في حي سلوان في شرقي القدس هدمت قوات الأمن ليلة أمس بيت عبدالرحمن الشلودي، المخرب الذي نفذ عملية الدهس في محطة القطار الخفيفي في جفعات هتحموشت قبل نحو شهر. عملية قتلت فيها الرضيعة حايا زيسل براون والشابة كارن يميما موسكرا واصيب خمسة مواطنين آخرين. وبالتوازي، أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو محافل الأمن بهدم منازل المخربين من حي جبل المكبر في شرقي القدس ممن نفذوا اول امس المذبحة في الكنيس في حي هار نوف في العاصمة. كما ان بيت محمد جعابيص من سكان ذات الحي، الذي نفذ في آب الماضي عملية الجرافة وقتل فيها ابراهام فعلس، سيهدم أو يغلق قريبا.
ان هدم البيت في سلوان وتعليمات نتنياهو فتحت من جديد الجدال حول سياسة هدم منازل المخربين والمسائل حول شرعية، اخلاقية ونجاعة هذه الطريقة كوسيلة عقاب وردع.
في بيان نشره جهاز الأمن مع تنفيذ الهدم في سلوان جاء أن «هدم منازل المخربين هو رسالة حادة وواضحة لكل اولئك الذين يسعون إلى المس بمواطني اسرائيل وبقوات الأمن وبموجبها فان للارهاب وللمس بالابرياء ثمنا باهظا سيدفعوه اذا ما اختاروا مواصلة هذه الاعمال. الجيش الاسرائيلي سيواصل العمل بموجب تعليمات القيادة السياسية في ظل التعاون مع عموم محافل الأمن ولن يتردد في اتخاذ كل الوسائل القانونية التي تحت تصرفه من أجل المس بالمخربين والجهات التي تساعدهم، وردع منفذي المزيد من العمليات».
وعلى حد قول رئيسة كتلة البيت اليهودي النائبة آييلت شكيد، لا مفر من هدم منازل المخربين. وقالت النائبة شكيد لـ «معاريف» اننا «ملزمون بخلق ردع أمام ما نشهده من ارهاب منفلت العقال وبلا تمييز» واضافت ان «الكلام بلا افعال سيفاقم الوضع فقط. اما هدم منازل عائلات المخربين فهو الاقل الذي يمكن عمله بشكل فوري باسم العدالة والردع».
كما أن رئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» السابق آفي ديختر يؤيد التعليمات التي أصدرها رئيس الوزراء ويقول ان هذه خطوة لازمة: «فهدم المنازل هو احد العقوبات التي تخلق الردع اكثر من اي شيء آخر. هدم المنازل ينافس فقط الطرد من حيث شدة العقاب في نظر الفلسطينيين، ولكن هذا شريطة ان يلتصق الهدم بالقتل او بالعملية. اذا نفذ الهدم فقط بعد اشهر، فانه يفقد اثره الردعي».
وعلى حد قول ديختر، فان مخربا قرر ان يصبح شهيدا سيفكر مرتين اذا كان يعرف مسبقا بان في اعقاب العملية التي سينفذها، ستفقد عائلته بيته. ويقول ديختر: «انا كنت 43 سنة في الميدان ويمكنني أن اشهد كم هو عقاب هدم البيوت ناجع. وفي العربية فان الشتيمة «يخرب بيتك» هي أمر فظيع ورهيب. عندما تقول للعربي مثل هذه الشتيمة فانها يمكنها أن تنتهي بالقتل. هدم بيت المخرب هو خطوة واحدة من رزمة خطوات، ولكن الحديث يدور عن اثر الردع. تجربة المخابرات تثبت ذلك دون اي شك».
كما ان وزير المالية يئير لبيد من يوجد مستقبل، ايد هذا الموقف عندما قال في أعقاب العملية في الكنيس في هار نوف «بيوت هؤلاء المخربين يجب أن تهدم هذه الليلة والمخربون الذين يخرجون لمثل هذه العمليات يجب أن يعرفوا بانهم لن يعودوا اليها على قيد الحياة. نحن لن نوفر في الادوات. نحن سنستخدم اليد الحديدية في القدس، ونحن لن نسمح لهذا الامر أن يستمر».
صدع في القرار
غير أن هناك جهات تختلف مع هذه السياسة. هكذا مثلا، داليا كيرشتاين، المديرة العامة لمؤسسة «هموكيد» لحماية الفرد، منظمة حقوق الانسان تمثل في اطار عملها عائلات المخربين التي توشك بيوتها على الهدم، تعارض بشدة سياسة هدم المنازل. وعلى حد قولها، فان «هدم المنازل هو عقاب جماعي يتعارض والقانون الدولي والمبدأ الاساس في القانون الاسرائيلي في أنه لا يعاقب الشخصي الانسان على أفعال لم يرتكبها. وهدم المنازل لا يأتي بدلا من العقاب الجنائي بل مضاف اليه والمتضررون الاساسيون منه هم سكان المنزل الذي يهدم، وليس الشخص الذي تنسب له الافعال والذي بالغالب يكون قد حبس أو قتل».
وعلى حد قول كيرشتاين، فالحديث يدور عن خطوة غير أخلاقية على نحو ظاهر تمس في احيان قريبة بالاطفال وبالنساء ممن ليس هناك ما يبرر أن يتحملوا العقاب على عملية نفذها قريب في عائلتهم. وتقول كيرشتاين: «هذه ليست فقط خطوة غير اخلاقية، بل تتعارض واحكام القانون الدولي».
ومثلت مؤسسة «هموكيد» في الصيف الماضي عائلات قتلة الفتيان من غوش عصيون وعائلة المخرب الذي قتل الشرطي باروخ مزراحي في عملية اطلاق النار في نيسان 2014. ومنذ 1996 رفعت «هموكيد» عشرات الالتماسات إلى محكمة العدل العليا لمنع هدم المنازل كوسيلة عقاب. وفي معظم الحالات اختارت المحكمة عدم التدخل وسمحت للجيش بهدم المنازل كوسيلة ردع. ومع ذلك، على مدى السنين وضعت محكمة العدل العليا تحفظات على الاستخدام بالتفكر الواسع الذي يمنح للقائد العسكري.
وحسب معطيات منظمة «بتسليم» فبين سنوات 2001 – 2005 هدم الجيش الاسرائيلي في المناطق 664 منزلا لاغراض العقاب. وفي العام 2004، بعد موجة عمليات اجرامية وهدم مئات مناز المخربين، عين رئيس الاركان في حينه موشيه بوغي يعلون فريق تفكير متجدد برئاسة رئيس قسم التنصت في الجيش الاسرائيلي اللواء اودي شني بهدف فحص سياسة هدم المنازل لاهداف الردع. وحسب نتائج الفريق، لم يتبين دليل على ان سياسة هدم المنازل كانت ناجعة على مدى الزمن، واثر الردع الذي تحقق في بداية الطريق تآكل لدرجة أنه لم يؤثر على المخربين.
وقضت لجنة شني بان النتيجة الموضوعية لهدم المنازل هي «المس بالكثير من الافراد وبالكثير من الاملاك» مما يخلق أثر «عدم شرعية»، واوصت بوقف ذلك. وأمر وزير الدفاع في حينه، شاؤول موفاز بقبول توصياتها، ومنذ 2005 يكاد جهاز الأمن لا يستخدم هذه الوسيلة حتى التعليمات الجديدة التي اصدرها الان نتنياهو.
ومع ذلك، في سنة 2008، وردا على موجة العمليات التي نفذت في القدس، طرأ صدع في السياسة ونفذت عدة اعمال هدم متفرقة للمنازل. احد الامثلة على ذلك هو في أعقاب العملية الاولى في هذه الموجة، والتي وقعت في مدرسة «مركاز هراف» في اذار 2008 وقتل فيها ثمانية اشخاص. ونفذ العملية أحد سكان حي جبل المكبر شرقي القدس، علاء هشام حسين ابو دهيم. في آب 2008 أمر قائد الجبهة الداخلية بهدم اثنين من بيت أربعة طوابق في المنزل الذي سكن فيه المخرب مع ابناء عائلته رغم ان المنزل لا يعود للمخرب بل لابيه. ورفع الاب التماسا ضد قرار قائد الجبهة الداخلية بدعوى أنه لم يعرف عن نية ابنه تنفيذ العملية، وانه لو كان يعرف ذلك، لفعل كل ما في وسعه لمنعه.
وقبلت المحكمة في نهاية الامر موقف الدولة في أنه رغم أنه على مدى بضع سنوات امتنع جهاز الأمن عن هدم المنازل، لا يوجد مانع قانوني من الامر بهدم منزل ما اذا ما اعتقدت محافل الأمن بان مثل هذه العملية ضرورية تبعا لقواعد التوازن ووجود الاجراء المتبع.
المنفعة مقابل الضرر
وعلى حد قول سريت ميخائيلي، النشيطة المركزية في منظمة «بتسيلم» فان أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هدم منازل عائلات الفلسطينيين الذين نفذوا العمليات الاخيرة يشكل مسا بالابرياء وذلك لان «هذا عقاب جماعي ليس قانونيا وليس أخلاقيا. لقد أعلن جهاز الأمن عن نيته الهدم أو الاغلاق لستة منازل: 4 منها في شرقي القدس، 1 في مدينة الخليل و 1 في مخيم عسكر للاجئين في منطقة نابلس».
«منذ احتلال المناطق هدمت قوات الأمن مئات المنازل كوسيلة لمعاقبة أبناء عائلات الفلسطينين الذين مسوا بالاسرائيليين أو اشتبهوا بذلك»، تقول ميخائيلي. وادعت بانه «كنتيجة لهذه السياسة، بقي الاف الاشخاص عديمي البيت، رغم انهم أنفسهم لم يتهموا باي مخالفة».
ويلقى معارضو سياسة عقاب هدم المنازل تعزيزا من نائب رئيس المعهد الاسرائيلي للديمقراطية، البروفيسور مردخاي كرمنتسار الذي يقول لـ «معاريف»: «في السطر الاخير هذه خطوة ليست صحيحا اتخاذها لانها تتعارض والمبادىء والقواعد القانونية والاخلاقية سواء في القانون الاسرائيلي ام في القانون الدولي. فان تهدم منزل المشبوه بالعملية فانك تمس ليس فقط به، والذي يكون في معظم الحالات قد مات، بل وايضا باقربائه الذين ليس لك عليهم اي شكوى في أن يكونوا عرفوا مسبقا بنية تنفيذ الافعال.
اضافة إلى ذلك، يدعي البروفيسور كرمنتسار بان القرار بهدم منازل المخربين يرفع إلى محكمة تبحث بتهمة الشخص بل «ينبع من قوة قرار اداري، مرسوم القائد العسكري حسب أنظمة الطوارىء، وهو الارث سيء الصيت الذي تلقيناه من الانتداب البريطاني».
وبزعم البروفيسور كرمنتسار، قد يكون هناك اثر ردعي معين في خطوة عقاب كهذا، ولكن على حد قوله فان في هدم المنازل يوجد ايضا اثر تهييجي معاكس، ورغبة في الانتقام، وعليه فليس واضحا على الاطلاق ان تكون المنفعة من هدم المنازل تفوق الضرر.
ومع ذلك، فان رئيس لجنة الخارجية والأمن، ورئيس الائتلاف النائب زئيف الكين من الليكود يعارض هذه الاقوال ويدعي بان «لجنة شني اخطأت في استنتاجاتها. منذ نشر تقريرها في 2005، نشرت بحوث دولية تثبت بالذات بان الحديث يدور عن اثر ردعي ناجع استنادا إلى تجربة مكافحة الإرهاب في اماكن عديدة. كما أن المخابرات تعتقد بانه في ظروف اشتعال موجة ارهاب، فان سياسة هدم منازل مخربين هي اداة ناجعة، انا اؤيد استئناف سياسة الهدم وذلك ايضا لان هذا ثبت بحثا وكذا استنادا إلى التجربة المتراكمة لدى المخابرات في ان هذه أداة ناجعة».
أربك بندر
معاريف الاسبوع 20/11/2014
صحف عبرية