الباحث الاسباني كارلوس بانياغوا:
الجزائر ـ من علجية عيش يحلم الباحث الإسباني كارلوس بانياغوا في إقامة مشروع كبير وضخم، هو إعادة ترميم الآلة الموسيقية إلى مراحل قادمة من خلال العودة إلى عود ‘الرمل’ واستعماله من جديد، لو استطاعت وزارات الثقافة على مستوى دول المغرب العربي إدراجه في المعاهد الموسيقية ليكون بين أيدي المتعلمين الصغار.
تتصل الموسيقى بنشاط الإنسان منذ نشأته لتعبر عن مشاعره وأحاسيسه. وانتقلت الموسيقى عبر تطور الحياة من شعب إلى شعب، ويؤكد المؤرخون أن الموسيقى انتقلت من العراق إلى مصر ثم إلى اليونان ومنها إلى روما، وقبل ذلك التاريخ سارت فيلا مركب الكلدانيين والآشوريين والفينيقيين، وكان الغناء يتردد على لسان الإنسان ليطور به الحياة وهو يمارس أعماله، فكانت أغانيه تتجاوب مع طبيعة حركاته المهنية في البحار والبناء، ومن عادات المصريين أن يضعوا مع موتاهم آلات موسيقية، اعتقادا منهم بأن الميت يبعث في قبره وأنه يقضي حياة تحت الأرض نظير التي عاشها فوقها، أما العرب في الجاهلية فكانت الذاكرة عندهم شيئا يتوارث بالسماع، وهكذا فقدت مبتكراته العربي في الجاهلية لولا رحلاتهم التي مكنت الشعوب الأخرى من التعرف على حضاراتهم، فكان لها الأثر في تاريخ الغناء العربي وتطور الآلات الموسيقية وتنوعها، حول هذه الأخيرة ومنها آلة العود اختلفت الآراء حول صانعها ومنشئها ومن هو أول من اخترع الريشة أي المضرب، ومن نقل الموسيقى الأندلسية ومن طورها، وكانت فرصة للوقوف على حقائق الموسيقى الأندلسية، ومن هم أشهر العازفين، من خلال المهرجان الثقافي الدولي للمالوف في طبعته الرابعة، الذي نظم مؤخرا بولاية قسنطينة، وقف مختصون في الآلات الموسيقية على الكثير من الحقائق حول العود العـَرَبِي والعود العَرْبِي، وهو تفرقة بين آلة العود في المشرق العربي والمغرب العربي، ومنهم الإسباني كارلوس بانياغو المختص في الآلات الموسيقية، الذي عرض تجربته في هذا المجال ومدى اهتمامه بالآلات الموسيقية. هي تجربة يقول كارلوس مرت عبر دراسات معمقة وتنقيب للعديد من الآلات الموسيقية ومنها آلة العود، وهي الآلة التي نالت اهتمام الكندي وإخوان الصفاء، ولو أن دراستهم لم تخرج عن الإطار النظري، وعلى الرغم من انعدام الوثائق التي تؤكد وجود العود في الحقبة الإسلامية، ماعدا الكتابات التاريخية التي تشير الى وجود رسومات لأعواد تحاكي العود الأندلسي في عهد ملك اشبيليا، وخلقت هذه الأعواد نوعا من الموسيقى شبيهة نوعا ما بموسيقى المسيحيين التي تسمى بـ’التوبادور’، كما تفرق الكتابات التاريخية بين العود العَرَبي والعود العَرْبِي، وتعتبر الأول حسبما أشار إليه كارلوس، القديم الذي جاء على رسالة المكي، ثم بدأ يتطور تدريجيا، وعند وصوله إلى المغرب العربي لاقى اندثارا، كان ذلك بداية من القرن العشرين بعدما أطلقوا على العود اسم ‘الرمل’، وهي الآلة موضع اهتمام ودراسة كارلوس، وآلات أخرى تسمى بـ’الطويس’ و’الكويترا’ وهي من نفس عائلة العود. يشير الباحث الإسباني كارلوس بانياغوا الى أن هناك تناقضا واضحا بين العود المغربي والعود المشرقي، مؤكدا أن باحثين غيره وقفوا على هذه المفارقة في مؤتمر القاهرة الذي انعقد سنة 1932 حول الموسيقى والمقارنة بين المقامات وأنواع الموسيقى وطرق استعمال المضرب أو ‘الريشة’، وكانت لكارلوس فرصة للتعرف على التراث المغربي عندما زار طنجة في 2005، جعلته يكتشف أن المعلمين في المغرب والشيوخ في الجزائر كانوا يعتمدون في موسيقاهم وأغانيهم على الآلات الموسيقية الغربية، مما جعله يفكر في مشروع كبير وضخم هو إعادة ترميم الآلة الموسيقية الى مراحل قادمة من خلال العودة إلى عود الرمل واستعماله من جديد، لو استطاعت وزارة الثقافة على مستوى دول المغرب العربي أن تدخله يوما إلى المعاهد الموسيقية، ويكون بين أيدي المتعلمين الصغار، وباستثناء الجزائر وتونس تحاول المغرب اليوم استرجاع عود الرمل الذي يحتوي على أربعة أوتار، وهذه الأوتار الأربعة حسب الباحث كارلوس ظهرت في العراق من آلة المربط، وأضاف لها البعض وترا خامسا، وآخرون سبعة أوتار، ومنهم الموسيقي نصير شمة، ويبدو أن كارلوس له موقف مغاير من تعهد نصير شمة الذي تعهد بدراسة العود القسنطينة، واعتبر كارلوس أن هذا يدخل في باب الاستهزاء بالموسيقى الأندلسية، يقول كارلوس ان المغاربة وحدهم يستطيعون الحفاظ على الموسيقى الأندلسية، مضيفا أن العودة إلى عود الرمل ضروري جدا وبتوسيع هذه الدائرة يقول كارلوس يمكن لأصحاب الاختصاص أي العازفين الموسيقيين الاستغناء عن الكمان الأوروبي بآلة الرباب التي ما تزال حية في بعض المناطق، مثل تلمسان والمغرب، أما القانون المستورد من سورية ومصر فيرى كارلوس أنه غير صالح للموسيقى المغاربية، لأن أبعاد هذه الآلة مختلفة جدا عن المقامات الشرقية، ولهذا يرى الإسباني كارلوس بانياغوا أن اقتناء آلات موسيقية من دول أخرى غير مجد، ولابد من البحث عن آلات تناسب المقام والطابع المغربي. ويقدم الباحث كارلوس وصفا دقيقا لعود الرمل موضحا أن حجم هذا الأخير وعمقه أفقد العود المشرقي خاصيته، كما يكشف أن زرياب هو من ابتكر ‘الريشة’ التي حافظت على سلامة الأوتار ومكنت العازفين من ضبط الصوت، وحسب المتحدث فإن الموسيقى في شمال أفريقيا كانت أغلبها أمازيغية وكانت القبائل بغنائها تشجع الجيوش، وقد حاول المستشرقون طمس بعض الحقائق بادعائهم أن الموسيقى العربية ذات أصول فارسية وأن الموسيقى المغاربية ترجع أصولها إلى المشرق العربي.