تداعيات

حجم الخط
0

حكايات من البر الانكليزي لحظة ان تمنيت… جمعة بوكليب تداعيات ردينغ بلدة صغيرة جداً، جنوب غرب لندن، مجرد محطة صغيرة يقف بها القطار السريع في طريقه من بادنجتون لندن الي بريستول. وهي اضيق من خرم ابرة وممسوخة الملامح، وكانت في السنوات الثلاث التي اجبرت علي العيش فيها علي علاقة غير وطيدة مع نفسها، ورغم ذلك ربطتني بها علاقة من نوع خاص، فتحت الباب امام اسئلتي لتتسلل خارجة من مخبئها، وكادت ردينغ ان تكون غزالتي الشريدة وكدت ان ادوخ وراءها لولا المعتوه ديفيد.

وديفيد هذا، ولد انكليزي، في حوالي منتصف العشرينات من عمره، معتوه، بعينين زرقاوين، وعقل خام، وشعر اشقر طويل وقذر، وانف صغير في حجم زر قميص يجعل من يراه يتساءل ان كان بمقدور حامله التنفس من خلاله. اول مرة (شفته) ضاق خاطري، وتنكدت حين عرفت انه يقيم في الشقة التي تقع تحت شقتي. وتنكدت اكثر حين اضطررت، ادباً ومجاملة، للوقوف معه وخوض غمار حديث يمكن وصفه بالسوريالية. تلك اللحظة، وهو يحدثني، تذكرت وحشة الشاعر محمـد الشــــــلطامي: آه ما اتعس ان يفتقد المرء وجوه الاصدقاء. تلك اللحظة، تقلصت ردينغ الي نقطة توتر في علاقتي بمحيطي، وتمنيت علي الله العظيم ان يفوّت الامور علي خير.

غير ان الخير وديفيد مثل المتوازيين لا يلتقيان ابداً، ومصيبتي انني عرفت المصير الذي ينتظرني من جراء سكناي جواره منذ اشهر اول ضحكة له في وجهي. وقتئد كان سوء الحظ، الممثل في هذا الولد المفعوص، اخر ما كنت اتوقعه او اشتهيه خاصة وان الامتحانات النهائية كانت علي بعد اقل من شهر. منذ اول لقاء بيننا في الشارع، ركبت علاقتنا علي سكة لا تأخذ ولا ترد. كنت طالباً علي وشك التخرج، وكان هو عاطلاً، يعتاش علي صديقته، وكان يصغرني سنّاً، ويتعاطي تقريباً كل انواع المحظورات والممنوعات، ولا ينام الليل. حين يستيقظ من نومه اول المساء، يشعل سيجارة، ويفتح زجاجة جعة المسماة (سايدر) ماركة مشهورة ومحبوبة جداً بين المتشردين والمدمنين علي الشراب لرخص ثمنها وكبر حجمها. في الوقت الذي يبدأ فيه جاري العزيز احتساء اول جرعة من زجاجته، اكون انا في شقتي الصغيرة جالساً في مكتبي، اراجع دروسي. بمجرد ان اسمع صوت خطواته وهو يتحرك في شقته، ارفع عينين مبتهلتين الي الله راجيا ان يفوّت الليلة علي خير وان يمنّ عليّ بما تبقي لديه من صبر نبيه ايوب. كانت الشقة التي اقيم بها جميلة ومريحة ورخيصة الايجار، وبايجاز لٌقطة راقت لي منذ اول لحظة دخلتها صحبة المالك لمعاينتها. في نفس اليوم وقعت علي عقد الايجار ودفعت المقدّم وانتقلت للسكني بها. لا شيء – عدا رخص ايجارها – يجعلها شقة مميزة سوي انها كانت شقتي وملجئي الآمن. ليلتي الاولي بها كانت معقولة جداً مقارنة بالليالي التي اعقبتها. قرابة الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً وانا علي وشك عبور اول بوابات الموت المؤقت، حين فجأة سمعت اصواتاً تأتيني من شقة جاري ديفيد، وعرفت من الهرج والمرج ان جاري واصدقاءه قد عادوا لتوّهم من البار، وانهم في حالة سكر واضح. بدأت استعدادتي لكل الاحتمالات. فكرت في كل ما بمقدور عقل متعب وفي حاجة للراحة ان يفكر فيه من احتمالات سيئة، ولم يخطر ببالي، حتي في الحلم، ان يكون ديفيد يملك في شقته جهازاً موسيقياً بمضخم صوت مثل الموجود في الملاهي الليلية! المشكلة ان ذوقي وذوق جاري فيما يتعلق بما نحب ان نسمع من موسيقي مختلفان حد الخصومة. تمنيت علي الله ان يفوّت الليلة علي خير لولا ان ديفيد والخير كمتوازيين لا يلتقيان. انتظرت حتي الساعة الواحدة والنصف صباحاً، وحتي آخر قطرة في جراب صبري، ثم غادرت سريري ونزلت السلم بخطوات سريعة. فتحت باب شقتي وخرجت وسرت باتجاه شقته، وطرقت الباب بقوة. فتح ديفيد الباب، وبدون انتظار لما سأقوله شتمني شتيمة مقذعة. انتظرت حتي سكت ورددت الشتيمة بمثلها واسوأ، وشتمت عكس الدنيا الذي ساقني للعيش الي جوار حيوان مثله، وعدت الي شقتي متقداً ومختنقاً بغضبي.

الليلة الثانية لم تكن اسهل من سابقتها، اما الليلة الثالثة فقد كانت اشبه بالابتلاء الذي لا يطيقه حتي الانبياء. كنت خلال تلك الليالي والايام اعتمد علي ما في جرابي من صبر، لكن الصبر مثله مثل اي بضاعة استهلاكية قابل للنفاد. كان صبري، في حقيقة الامر، ناجماً عن عجزي عن فعل اي شيء، ولم اكن املك لا المال ولا الوقت للبحث عن شقة اخري والرحيل الي مكان آخر. وكان الصمود في هذه المواجهة خياراً لا يد لي فيه، وكنت اعلم تماماً انني في حرب ليس لدي عدوي فيها ما يخسره.

حاولت التفاهم معه بالحسني، وحاولت جهدي ان اشرح له الاهمية التي اعلقها علي اجتيازي عقبة الامتحانات، وكان الملعون ابن الملعون يستمع اليّ وسيجارة حشيش بين شفتيه، وامامه زجاجة (السايدر) يلعب باصابعه علي اوتار قيثارة، ناظراً اليّ بعينين ساخرتين متحديتين وصفيقتين. كان يعرف اني لا استطيع ترك شقة استأجرتها منذ ايام قليلة، وكان سعيداً جداً برؤيتي علي هذه الحالة من سوء المصير، لذلك كان يتنازل، في آخر الامر، ليؤكد لي بانه سيفعل ما بوسعه، علي الاقل، حتي نهاية الامتحانات. مع هطول الليل وتحت تأثير المصائب التي يتعاطاها يتحول الي حيوان غريب ونادر، وشديد القبح، وسادي.

شكوته الي المالك، فكانت شكواي بمثابة صرخة في واد. شكوته الي المجلس البلدي، فأحالوني علي الشرطة لان ديفيد -حسب وصفهم – حالة مستعصية!! التقيت برئيس القسم في الجامعة وشرحت الموقف بالتفصيل فنصحني هو الاخر بالالتجاء الي الشرطة. التجأت كارهاً للشرطة، فأرسلت النقطة معي شرطيين في سيارة ورجعا بخفي حنين بعد ان رفض جاري فتح باب شقته او الحديث معهما من خلف حجاب.

تلك الليلة كان موعدي مع قدر لا يرحم. ركب رأس ديفيد ستون عفريتاً، وبدأ الحفل بمعزوفة شتائم طالتني وطالت كل من له علاقة بي. بعدها بدأت الموسيقي. موسيقي لا تذكرك ضوضاؤها الا بضوضاء الموسيقي التي استخدمتها القوات الامريكية لاخراج رئيس بنما الاسبق (نورييغا) والذي كان هارباً من القبض عليه في ملجئه لدي سفارة الفاتيكان. كنت اعرف هدف عدوي، لذلك استنجدت بالصبر. بعد الموسيقي بدأت وصلة اخري مميزة اهم ما فيها ان جاري ظل يصرخ باعلي صوته متهماً اياي بتهمتين خطيرتين: الاولي انني ليبي!! والثانية انني اصنع قنابل في شقتي لصالح الجيش الجمهوري الايرلندي!! تلك اللحظة، والغضب نار تأكل قلبي واحشائي تمنيت لو ان في حوزتي قنابل نابالم او قنابل من اي نوع قادرة علي نسف ديفيد من جذوره لأريح العالم ونفسي من صفاقته وقذارته.

تلك الليلة بعد ان قررت مغادرة الشقة وعدم العودة اليها مطلقا، طفت، وحيداً، شوارع ردينغ الغارقة في الصمت والبرد، وعلي وشك البكاء. ہكاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية