تشييع جثمان الرئيس التشادي الراحل، إدريس ديبي
نواكشوط- “القدس العربي”: رغم الزخم الكبير الذي أحيط به موت ودفن الرئيس التشادي إدريس ديبي، ورغم استلام مجلس انتقالي يقوده نجله الجنرال محمد إدريس للسلطة، فإن الأمور في تشاد تتجه لإرساء نظام آخر عبر مصالحة وطنية وعبر إجماع على مرحلة انتقالية تتمخض عن دستور جديد وانتخابات شفافة لا يشارك فيها المجلس العسكري الحالي.
تأتي هذه الوساطة بعد يومين على تشييع جثمان ديبي، الذي أعلن قبل أيام عن وفاته متأثرا بإصابته بجروح خلال عملية عسكرية قادها ضد المتمردين في الشمال.
وقد كلف زعماء مجموعة دول الساحل الخمس التي تضم إضافة لجمهورية تشاد، دول موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو، الرئيسين الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، والنيجري محمد بازوم، بقيادة وساطة بين المجلس العسكري الانتقالي وريث الرئيس السابق، وجبهة التناوب والوفاق في تشاد، بزعامة محمد مهدي علي، والفاعلين السياسيين.
واستمع الرئيسان بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مباشرة بعد دفن الرئيس ديبي، لآراء ثلاثين من القادة السياسيين للمعارضة والأغلبية في تشاد، ومن الفاعلين السياسيين المحليين ونشطاء المجتمع المدني التشادي، خلال اجتماع عقداه في نجامينا مع ممثليهم، حيث استمعوا لآرائهم حول النموذج الانتقالي الذي يريدونه.
وأكد الرئيسان “أن قرار وساطتهما اتخذ في غياب مبادرة وساطة سياسية قادمة من دول أفريقيا الوسطى، في الوقت الحالي”.
بعد المناقشات، أشار الرئيسان الوسيطان “إلى ضرورة إجراء حوار لتشكيل مؤسسات انتقالية تكون مسؤولة عن صياغة دستور جديد وتنظيم الانتخابات، على أن تُحال نتائج الاجتماع إلى المجلس العسكري الانتقالي الذي دعاه رؤساء دول مجموعة الساحل وفرنسا إلى انتقال شامل يأخذ في الاعتبار جميع مكونات المجتمع التشادي”.
وأوضح أحد مستشاري الرئيس الفرنسي: “إن ما يبرز من مشاورات الرئيس ماكرون مع نظرائه، هو الحاجة إلى التحرك بسرعة كبيرة للوصول إلى انتقال شامل يفسح المجال للقوى السياسية”، مضيفاً أن “الجميع يدركون جيداً أن الجانب المدني من الانتقال يجب أن تكون له صلاحيات كبيرة، وأنه يجب تحقيق توازن مُرْضٍ بين المجلس العسكري الانتقالي والنظام المدني الذي سيتم إنشاؤه”.
وسيكون للاتحاد الأفريقي ومجموعة دول الساحل الخمس دور أساسي في هذه القضية التي يُنتظر أن تلعب فرنسا فيها دور الضامن.
وقال زعيم جبهة التناوب والوفاق في تشاد، محمد مهدي علي “إن الجبهة قبلت بوساطة موريتانيا والنيجر من أجل هدنة، وقبلنا وقف إطلاق النار من أجل حل سياسي”.
وأضاف في تصريح لإذاعة فرنسا الدولية أنه “يجب أن يكون هناك اليوم حوار وطني شامل، يشمل جميع مكونات الحياة السياسية التشادية”.
وأكد أن الجبهة “لم يكن أبدا هدفها أن تطيح بالنظام وتحل محله، فهدفنا الرئيس هو التناوب الديمقراطي في تشاد”.
وقال محمد مهدي علي: “إنهم تابعوا خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ويشيدون به”، مضيفا: “إن ما يجب القيام به الآن هو جمع كل التشاديين حول طاولة حوار شامل لبحث مشاكل تشاد” وحلها نهائيا.
وسبق أن أعلنت الجبهة رفضها للمجلس العسكري الذي تولى السلطة لفترة انتقالية من عام ونصف، برئاسة الجنرال محمد إدريس ديبي، نجل الرئيس الراحل.
كما أعلن ثلاثون حزبا سياسيا معارضا رفضهم رئاسة المجلس العسكري، ووصفوا ما جرى في تشاد بأنه “انقلاب مؤسساتي”.
وأكد السفير والخبير الاستراتيجي الموريتاني المختار ولد داهي في تدوينة له حول الموضوع “أن وساطة موريتانيا والنيجر بتكليف من مجموعة دول الساحل الخمس وبحضور فرنسي خطوة فى الاتجاه الصحيح، لكن ينبغي أن يتلوها و بسرعة تعيين فريق قوي من دول الساحل وفرنسا والأمم المتحدة مكلف بمساعدة المجلس العسكري الانتقالي على حسن إدارة الأزمة، والخروج منها بسرعة إلى وضع دستوري جامع مستقر فى أجل أقصاه ما حدده المجلس العسكري وتقليص الأجل إن أمكن”.
وأضاف: “يجب النظر بالعين الحمراء للأطراف الليبية والدولية المتصارعة، والجأر فى وجهها بألا احتمال مطلقاً لدولة فاشلة ولا لدولة توتر بالتشاد فابْلَعُوا مياهَ شهية التوتير والتأزيم بأفواهكم، كما تجب زيادة فرنسا ودول الساحل لوجودها العسكري بالساحل حتى لا تستغل المنظمات الإرهابية انشغال الجيش التشادي البطل بالوضع الداخلي” .
وكتب وزير الإعلام الموريتاني السابق سيدي محمد ولد محم، حول الوساطة مؤكدا “أهمية التوجه المبدئي من طرف المتمردين في التشاد إلى المفاوضات بغية التوصل إلى حل سياسي يرضي كل أطراف المشهد التشادي، ويطمئن دول المنطقة بأن تشاد ستبقى عامل استقرار ولن تكون مصدر تأزيم”.
وقال: “بذلك يكون الرئيس الراحل ديبي قد خدم التشاديين حتى برحيله، إذ مع قبول المتمردين للوساطة الموريتانية والنيجرية يقطع التشاديون أول خطواتهم باتجاه الحل”.
وأضاف: “بكل تأكيد، فإن الرئيس الموريتاني يملك من التجربة والخبرة بشؤون المنطقة والمصداقية لدى الأطراف التشادية والدول المعنية بهذه الأزمة من جيران تشاد وأصدقائها ما يخوله تقديم إسهام موريتاني متميز يضع موريتانيا في موقعها الريادي ويعكس دورها الطليعي في الإقليم ويعزز كذلك ثقة كل الشركاء والمهتمين بشؤون الساحل”.
لكن السؤال المطروح اليوم هو هل ستمكن هذه النيات الحسنة وهذه الوساطات جمهورية تشاد من الخروج من دوامة الأزمات والدخول في مرحلة التناوب السلمي على السلطة؟
فقد أثبت التاريخ فشل المصالحات التشادية، كما أكد التاريخ أن تغيير الأنظمة في التشاد لا يتم إلا عبر المواجهات العسكرية الدامية.
فقد شارك الراحل ديبي في حركة تمرد ضد حكم الرئيس السابق، كوكوني وادي، في عام 1982، وأظهر دعمه لحكم خلفه الرئيس حسين حبري، (1982-1990)، وتولى منصب القائد العام للقوات المسلحة. قبل أن يتزعم “حركة الإنقاذ الوطني” التي أجبرت الرئيس السابق حسين حبري على التنحي عن الحكم عام 1990 بعد أن شنت هجوما استمر ثلاثة أسابيع من السودان لتجبر حسين حبري على التنحي عن الحكم ومغادرة تشاد إلى المنفى.
وها هي حركة التناوب والوفاق المسلحة تدفع بالبلاد بعد ثلاثين سنة، نحو حكم آخر بعد أن أدى الاقتتال معها لوفاة الرئيس ديبي.