تداعي الأمن العربي الإقليمي والقومي في سياق تبلور نظام دولي جديد

حجم الخط
0

■ شهدت المنطقة العربية وجوارها الإقليمي، الذي يصطلح عليه بالشرق الأوسط، والذي تغيرت محدداته خلال عقود مضت، فبينما كان إبان الحرب الباردة يشمل ما سمي بالشرق الأدنى، متوسعا باتجاه تركيا شمالا وإيران وبلدان شمال افريقيا غربا، إلا انه يمكن القول بأن مصطلح الشرق الأوسط اتسع منذ مطلع التسعينات، وغداة تفكك الاتحاد السوفييتي (السابق) بحيث شمل بلدانا من آسيا الوسطى التي يعتبرها الغرب البطن الرخوة للاتحاد السوفييتي، التي خرجت من عباءته تبحث عن انتماء قومي او ديني فتجاذبتها قوى إقليمية، إيران التي تمثل خطا قوميا فارسيا وإسلاما شيعيا، وتركيا التي تمثل نهجا ليبراليا علمانيا وسنيا في الوقت ذاته.. ناهيك عن قوى إقليمية ودولية أخرى تبحث عن دور في الجمهوريات الإسلامية وسط اسيا، ولكنها اقل تأثيرا.
ومن نافل القول ان منطقة الشرق الأوسط عموما تميزت بأهميتها الجيوسياسية لاعتبارات اقتصادية وحضارية، وكذا لوجود إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، ومن هنا فان قلب هذه المنطقة الحيوية هو بالفعل لولب الاهتمام العالمي للقوى المتصارعة اليوم، فقد دخلت المنطقة العربية مرحلة من التفكك والتداعي غداة انهيار المنظومة الشرقية الاشتراكية نهاية الثمانينات، واستهلت بالحرب على العراق اثناء غزوه للكويت، ويومذاك بدأ النظام الإقليمي العربي ينحو منحى سلبيا وينزلق للأسوأ بصورة لم يسبق لها مثيل، وقد زاد الطين بله، ما عرف بثورات الربيع العربي، حيث انكفأ كل بلد على مشاكله، وتطلّعت دول اخرى، سواء كانت إقليمية من دول الجوار العربي او دولية، للعب دور في تلك التحولات، وقد مثلت تلك الثورات العربية مفاجأة إستراتيجية للقوى الغربية، والولايات المتحدة تحديدا، وما ان تبينت ملامح التغيير حتى بدأت تلك القوى بالتدخل الصريح على النحو الذي جرى وعلى أكثر من صعيد، فكل بلد كان له أسلوب للتعامل مع الحالة الخاصة به. ففيما كان في ليبيا تدخل من الناتو، اتخذ في سوريا أشكالا متعددة، منها دعم محدود للمعارضة ومن ثم التلويح بضربة موجعة سميت بالعملية الجراحية المحدودة والخاطفة، كانت محركا ووازعا للوصول لاتفاق امريكي ـ روسي، ادى الى نزع الأسلحة الكيماوية، وهو الأمر الذي جنب سوريا تلك الضربة المحتملة، وانتهى التعامل الأمريكي تجاه الأزمة السورية بالوفاق الأمريكي الروسي في مفاوضات ما عرف بجنيف 1 وجنيف 2، اللذين لازمهما الفشل الذريع. وكذلك ما حدث في مصر قبل وبعد الثلاثين من يونيو/حزيران من العام الماضي، ويظهر النفاق الغربي في حالة التعامل مع البحرين على اعتبار إنها تخضع للمجال الحيوي لشقيقتها السعودية، والأمر نفسه بالنسبة لليمن. ولعل الأزمة السورية التي دخلت عامها الرابع احد المؤشرات القوية لعودة الحرب الباردة، وما تبعها من تطورات في أوروبا ذاتها، بعد ان أصبحت القضية الأوكرانية وضم القرم لروسيا تهديدا مباشرا بنظر الغرب.
يقول بعض المراقبين ان القضية الأوكرانية تمت بإيعاز وأياد غربية بغرض صرف نظر روسيا المتطلعة الى دور جديد في سوريا وسواها. فإشغال الدب الروسي، هو بغرض القضاء على نظام الرئيس الأسد في سوريا وإعادة تشكيل المنطقة بما يتلاءم ونظرية الفوضى الخلاقة التي بشرت بها أمريكا قبل بضع سنوات.
وقد يذكر التاريخ بأن الأزمة السورية هي من أصعب واعقد القضايا الإقليمية والدولية التي شهدت تداخلا وتقاطعات عصت عن الحل العربي والإقليمي والدولي، لان الجميع ببساطة متورطون فيها، ومن هنا فلن تضع الحرب أوزارها إلا عندما تدرك تلك الأطراف المتنازعة، إقليمية كانت او دولية، بأن استمرارها لم يعد في صالحها، حينها قد تتفق حتما بالمساومات او بطريقة وأخرى على ترتيبات للخروج من المستنقع السوري، ويمكن إسقاط نفس الحالة على اليمن أيضا. وقد تكون سوريا محطة التغيير الجذري للنظام الدولي بالانتقال من الأحادية القطبية خلال العقد المنصرم الذي كان يمثله القطب الأمريكي، إلى الثنائية القطبية المرنة روسيا والصين من جهة، والغرب وأمريكا من جهة أخرى. وقد يكون ذلك مقدمة لتعدد أقطاب أخرى كالهند وقوى أخرى، وتعود بالتالي أجواء الحرب الباردة والتنافس الدولي المحموم.

٭ كاتب يمني

عبدالوهاب العمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية