تدهور‭ ‬أوضاع‭ ‬البصرة‭ ‬مقدمة‭ ‬لأزمة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬العراق

مصطفى‭ ‬العبيدي‭
حجم الخط
0

بغداد‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬ـ‭ : ‬يبدو‭ ‬ان‭ ‬مخاوف‭ ‬العراقيين،‭ ‬من‭ ‬سيناريو‭ ‬جديد‭ ‬لجر‭ ‬بلدهم‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬خطيرة،‭ ‬أصبحت‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬بعد‭ ‬تفجير‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬وانتقال‭ ‬التظاهرات‭ ‬من‭ ‬السلمية‭ ‬إلى‭ ‬احتدام‭ ‬العنف‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬وموجة‭ ‬الحرائق‭ ‬والصدامات‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬والقوات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬عشرات‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬شل‭ ‬عمل‭ ‬البرلمان‭ ‬الجديد‭ ‬واضعافه‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬خلاف‭ ‬الأحزاب‭ ‬على‭ ‬الكتلة‭ ‬النيابية‭ ‬الأكبر‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬إدارة‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة،‭ ‬ليعزز‭ ‬مؤشرات‭ ‬تحرك‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أجندات‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭. 

ففي‭ ‬تطور‭ ‬خطير‭ ‬قد‭ ‬يجر‭ ‬البصرة‭ ‬والعراق‭ ‬نحو‭ ‬المجهول‭ ‬وسط‭ ‬تداعيات‭ ‬إقليمية‭ ‬معقدة،‭ ‬تصاعدت‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬أعمال‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬الأهم‭ ‬اقتصاديا‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬للتحول‭ ‬البصرة‭ ‬من‭ ‬ثغر‭ ‬العراق‭ ‬الباسم‭ ‬إلى‭ ‬المحافظة‭ ‬المنكوبة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬المدن‭ ‬المنكوبة‭ ‬السابقة‭ ‬مثل‭ ‬الموصل‭ ‬والأنبار‭ ‬وصلاح‭ ‬الدين،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬التظاهرات‭ ‬السلمية‭ ‬فيها‭ ‬المطالبة‭ ‬بتوفير‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء،‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬عنف‭ ‬عقب‭ ‬سقوط‭ ‬عشرات‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى‭ ‬وعدم‭ ‬تنفيذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬ملموسة،‭ ‬مما‭ ‬فجر‭ ‬عمليات‭ ‬حرق‭ ‬منظمة‭ ‬طالت‭ ‬مباني‭ ‬المحافظة‭ ‬وبعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية،‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬ينسى‭ ‬المتظاهرون‭ ‬صب‭ ‬جام‭ ‬غضبهم‭ ‬على‭ ‬مقرات‭ ‬الأحزاب‭ ‬وليمتد‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬القنصليات‭ ‬الأجنبية‭ ‬فاحرقوا‭ ‬القنصلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وحاصروا‭ ‬القنصلية‭ ‬الأمريكية‭. 

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬دعوة‭ ‬رئيس‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬للانعقاد‭ ‬بسرعة‭ ‬وبحث‭ ‬تدهور‭ ‬أوضاع‭ ‬البصرة،‭ ‬وتهديده‭ ‬بـ»موقف‭ ‬حازم‭ ‬لا‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬بال‭ ‬أحد‮»‬‭ ‬متزامنة‭ ‬مع‭ ‬تهديدات‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬حيدر‭ ‬العبادي‭ ‬بالإقالة‭ ‬أطلقتها‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬بعد‭ ‬احراق‭ ‬مقراتها‭ ‬في‭ ‬البصرة،‭ ‬ليؤكد‭ ‬خطورة‭ ‬الموقف‭ ‬ودرجة‭ ‬التدهور‭ ‬والخلافات‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬إليها‭ ‬البيت‭ ‬الشيعي‭ ‬ومحاولة‭ ‬الأحزاب‭ ‬التملص‭ ‬من‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬عن‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬والانهيار‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭.‬

وكما‭ ‬متوقع،‭ ‬فان‭ ‬جلسة‭ ‬البرلمان‭ ‬الجديد‭ ‬ليوم‭ ‬السبت‭ ‬الماضي،‭ ‬التي‭ ‬حضرها‭ ‬العبادي‭ ‬وبعض‭ ‬الوزراء‭ ‬المعنيين‭ ‬بالأزمة،‭ ‬لم‭ ‬تسفر‭ ‬سوى‭ ‬عن‭ ‬تراشق‭ ‬الاتهامات‭ ‬بالتقصير‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والأحزاب،‭ ‬وتأكيد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ان‭ ‬‮«‬الفراغ‭ ‬السياسي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬التظاهرات‮»‬‭ ‬محذرا‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬الخلاف‭ ‬إلى‭ ‬السلاح‭ ‬مع‭ ‬وعود‭ ‬بدعم‭ ‬مالي‭ ‬عاجل‭ ‬للمحافظة‭. 

وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬لا‭ ‬يتوقع‭ ‬المراقبون‭ ‬صدور‭ ‬قرارات‭ ‬حاسمة‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬تصريف‭ ‬الأعمال‭ ‬لتلبية‭ ‬مطالب‭ ‬المتظاهرين،‭ ‬حيث‭ ‬سيترك‭ ‬تطبيقها‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بتعمد‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬افشال‭ ‬جلسة‭ ‬البرلمان‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تحسب‭ ‬انجازا‭ ‬للصدر‭ ‬والعبادي،‭ ‬وسط‭ ‬تشاؤم‭ ‬من‭ ‬امكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬إصلاحات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬البصرة‭ ‬والعراق‭ ‬عموما،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬المحاصصة‭ ‬والفساد‭ ‬والفشل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬السائد‭. ‬

والحقيقة‭ ‬انه‭ ‬ليس‭ ‬مستغربا‭ ‬تفجر‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تابع‭ ‬العراقيون‭ ‬بقلق‭ ‬شديد‭ ‬وخيبة‭ ‬أمل،‭ ‬وقائع‭ ‬الجلسة‭ ‬الأولى‭ ‬للبرلمان‭ ‬العراقي‭ ‬الجديد،‭ ‬التي‭ ‬فشلت‭ ‬خلالها‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬رئاسة‭ ‬البرلمان،‭ ‬واختلفت‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الكتلة‭ ‬الأكبر‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الحكومة،‭ ‬فكررت‭ ‬تمسكها‭ ‬بنهجها‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬وامتيازاتها‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬بالنسبة‭ ‬للساسة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الروابط‭ ‬العقائدية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭ ‬والمصلحة‭ ‬الوطنية،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬وتدهور‭ ‬أوضاعه،‭ ‬وسط‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬تمكن‭ ‬الجناح‭ ‬المتشدد‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مقاليد‭ ‬السلطة‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬استمرار‭ ‬التدهور‭ ‬واغتيال‭ ‬أي‭ ‬آمال‭ ‬بالتغيير‭ ‬والإصلاح‭. ‬

وفي‭ ‬مؤشر‭ ‬لخطورة‭ ‬تصاعد‭ ‬الخلاف‭ ‬الشيعي‭ ‬الشيعي،‭ ‬حذر‭ ‬11‭ ‬فصيلا‭ ‬مسلحا‭ ‬في‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي،‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬بـ»مؤامرة‭ ‬لتشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬هزيلة‮»‬،‭ ‬مشيرين‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬مؤامرة‭ ‬جديدة‭ ‬نسج‭ ‬خيوطها‭ ‬التحالف‭ ‬الانكلو‭ ‬أمريكي‭ ‬وتورط‭ ‬معهم‭ ‬بعض‭ ‬الساسة‭ ‬العراقيين‮»‬‭ ‬ولتؤكد‭ ‬الفصائل‭ ‬ان‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬المؤامرة‭ ‬الدنيئة‭ ‬لن‭ ‬تمر‭ ‬أبداً‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عده‭ ‬المراقبون‭ ‬تهديدا‭ ‬علنيا‭ ‬بإفشال‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬يشكلها‭ ‬ائتلاف‭ ‬سائرون‭ ‬وبكل‭ ‬الوسائل‭. ‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬خافيا‭ ‬ان‭ ‬الاحزاب‭ ‬المتصارعة‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬مصممة‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬التظاهرات‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬وتأجيجها،‭ ‬ضمن‭ ‬معركة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة،‭ ‬لذا‭ ‬وجهت‭ ‬اتهامات‭ ‬إلى‭ ‬الأحزاب‭ ‬المتنافسة‭ ‬بانها‭ ‬تعمدت‭ ‬إفشال‭ ‬كل‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬أقدمت‭ ‬عليها‭ ‬حكومة‭ ‬العبادي‭ ‬لتنفيذ‭ ‬وعودها‭ ‬بتقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬والإصلاحات‭ ‬لأهالي‭ ‬البصرة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والمتظاهرين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬لهم‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬قيادة‭ ‬واضحة‭ ‬معروفة‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬تظاهرات‭ ‬الاحتجاج‭.‬

وفي‭ ‬شأن‭ ‬متصل،‭ ‬بعث‭ ‬استهداف‭ ‬المتظاهرين‭ ‬الغاضبين‭ ‬للقنصلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وحرقها‭ ‬رافعين‭ ‬شعارات‭ ‬‮«‬إيران‭ ‬برة‭ ‬برة‭ ‬والبصرة‭ ‬تبقى‭ ‬حرة‮»‬‭ ‬برسالة‭ ‬رفض‭ ‬واضحة‭ ‬للتدخل‭ ‬الإيراني‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬ودعمها‭ ‬للميليشيات‭ ‬والأحزاب‭ ‬الفاسدة‭ ‬المهيمنة‭ ‬عليها‭ ‬وعلى‭ ‬مقدراتها‭. ‬ويلاحظ‭ ‬ان‭ ‬موقف‭ ‬الجماهير‭ ‬البصرية‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬انتقادات‭ ‬حادة‭ ‬وجهها‭ ‬العبادي‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬عندما‭ ‬صرح‭ ‬إن‭ ‬حكومته‭ ‬لن‭ ‬‮«‬تجازف‭ ‬بمصالح‭ ‬شعبها‭ ‬إرضاء‭ ‬لإيران‮»‬‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬كما‭ ‬انتقد‭ ‬قطع‭ ‬إيران‭ ‬لمياه‭ ‬نهر‭ ‬الكارون‭ ‬عن‭ ‬البصرة،‭ ‬ليؤكد‭ ‬تداخل‭ ‬العامل‭ ‬المحلي‭ ‬بالإقليمي‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬المحافظة‭ ‬المنكوبة‭.‬

ومع‭ ‬اليقين‭ ‬بان‭ ‬التنافس‭ ‬والصراع‭ ‬السياسي‭ ‬للقوى‭ ‬السياسية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأجندات‭ ‬المحلية‭ ‬والأجنبية،‭ ‬حولت‭ ‬مسار‭ ‬التظاهرات‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬السلمي‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬عنف‭ ‬وتخريب،‭ ‬فان‭ ‬التساؤل‭ ‬الوارد‭ ‬هو‭ ‬هل‭ ‬ان‭ ‬عرقلة‭ ‬عمل‭ ‬البرلمان‭ ‬وتأخير‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬واستغلال‭ ‬التصعيد‭ ‬الامني‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سبب‭ ‬الأزمة،‭ ‬يأتي‭ ‬ضمن‭ ‬ترتيبات‭ ‬يراد‭ ‬منها‭ ‬تأزيم‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لصالح‭ ‬مشاريع‭ ‬جهات‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية؟‭ ‬وهل‭ ‬سيكون‭ ‬ذلك‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تداعيات‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني؟‭ ‬آتي‭ ‬الأيام‭ ‬سيحمل‭ ‬الإجابة‭ ‬قطعا‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية