تدريبات في صناعة القش لإعادة الفلسطيني للأرض وتمكين النساء اقتصاديا

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله – «القدس العربي»: مع تصاعد إيقاع الحرب الروسية على أوكرانيا يتزايد الحماس لدى المزارع الفلسطيني «مطاوع بوزيه» من مدينة سلفيت وسط الضفة الغربية حول أهمية زراعة القمح.
ويؤكد أن ما يجري في العالم من أحداث جسام بدأت تؤثر على الحياة في فلسطين المحتلة وتحديدا في أهم أساسياتها وهو القمح الذي يشكل المستورد منه الغالبية الساحقة، حيث يتم الاستيراد من روسيا وأوكرانيا بشكل رئيسي، في حين يشكل القمح المزروع محليا ما نسبته 2.7 في المئة فقط من القمح المستخدم في صناعة الخبز.
وكان بوزيه قد بدأ قبل سنوات بزراعة القمح الذي يعطيه أساس الحياة (الطحين) إضافة إلى القش (عيدان نبات القمح) والتي تعتبر أساس مهنة مرتبطة بالفن تحمل اسم «صناعة القش».
وتعتبر مهنة صناعة القش من الصناعات التراثية وهو أحد الفنون النسوية الفلسطينية المقترنة بالأرض وزراعة القمح وتشتهر بها المناطق السهلية منذ أيام الكنعانيين، وغالبا ما تشتهر بها النساء.

بلدة ترمسعيا

المزارع والمدرب «بوزية» الذي التقته «القدس العربي» في بلدة ترمسعيا (20 كم شمال رام الله) أثناء مشاركته في دورة تدريبية عملية في «صناعة القش» نظمتها مجموعة «حكي القرايا» الافتراضية التي تنشط على صفحة فيسبوك في مبنى جمعية ترمسعيا الخيرية وبالمشاركة مع اللجنة النسائية في الجمعية.
وقد جلب وهو المدرب في صناعة القش عيدان قش القمح الأصفر المذهب، والقش الملون بفعل صبغة بمواد طبيعية، وترافقه المدربة المرأة الفلاحة انتصار عثمان التي ورثت المهنة عن والدتها في صباها.
ويؤكد بوزية الذي يعمل منسقا لمجموعة «حكي القرايا» قد نشط منذ سنوات في زراعة القمح الذي يراه معبرا عن حاجة فلسطينية التي تستورد القمح بكميات كبيرة من دولة الاحتلال.
ويشدد: «لنتخيل أن الحرب تطورت وأخذت أبعاد اقتصادية مؤلمة وقام الاحتلال بمنع توريد الطحين والقمح إلينا فإننا سنعيش حالة صعبا للغاية».
وبدأت علاقة بوزية مع الأرض قبل عشرة أعوام عندما ترك العمل في فلسطين المحتلة واشترى «بتحويشة عمرة» أرض بور قام لاحقا بتعميرها والاستثمار بها من خلال زراعتها بعشرات الأصناف من الشجر والنباتات الفلسطينية.
وقبل أعوام ثلاثة قام بوزية بزرعة القمح وهو يقوم «بتقشيشه» يدويا (فصل السبل عن عيدان القش) من اجل استخدامها في صناعة «صناعة صواني القش» وهو يبيع سنويا أعواد القش بألاف الشواقل.
في التدريب تتحرك انتصار عثمان بعفوبة مستعرضة مهارتها في صناعة القش، وهي تعرض مكونات التدريب على أكثر من 20 امرأة قدمن من أحياء البلدة الهادئة فيما جلبت بعضهن أطفالهن لنفس الغرض. فيما يبدو عليهن ملامحهن الحماس والاهتمام الشديدين.
وكان هذا الفن أو الصناعة التراثية قد آخذت بالتلاشي خلال السنوات الماضية العشرين الماضية بفعل التحول السريع في نمط الحياة الحديثة والاستهلاكية التي لم تعد تستخدم الأواني القشية في الأعمال اليومية، لكنها عادت مؤخرا مع تنامي مظاهر العودة للتراث في ضوء ارتباط هذه المهنة بتمكين النساء اقتصاديا نتاج أعمالهن.
وتباع سلال القش والصواني بأسعار متفاوتة تبعا لحجمها وعدد دوائرها والشكل الذي تكونه بفعل تلوينها حيث تصل سعر بعضها 150 شيقلا (ما يقرب من 50 دولار) حيث تستخدمها الأسر للزينة والأعراس وتحديدا عند الفلسطينيين الذي يعيشون خارج فلسطين.
الناشط والتربوي الأديب عمر عبد الرحمن، ومدير مدرسة حكي القرايا التراثية الافتراضية شدد في كلمته أمام النساء المشاركات في التدريب على أنه من غير المقبول أن يقوم الفلسطيني بهدم عقودنا (بيوتنا القديمة) ونبنى مكانها منازل حديثة فيما نقوم ببيع حجارتها لشخصيات صهيونية أو أن نقتلع أشجار الزيتون الرومية المعمرة.
وأكد أن «مهمتنا في «حكي القرايا» مرتبطة بتثبيت الفلسطيني في أرضه، وكل واحد فينا له دور في ذلك».
وأضاف: «تعتز «حكي القرايا» بوجودها في ترمسعيا التي تصمد وتواجه الأغراب (المستوطنين) الذين يحاولون سرقة أراضي البلدة، إنهم أغراب ولا يعرفون هذه الأرض، بينما على الفلسطيني الذي يعرف الأرض ونباتاتها أن يستمر في ذلك ويمتن علاقته مع أرضه عبر زراعتها».
وشدد أن هذه التدريبات تحاول أن تجعل من التراث فعلا منتجا، وليس فعلا رومنسيا، فالسيدات المشاركات في التدريب سيتحولن إلى منتجات في صناعة القش، وهو ما يوفر دخلا يوميا لهن.
وكانت المدرسة التي تعتبر امتداد لمجموعة «حكي القرايا» قد نظمت خلال العام الجاري بالتعاون مع جمعية نساء كفر اللبد الخيرية، دورة تعليم نسيج صواني القش في قرية كفر اللبد بمحافظة طولكرم، بمشاركة 15 متدربة. وبالتعاون مع جمعية كفر لاقف النسائية في مدينة قلقيلية بحضور 16 متدربة.
ومن ضمن فعاليات المدرسة تدريب الحصاد المائي لصيد مياه الأمطار شارك فيها 70 متطوعًا من «حكي القرايا» حضروا من أرجاء فلسطين التاريخية لتعلم بعض الممارسات، التي تزيد من نسبة مياه الأمطار المخزنة في الأرض بالحد الأقصى، باستخدام تقنيات زراعية بسيطة.
وأطلقت مجموعة «حكي القرايا» المدرسة الافتراضية للتراث، بهدف التعريف بكنوز فلسطين وإرثها، وتشجيع الأجيال الصاعدة على الاهتمام بها والمحافظة عليها. وتهدف المدرسة إلى التثقيف في قضايا التراث، والتعريف به، والترويج للمحافظة عليه، بمكوناته المادية كالمباني والمقتنيات، والأشغال اليدوية. وبالمعنوية كالحكايات والأمثال والقصص والأغاني.
وحسب عبد الرحمن يطمح القائمون على المدرسة، تعليم فئات مجتمعية مختلفة مهارات يدوية وتراثية، وتنفيذ ورش تدعم العودة إلى الممارسات التقليدية.
واستنادًا إلى القائمين على المدرسة، فإن أهدافها تحليل القطع التراثية المادية، والقولية إلى عناصرها، وإبراز جمالياتها، والتدريب على الكتابة التراثية، والصناعات التقليدية كالقش، والتطريز، والخيزران، وتخريج كوادر في التراث الشعبي. وتهتم مناهج المدرسة بالإطار النظري للتراث، وبالأغاني الشعبية، والأمثال، والألغاز، النكت الشعبية، ونداءات الباعة، والتعبيرات الشعبية، وتحليل الثقافة المادية، والملابس الشعبية، والطعام الشعبي، والأدوات الزراعية، والفخارية، والخزف، والطين، والخشب، والزجاج.
كما تركز المدرسة على العادات والتقاليد كالزواج، والميلاد، والوفاة، والأعياد، والمواسم الزراعية، والمعتقدات الشعبية، مثل الأولياء، والمقامات، الأحلام، الطب الشعبي. كما تنشط المدرسة بجمع الأغاني، والحكايات، والأمثال، وتمنح شهادات مشاركة من «حكي القرايا».
ورافقت «القدس العربي» النساء في رحلة تعلمهن والتقت هناك مع المواطن الفلسطيني الأمريكي الجنسية نضال ربيع الذي ترك الولايات المتحدة قبل سنوات وعاد إلى بلدته في ترمسعيا ليعمل مزارعا. وينشط ربيع على صفحة «حكي القرايا» الافتراضية وهو يعتبر عضو مجلس إدارة المجموعة التي يصفها بإنها تشبه الفلسطيني وحياته، وتعبر عن بساطته ورغبته بالحياة والعودة للأرض.
ويمتلك ربيع عددًا من الأراضي الزراعيّة القريبة من المستوطنات، ولديه قطعة أرض قريبة من بؤرة استيطانية أقامها مستوطنون بعد أن نصبوا فيها الخيام، كما تعرّضت مزرعة عنب لاعتداء مستوطنين من مستوطنة «عادي عاد» بعد أن اقتحموها لمرتين متتاليتين، وعاثوا فيها خرابًا ولاحقا نظمت «حكي القرايا» حملة لإعادة زراعتها من جديد.

التصميم المعماري

وتعتبر مجموعة «حكي القرايا» بالنسبة لربيع بمثابة بيته وهو يراها «أمة» أو تجليا لمفهوم الشعب الفلسطيني الذي يتواجد بعشرات الدول المترامية ومن خلالها يمكن ان يستمد علاقته مع وطنه وأرضه..
وتمتاز بلدة ترمسعيا بمبانيها الجميلة ذات التصميم المعماري الحديث وبأن أغلب سكانها يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية وتربطهم علاقة مميزة في الأرض حيث يعودون مع بداية كل صيف لقضاء إجازة الصيف فيها.
ويتندر البعض بالقول إن هذه البلدة التي يكون عدد سكانها في فصل الصيف اضعاف عدد السكان في فصل الشتاء بفعل عودة المغتربين في أشهر الصيف.
وتعتبر «حكي القرايا» أبرز المجموعات المغلقة على شبكة «فيسبوك» والتي تأسست قبل ثمانية أعوام ويبلغ عدد أعضاء المجموعة 125 ألف عضوا، وهي تدار بطريقة تطوعية ولا تمثل حزبا سياسيا أو مؤسسة رسمية أو أهلية. كما انها تضم فلسطينيين في أكثر من 99 دولة على مستوى العالم.
وانشأت «حكي القرايا» يوم 7 ايار 2014 لتحقيق مجموعة من الأهداف ومنها الافتخار بالهوية والذاكرة الجمعية الفلسطينية، وحفظها من الاندثار والسرقة من قبل الاحتلال، حماية التراث والمعتقدات الشعبية، والمحافظة عليها من خلال نشرها وتجميعها وتوثيقها. وتسليط الضوء على المواسم الزراعية التي كان يعيش منها وعليها الفلسطينيون، وعاداتهم وتقاليدهم في هذه المواسم، والتعريف بالعادات والتقاليد والاخلاق الحميدة المتمثلة بالشهامة والعونة والتضامن والكرم والمحافظة على الروابط والصلات الاجتماعية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية