غريب أمر هذه المنظمة الدولية وأجهزتها الرئيسية التي تشمل مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات والصناديق والمكاتب الإنسانية الأخرى. كل هذه المؤسسات تصف ما يحدث في شمال غزة بالتفاصيل فقط. ثم يكررون جملا معادة مجترة مملة من نوع: «ضرورة حماية المدنيين، هناك قوانين حتى للحرب. يجب احترام القانون الدولي الإنساني. المستشفيات والمؤسسات والمرافق الصحية محمية حسب اتفاقية جنيف الرابعة وأي اعتداء عليها يعتبر جريمة ضد الإنسانية». وفي نهاية الجلسة تعطى الكلمة لممثل القتلة والمجرمين الذين يدمرون المستشفيات ويخفون الأطباء ويمنعون الدواء والغذاء، فيلقي باللوم على الضحايا ويفبرك المعلومات ويشير إلى تحقيقات قاموا هم بها ومعلومات حصرية لا يشاركون أحدا فيها ويطالبون الجميع بتبني روايتهم. ثم يتفرق الجميع وينفض الاجتماع وينتهي الأمر بدون قرار أو بيان، بانتظار جلسة أخرى، فهل استغاثات المستشفيات وخطف الأطباء وقتل الممرضين والممرضات وتدمير المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف وإخلاء المرضى مما تبقى من أسرّة بحاجة إلى جلسة دموع وحسرات وخطابات عاطفية فحسب؟
جلسة مجلس الأمن الطارئة
حول تدمير المنظومة الصحية
في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على مستشفى كمال ناصر يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو آخر مستشفى يعمل جزئيا في شمال غزة، دعت الجزائر في أول أيام رئاستها لمجلس الأمن إلى جلسة طارئة للمجلس للاستماع إلى تقارير أممية حول الأوضاع الصحية التي يمر بها سكان قطاع غزة. استمع المجلس إلى إحاطات من المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومنظمة الصحية العالمية، ومنظمة أطباء بلا حدود. ثم تحدث جميع أعضاء المجلس الخمسة عشر بالإضافة إلى السفيرين الفلسطيني والمصري وممثل الكيان الصهيوني. وقد صدرت عن المتحدثين، بمن فيهم مندوبة الولايات المتحدة، دعوات لاتخاذ إجراءات دولية عاجلة لحماية المدنيين وضمان المساءلة، بما في ذلك إجراء تحقيقات مستقلة في هذه الحوادث وإساءة استخدام المرافق الطبية. وتكاد تتكرر الخطابات الوصفية والتي تنتهي بـ»يجب، ومن الضروري، ولا بد» موجهة للقتلة وكأنهم يعيرون أي اهتمام لما يقوله هؤلاء.
من أهم ما قاله المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن هناك نمطية إسرائيلية في مهاجمة المستشفيات. وأشار، مستشهداً بتقرير صدر مؤخراً عن مكتبه حول نمط الهجمات على المستشفيات بين 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 و30 حزيران/يونيو 2024، حيث تبدأ بغارات جوية تتبعها غارات برية واحتجاز المرضى والموظفين – «مما يجعل المستشفى غير صالح للعمل بشكل أساسي». كما أشار إلى أن هناك أسلحة ثقيلة وعمليات عسكرية تدور في المستشفيات وحولها، ما أدى إلى تدمير معظم المرافق الصحية في قطاع غزة. وردا على مزاعم إسرائيل بأن المستشفيات تُستخدم لأغراض عسكرية، قال: «لم تقدم (إسرائيل) معلومات كافية لإثبات العديد من هذه الادعاءات». أما الخطوة الإجرائية التي طالب بها تورك فهي: «إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة وشفافة في جميع الهجمات الإسرائيلية على المستشفيات والبنية التحتية للرعاية الصحية والعاملين الطبيين، فضلاً عن إساءة استخدام هذه المرافق المزعومة».
ونسأل: من الذي يحقق؟ وكيف يمكن أن يكون التحقيق عادلا وشفافا ومحايدا؟ وعلى فرض أن التحقيقات توصلت إلى أسماء الضباط والوحدات العسكرية المهاجمة، فهل من إجراء ردعي وعقاب واضح؟
المستشفيات أصبحت ساحات معارك
ريك بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في الضفة الغربية وغزة، ذهب بعيدا في وصف الحرب على المرافق الصحية والمستشفيات بوجه خاص قائلا: «إن المستشفيات أصبحت ساحات معارك في غزة، والقطاع الصحة في القطاع يتعرض للتفكيك بشكل منهجي ودفعه إلى نقطة الانهيار».
وقال بيبركون لقد «تحققت منظمة الصحة العالمية من 654 هجوما على مرافق الرعاية الصحية في غزة». كيف يمكن لهؤلاء الدبلوماسيين أن يسمعوا مثل هذه الحقائق ولا تنفطر قلوبهم هذا على فرض أن لهم قلوبا عادية لم تحولها الدبلوماسية إلى مطاط أو قصدير؟ فبعد تدمير مستشفى كمال عدوان لم يبق إلا مستشفى العودة وأوامر الإخلاء جاهزة ضد آخر خط صحي في شمال غزة. وما هو المطلوب حسب رأس منظمة الصحة العالمية: إعادة تشغيل المستشفيات في شمال غزة، الإجلاء الطبي السريع، والوصول المستدام إلى المستشفيات، وزيادة تدفق المساعدات ووقف إطلاق النار العاجل. الوصف بيّن والحلول بيّنة. أما التنفيذ فهو موضوع آخر.
لقد كانت أكثر الكلمات تأثيرا وقوة ومصداقية كلمة طبيبة الأطفال الذي ترددت على مستشفيات غزة كثيرا، الدكتورة تانيا حاج حسن، الممارسة الطبية في المساعدة الطبية للفلسطينيين، والتي كانت تعمل مع أطباء بلا حدود. قالت إن استغاثات العاملين في مجال الرعاية الصحية في غزة «الذين كانوا يرسلون رسائل استغاثة إلى هذا المجلس لأكثر من عام، يقولون لنا إنهم أهداف لأنهم عاملون في مجال الرعاية الصحية – وأن ارتداء الزي الطبي والمعاطف البيضاء يشبه ارتداء هدف على ظهورهم». وأكدت: «لم أكن أتصور أبدًا أن القانون الدولي أو مؤسسات حقوق الإنسان ستسمح بحبس مليوني شخص في قفص ثم البدء في مذبحة منهجية».
ولنسمع شيئا من شهادتها: «أتحدث إليكم اليوم وأنا في حالة من عدم التصديق لأن كل شهاداتنا المتكررة والمباشرة والمدانة تمامًا لم تحرك العالم حتى الآن لاتخاذ إجراء ذي معنى. تخيلوا (أيها الدبلوماسيون) أن نحو 96 في المئة من أطفال غزة موتهم وشيك، بينما يتمنى الكثيرون موتهم. في الأسبوع الماضي فقط، توفي سبعة أطفال رضع من انخفاض حرارة الجسم، أي أنهم تجمدوا حرفيًا حتى الموت. إنني أرتجف حتى لتقدير عدد الأطفال الذين فقدوا والديهم وأصبحوا أيتامًا مدى الحياة».
كنت أتابع الوجوه وهي تتحدث. بدأ التأثر واضحا إلا على ممثل الكيان وحماته الغربيين الذين لا تعرف هل تعابير وجوههم صادقة أم تمثيل وافتعال. فممثلة الولايات المتحدة وممثلة المملكة المتحدة ومعهما ممثل فرنسا تحدثوا عن استخدام المدنيين من قبل المقاومة دروعا بشرية. وهي الحجة التي ما فتئت قوات الإبادة الصهيوينة تكررها. ممثلة الولايات المتحدة قالت بدون أن ترمش عيونها إن حماس أساءت استخدام البنية التحتية المدنية مثل المدارس والمستشفيات بشكل متكرر لتخزين الأسلحة وإيواء المقاتلين وتنسيق الهجمات ضد إسرائيل، ما يعرض المدنيين للخطر. وأضافت: «إن معركة إسرائيل هي مع حماس وليست مع المدنيين الفلسطينيين». ومع ذلك، حتى في حين تقاتل حماس، فإن إسرائيل لديها واجب أخلاقي لمنع وقوع إصابات بين المدنيين. هل هناك أكثر رعونة من قول إن إسرائيل لديها واجب أخلاقي لحماية المدنيين؟ فإذا قتلت وجرحت أكثر من 200 ألف وهي تحاول حماية المدنيين فماذا لو أنها لم تحاول حماية المدنيين؟
الإبادة الجماعية
ممثل فلسطين أثار مأساة الطبيب حسام أبو صفية الذي رفض مغادرة مستشفى كمال عدوان ومرضاه قبل أسابيع قليلة من الهجوم النهائي على المنشأة، حيث قال: «لذلك عاقبني الجيش بقتل ابني. لقد رأيته يموت عند بوابة المدخل». وأضاف المتحدث باسم فلسطين أن محنة الطبيب المعتقل ليست سوى واحدة من عدد لا حصر له من قصص الخسارة والصدمة التي لا يمكن تصورها والشجاعة والقدرة على الصمود في غزة. لقد أخذ الأطباء والعاملون الطبيون الفلسطينيون مهمتهم على محمل الجد على الرغم من المخاطر التي تهدد حياتهم. وقال: «لم يتخلوا عن الضحايا؛ فلا تتخلوا عنهم»، داعيا: «أنهوا الإبادة الجماعية».
مندوبة المملكة المتحدة طالبت إسرائيل بتوضيح مكان احتجاز الطاقم الطبي من المستشفيات في شمال غزة. وبينما «تضع حماس المدنيين الفلسطينيين والطاقم الطبي في خطر واضح» من خلال التغلغل في البنية التحتية المدنية، أكدت أن الالتزام بحماية المستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية «غير مشروط» يبررون ما تقوم به إسرائيل ثم يحمون أنفسهم بجملة باهتة حول ضرورة حماية المدنيين والمنشآت الصحية.
أما مندوب مصر، والذي تحدث باسم المجموعة العربية، فطالب من المجلس «إجبار تلك الدولة – من خلال جميع الوسائل السياسية والقانونية – على تنفيذ قراراتها وكذلك التدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية». المجلس هو الذي سيجبر إسرائيل وكيف؟ بالطرق السياسية والقانونية. حتى أنه لم يذكر كلمة عقوبات. أما المجموعة العربية فدورها أن تصدر الأوامر للمجلس وما على المجلس إلا الانصياع لأوامر المجموعة. أما ما هي مسؤولية المجموعة العربية وخاصة مصر فهذا أمر مسكوت عنه في المجلس. لأن المطلوب من أعضاء المجلس مثل بنما والدنمارك وسيراليون واليونان والصومال أن تقوم بإلزام إسرائيل. ولا أعرف هل العيب في المجلس أم في المجموعة العربية أم في الإثنين معا… والنتيجة آلة القتل لم تتوقف لا قبل انعقاد الجلسة ولا بعدها.