية ظلت ثابتة منذ حوالي أربع سنوات عند نحو 500 مليار دولار، بانخفاض عن ذروتها البالغة حوالي 740 مليار دولار في صيف عام 2014.

ويقول المحللون، حسب الصحيفة، إن السعودية تحتاج إلى ما يسمى سعر التعادل البالغ نحو ثمانين دولارا للبرميل للوفاء بميزانيتها من دون خفض جديد للاحتياطيات أو اعتماد تدابير تقشفية مؤلمة، لكن الأسعار حالياً، هبطت إلى نحو ثلث سعر التعادل.

وتشدد كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن، على أن “التهديد للأمير محمد لا يأتي من منافسيه، بل من انهيار عائدات النفط ومعه خططه الاقتصادية الطموحة”. ويبدو أن الأوضاع الحالية في المملكة تتجه نحو هذا السيناريو الضبابي، ما لم يتدارك الحاكم الفعلي في الرياض، أخطاءه، ويتفادى سياساته المتهورة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية