تداولية الفعل السيرذاتي: عندما يستجيب النوع الأدبي لأنماط النشاط التكلمي

يسمح لنا المسار النظري المتشعب الذي صاحب تأمل الخطاب السيرذاتي والتنظير له، بالتعرف على أهم المشكلات والقضايا التي طرحها خلال العقود الخمسة الأخيرة. وبما أن الأطر الإبستمولوجية، الصريحة أو المضمرة، المعتمدة في قراءة النصوص السيرذاتية كانت مختلفة ومتنوعة، فقد انعكس ذلك على جهود المقاربات النظرية والنقدية التي تفاعلت في ما بينها معرفيا، وتباينت من حيث طرق تحليلها وأجهزة تلقيها إلى درجةٍ تكشف عن أننا لسنا أمام «نوع ليس بالجاد» أو «نوع قَذِر» كما عملت أيديولوجيا السيرة الذاتية على إشاعته، بل هو «نوع ذو اعتبار» لقي اهتماما مُتزايدا في الوسطين الجامعي والثقافي، بموازاة مع الاهتمام المتعاظم بالكتابات الذاتية في العلوم الإنسانية.
وأمام الإشكالات النظرية والمعرفية التي أثارها نوع السيرة الذاتية من حيث حدودها، ومظهرها المرجعي، والخواص النوعية التي تتأتى من أشكال كتابتها وتدوينها في الخطاب، انفتحت هذه المقاربات على معارف ومناهج متعددة (الفلسفة، علم النص، التحليل النفسي، الأسطوغرافيا، التداوليات، التفكيكية..). وفي خضم ذلك، كان الخلاف في محاولات تعريف النوع السيرذاتي أساسا يأتي من الجواب الذي أُعطي للسؤال التالي: هل يرجع الأدب الذاتي ليقين الموقف الحميمي، أم لشعرية الأنواع ووضعها اللساني والتداولي؟
تنأى المقاربات بنفسها عن أي تعريف تعميمي للكتابة السيرذاتية، لأن مثل هذا التعريف منذورٌ للفشل، إذ ليس بوسعه أن يأخذ بأشكال التفرد والأصالة والسياقات المختلفة (الاجتماعية، التاريخية، الثقافية، السياسية والإثنية) التي تكمن خلف إنتاج كل حكي ذي طابع سيرذاتي. بيد أن هذه المقاربات لا تخرج، رغم اختلافها الظاهر، عن التصور المتعارف عليه بخصوص نوع السيرة الذاتية، الذي يرى أن الأنا الذي يحكي عن حياته في النص، إنما يوجد داخل انسجامه ووحدته، قبل أن يُعبر عن نفسه داخل اللغة. وبالتالي، فالإمكانات المرجعية لا يطالها الشك، واللغة يمكن أن تُمثل الأنا ووجوده، والسرد يتبع عادة النظام الكرونولوجي للحياة المروية. لكن صعود أشكال الكتابات الذاتية عبر الميل إلى الاستدخال والعكوف على التجربة الداخلية وأغوار الذات، قد وازاه صعود منحنيات التخييل على نحو يبلبل أي تعريف للنوع السيرذاتي، وبالقدر ذاته يُعقد وضعية الميثاق اللوجوني (نسبة إلى فيليب لوجون).

النوع ضمن السياق

ومهما كان المفهوم المتبنى لدراسة هذه الأشكال من كتابات الذات المتنوعة (الاعترافات، المذكرات، اليوميات، محكيات الحياة، التخييل الذاتي، المراسلات الرسمية أو الخاصة، بطائق السفر البريدية، البورتريه، ألبوم الصور، الوصية، المقابلات الإعلامية، المقدمات، المحادثة الغرامية..) وعبر انفتاحها على الفنون الأخرى (الشعر، الرواية، الرحلة، المسرح، السينما والفيديو..) فإن هذا الإنتاج الأدبي يستجيب بسحره للمعيش واليومي، وينهض بها أنا الكاتب وأنا الذات في فضاء كتابته؛ ذلك الأنا الذي يستطيع أن يُفاوض من خلال الكتابة السيرذاتية فضاء مُميزا، ويدرك نفسه بقدر ما يدرك الآخر ويدرك العالم الذي ينخرط فيه ويكتبه، باحثا عن هُويته لابتكارها وبنائها من جديد. ومن ثم، فإن كل تعريف لهذه الكتابة يستجيب لشكل المقاربة التي تتبنى عتاد النظرية الخاصة بها، بما في ذلك المقاربة التداولية.
في أبحاثها التي تعتمد المنظور التداولي لتحليل النوع السيرذاتي، تُسلم إليزابيث بروسE.W. Bruss بأن السيرة الذاتية ليست شكلا قابلا للتعرف، وأي «محاولة تعريف النوع تبعا لمعايير التأليف أو الأسلوب يكون مآلها الفشل» وتثبت أن النص يستمد قوته الأنواعية من نمط الفعل الذي يفترض أنه يحيل عليها، ومن السياق الذي يحيط به ضمنيا، ثُم من طبيعة العناصر التي تساهم في نقله، وبالتالي تستنتج أن السيرة الذاتية إنما هي فعلٌ لغوي.
كأي خطاب، أدبي أو عادي، تستجيب السيرة الذاتية لمختلف أنماط النشاط التكلمي illocutoire (الإثبات، الأمر، الوعد والاستفهام). من هنا، تعقد بروس مُشابهة بين مفهوم النوع الأدبي ومفهوم الفعل التكلمي، مستلهمة أفكارها مما يسمى «نظرية أفعال الكلام» التي بلورها كل من أوستين وسورل. بحسب هذه النظرية، تغدو السيرة الذاتية فعلا يبني في ذاته اللحظة السيرية الأهم في حياة المؤلف. ومثلما صنع لوجون، تشرع بروس في الحديث عن الطبيعة المرجعية للسيرة الذاتية، وترى أنه توجد سمات ملائمة تشترك فيها جميع السير الذاتية، وتُميزها في الوقت نفسه عن الأشكال الأدبية الأخرى، وذلك من خلال ما تقترحه من حجج أو قواعد.

وبالنظر إلى هشاشة الوضع الخاص بالسيرة الذاتية بوصفها نوعا، والوحدة المزعومة للأنا السيرذاتي، تبحث بروس أسبقية الوجود، ثم الذات، على الخطاب (اللغة): «إذا كان من المستحيل تمييز الذات وإبرازها في السينما (…) فإن الخطاب الذي يمكن أن يظهر بكونه انعكاسا أو أداة للأنا، يصير أساسا لها وشرط وجودها كذلك».

قواعد النص السيرذاتي

أبرز هذه القواعد التي يمكن أن تُطبق على النص السيرذاتي؛ هي ثلاث:
● القاعدة الأولى: يتبوأ كاتب السيرة الذاتية دورا مزدوجا، فهو مصدر موضوع النص ومصدر البنية التي يقدمها نصه؛ إذ يتحمل المسؤولية الشخصية للإبداع ولتنظيم نصه، ويفترض فيه أثناء تنظيم النص أن يكون مطابقا لفرد محال عليه عبر موضوع النص، بل إن وجود هذا الفرد مفتوح، باستقلال عن النص، أمام إجراءات تحقيق للتأكيد العمومي.
● القاعدة الثانية: ينظر إلى الخبر والأحداث المقدمة بصدد السيرة الذاتية بوصفها صحيحة أو يجب أن تكون كذلك. فبناء على الاتفاقات الموجودة، هناك مطالبة بأن ينظر إلى ما تقدمه السيرة الذاتية بوصفه صحيحا وموثوقا به (مهما كان من الصعب الحفاظ على هذه الحقيقة) وأن يتعلق موضوع هذا التقديم بالتجارب الخاصة لفرد ما أو بوضعيات مفتوحة لملاحظة جمهور ما. ومن هنا، يُنتظر من الجمهور أن يقبل ما تقدمه السيرة الذاتية بوصفه فعلا واقعيا، ويبقى حرا في التأكد منه أو محاولة إثبات أنها كاذبة.
● القاعدة الثالثة: سواء أتم التمكن من تخطئة الموضوع المقدم أولا، أم كان قابلا لإعادة التشكيل من أي زاوية نظر أخرى كيفما كان نوعها، فإننا ننتظر من كاتب السيرة الذاتية أن يكون مؤمنا بما يؤكده. وهذه القواعد قد تخرق كلها أو إحداها؛ بمعنى أنه لا يوجد إلا «قواعد تكوينية» قليلة تشترك فيها كل السير الذاتية.
إن هذه القواعد التي يُعتقد بأنها مُكملة لمفهوم التطابق «اللوجوني» وهي بمثابة شروط عامة للفعل السيرذاتي، بيد أنها لا تُخصص الأشياء كلها، إلا في ما يتصل بموضوع العمل وعلاقته بهُوية المؤلف، أو بالقارئ وأهميته في أن يتحقق من الوقائع التي يسردها المؤلف. فعلاوة على مفهوم الحقيقة الذي تلح عليه في تحليل سير ذاتية نوعية، تشير بروس إلى الوعي بالقيمة التكلمية للسيرة الذاتية كفعلٍ لغوي.
ولهذا، يمكن أن نلخص القيمة التكلمية للفعل الكلامي في إنجاز ما يقوم به المتكلم أثناء تلفظه بشيء ما (وعد، أثبت، سامح، إلخ). وتفسر بروس أن الفعل التكلمي يترتب عليه الفعل السيرذاتي، فيغدو النص السيرذاتي تحقيقا لوضعية تواصلية تحتوي- نمطيا- على متكلم ومخاطب. فداخل النص توجد سماتٌ لسانيةٌ ترشد القارئ إلى طبيعة هذه العلاقة: قصد المتكلم، ورد الفعل الذي يرغب في إثارته لدى مخاطبه، وسياق السرد، وكيف يتموضع الفعل ذاته في علاقته بالفضاء والزمن. ويمكن أن يحلل القارئ هذه السمات باعتبارها كاشفة عن هُوية المؤلف.

الفعل السيرذاتي

في دراسة أخرى زاوجت بين المنظور التداولي وتحليل العمل السينمائي السيرذاتي، تؤكد بروس أن «قوة السيرة الذاتية بوصفها نوعا والسمات البارزة التي ميزتها طوال تاريخها عن أنماطٍ أخرى من الخطاب، إنما هي سياقية أكثر منها شكلية»؛ لأنه ـ في نظرها- لا يوجد لا تسلسلٌ سردي، ولا طولٌ مُتفقٌ عليه، ولا بنية وزنية، ولا أسلوب ينتسب إلى السيرة الذاتية بخاصة، أو قد يكفي لتمييزها عن السيرة، وحتى عن التخييل نفسه.
ومع ذلك، ثمة ثلاث قيم يمكن أن تميز السيرة الذاتية كنوع: الحقيقة، الفعل (السيرذاتي) والتطابق. وأول ما يمكن أن يُثار، هنا، هو مشكلة السيرة الذاتية الزائفة، التي يبدو في نظر إليزابيث بروس أنها لا تعتبر مدرجة في نوع السيرة الذاتية. هل السيرة الذاتية التي هي زائفة حري بها أن تحمل هذا الاسم؟ الواقع أن استعماله المتساهل والدارج أكثر فأكثر يبرز بداية انعطاف في أفق انتظار السيرة الذاتية: تبقى الحقيقة في قلب الانتظار دون أن تكون قسرا عليه. ثمة بلا شك انتقال يجري نحو الهم السيكولوجي، عمل الكتابة، إلخ. ورغم ذلك، يبقى هذا الاتجاه يمثل حصة الإنتاج السيرذاتي المتعلق بالتجربة (حالة السيرة الذاتية النقدية أو الجديدة) ويظل الإنتاج الضخم أقل تأثرا بالتغيرات.
من هنا، يرجع الفعل السيرذاتي إلى المسعى الشخصي للكاتب، بينما التطابق هو تطابق المؤلف والسارد والبطل. ويتلاءم هذا التطابق مع الالتباس الحاصل بين ذات الخطاب (أو ذات التلفظ) وذات الجملة (أو ذات الملفوظ). فالأنا السيرذاتي «يصير أقل مشابهة بالكائن المستقل وأكثر بـ(الموقف المجرد) الذي يظهر عندما يتجمع عددٌ ما من الاتفاقات، ويختفي عندما يُتخلى عن الاتفاقات التي يتعلق بها».
وبالنظر إلى هشاشة الوضع الخاص بالسيرة الذاتية بوصفها نوعا، والوحدة المزعومة للأنا السيرذاتي، تبحث بروس أسبقية الوجود، ثم الذات، على الخطاب (اللغة): «إذا كان من المستحيل تمييز الذات وإبرازها في السينما (…) فإن الخطاب الذي يمكن أن يظهر بكونه انعكاسا أو أداة للأنا، يصير أساسا لها وشرط وجودها كذلك».
تفيد هذه الاستنتاجات في إعادة استنطاق بعض الأفكار المتحصلة، وتسليط الضوء على العلاقة الحوارية بين الوجود والخطاب، ذات الملفوظ وذات التلفظ، ثبات الأنواع وتحولها. ومع ذلك، تعطي الانطباع بالبقاء في إطارٍ من الوحدة وترتيب العلاقات على نحو قد يؤدي إلى قلب الأمور: الخطاب قبل الوجود، ذات التلفظ قبل ذات الملفوظ، الكتابة قبل الحياة، والحاضر قبل الماضي.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية