ملاحظات الإيقاع السريع الناتجة عن زيارات رئيس الحكومة للمؤسسات بدأت تسطو على ما تيسر من أوقات للعمل المباشر عند وزراء الاختصاص الأمر الذي يتحول إلى مشكلة لا بد من معالجتها.
عمان ـ «القدس العربي»: ما الذي تعنيه حصرا في مربع الإدارة السياسية زيارة تستمر لـ 7 دقائق فقط يقوم بها رئيس الوزراء لأحد المشافي العامة في منطقة الأغوار؟
سؤال يطرحه المراقبون من خارج الحكومة الأردنية على طاقم رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان وهو يقرر بصيغة معلنة بأن حكومته ستمارس عملها في الميدان بشكل أساسي.
لكن السؤال بيروقراطي الطابع يطرحه المراقبون وأحيانا الموظفون في الحكومة بعنوان: ما هي توقعات رئاسة الوزراء المحددة والمفصلة من وراء تعميم الزيارات الميدانية للمناطق والمراكز والمدارس والمستشفيات بتوقيع رئيس الوزراء شخصيا وأحيانا بدون حضور وزراء الاختصاص؟
ما يبدو عليه المشهد أن رئيس الوزراء نشط للغاية وزياراته الميدانية المباغتة خصوصا في الأطراف سريعة الإيقاع وخاطفة وتدلل على سعي رئيس الحكومة ليس للعلم بالتفاصيل، ولكن التدخل فيها بمعنى الاطلاع والمتابعة الحثيثة مع أن مثل تلك الزيارات قد لا تكون منتجة إداريا ولا ينتج عنها فارق كبير خلافا لأنها مسؤولية الوزير والأمين العام برأي الخبير الدكتور ممدوح العبادي الذي يلاحظ علنا بأن مثل هذه الجولات الميدانية مهمة لكنها ليست فعالة جدا ولا تحدث فارقا.
انعكاسات جولات الرئيس حسان الميدانية على المساحة الإدارية العامة لا تبدو منسجمة أو متسقة، فوراء الخدمات مثلا الآن ومع انشغالاتهم الموسمية في الملفات المعقدة يوميا بدأ يتشكل أمامهم واجب جديد يتطلب وقتا وأحيانا مالا وفكرته متابعة توجيهات رئيس الوزراء وتعليماته الناتجة عن جولاته الميدانية، بمعنى ان الامتثال للتوجيهات الرئاسية بدأ يحتاج وقتا من وزراء الاختصاص. وقد يحتاج أحيانا لأموال غير موجودة، لأن ما يفترضه رئيس الوزراء عند أي زيارة ميدانية هو أن الإجراء ينبغي ان يتخذ وبسرعة لمعالجة إشكالية ما تظهر.
ذلك نمط مستجد في الإدارة العامة في الواقع، فرئيس الوزراء السابق وغيره كانوا يفوضون الوزراء فقط ولا يتدخلون بالتفاصيل إلا عند حدوث مشكلة. لكن ما يريده رئيس الحكومة الجديد هو متابعة المشكلة ميدانيا وهي صغيرة حتى لا تتفاقم وتصبح أكبر مما يؤشر ضمنا على ذلك الفارق ما بين الواقع النظري الافتراضي لرئاسة الوزراء كما تتصور دورها في المتابعة والمراقبة للأداء الوزاري، وبين التطبيق والوقائع ما ينتج من ارباكات إدارية قد يكون سبب بعضها تحول الوزراء أثناء العمل اليومي باتجاه تخصيص الوقت وأحيانا هدره لمتابعة احتياجات الحراك النشط في الجولات الميدانية لرئيس الوزراء وطاقمه.
تلك مسألة رغم صوت الوزراء حتى اللحظة على الأقل تبدو مرهقة إداريا ولعل الامكانية لم تكن متوفرة لمتابعة هذا النمط في الإدارة واستمراره إذا ما انعقدت دورة البرلمان حيث يسطو مجلس النواب بالعادة على أوقات الحكومة ويشغل الوزراء ويحتاج التفاعل مع البرلمانيين لساعات من العمل الإداري اليومي، مع أن رئيس مجلس النواب سابقا أحمد الصفدي كان قد تحدث بحضور «القدس العربي» عن طموحات نوقشت للحفاظ على تواقيت الوزراء والحكومة بمعنى عدم هدرها وبمعنى توفير صيغة لا تلزم الطاقم الوزاري إلا بحضور جلسات الاختصاص البرلمانية والتركيز على حضور الوزراء للجان فقط وأعمالها الرقابية والتشريعية.
قد يطلب حسان ذلك من رئاسة مجلس النواب الجديد لاحقا. إلى أن يحصل ترتيب ما للعلاقة بين الوزراء والنواب لا بد من الإشارة إلى أن ملاحظات الإيقاع السريع الناتجة عن زيارات رئيس الحكومة للمؤسسات بدأت تسطو بدورها على ما تيسر من أوقات للعمل المباشر عند وزراء الاختصاص الأمر الذي يتحول إلى مشكلة في الإدارة لا بد من معالجتها مع أن المقترح على الطاولة هو ان تكتفي رئاسة الحكومة بعقد اجتماعات مجلس الوزراء في المحافظات والمدن ومتابعة كل ما يصدر عنها.
يزور رئيس الحكومة صبيحة جولته الميدانية عدة مؤسسات وبشكل سريع ويسجل ويدون مرافقوه ملاحظات قد ينطوي بعضها على تضليل إداري من «موظف أو مواطن» ثم يركض الوزير المختص نفسه مطالبا بإجراءات عبر التنسيق مع مساعدي رئاسة الحكومة الذين يحضرون هذه الجولات.
لا توجد حتى اللحظة أداة قياس للكفاءة والأداء والمهنية.
والانطباع حتى الآن أن زيارة أحد المراكز الطبية أو التربوية والحرص على معالجة مشكلة جزئية في مؤسسة ما لا يغني عن متابعة بقية المؤسسات.
نوايا رئيس الوزراء قد تكون طيبة خلافا لأنه يجرب نمطا جديدا في المتابعة الإدارية بصرف النظر عن مستوى الإنتاجية، ووجهة النظر التي يتداولها بعض الخبراء في السياق هي تلك التي تقترح العودة لتفويض الوزراء وصرف الوقت على مستوى مركز الحكومة ورئاستها أي مجلس الوزراء والرئاسة على الملفات الأساسية والهامة خصوصا وأن الحكومة الآن كما كان يقول وزير بارز فيها محظوظة مع وجود وثائق مسارات تحديث إصلاحية في الإدارة والاقتصاد والسياسة.
والمعنى هنا أن الحكومات بعد مسارات التحديث لم يعد مطلوب منها التفكير كثيرا خصوصا في صنع السياسات وابتكارها بقدر ما هو المطلوب منها الإجراء والتدبير اليومي البيروقراطي حيث توجد وثائق مرجعية أشرف الدكتور حسان شخصيا على معظمها قبل رئاسته للحكومة ويمكن التركيز على إنتاجيتها وإنجازها والالتزام بها بدلا من هدر الوقت في جولات ميدانية بشكل متكرر ومكثف تستنزف الوقت أحيانا والأموال أحيانا أخرى.