القاهرة ـ «القدس العربي»: واصلت أجهزة الأمن المصرية استخدام ما يعرف بتدوير القضايا، لاستمرار حبس النشطاء السياسيين وسجناء الرأي، حسب تقرير لـ«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، وهي منظمة حقوقية مصرية.
ومصطلح التدوير يستخدم للإشارة إلى حالات يصدر فيها قرار بإخلاء سبيل سجين سياسي أو سجين رأي، وبعدما يدخل المعتقل في إجراءات إخلاء السبيل التي تتخللها فقرات غير قانونية، يفاجأ بعرضه أمام النيابة متهما في قضية جديدة، ربما بالاتهامات القديمة نفسها، أو اتهامات جديدة، وربما في قضية بدأت أثناء سجنه بالأساس ويستحيل عمليا مشاركته فيها، وأحياناً في قضية حديثة العهد.
وقالت الشبكة في تقريرها الذي صدر أمس الأربعاء، إن «المعتقل قد ينال حريته لبضعة أيام أو شهور قبل أن يعاد القبض عليه وسجنه من جديد، وربما لا يرى شمس الحرية ولو لساعة فيجد نفسه محولاللسجن من جديد».
وتابعت «في القضايا التي ما زالت قيد التحقيق، يكون المتهم محبوسا احتياطيا بقرار من النيابة، حتى يتم إخلاء سبيله على ذمة القضية، سواء بإجراء احترازي أو بضمان، وبعد نقل المخلى سبيله إلى القسم التابع له، ندخل في مرحلة غير قانونية لكنها أصبحت روتينية لكافة المتهمين المخلى سبيلهم على ذمة قضايا أمن دولة، وهي انتظار تأشيرة الأمن الوطني، وهو إجراء غير قانوني حيث ينتظر المتهم تأشيرة (موافقة) من الأمن الوطني، قد تصل خلال عدة أيام وقد تصل خلال شهر أو أكثر، ويظل المتهم محتجزًا في قسم الشرطة، أو يتم نقله لأحد مقار الأمن الوطني، وتكون تلك الفترة فترة احتجاز غير قانونية وغير مثبتة في اﻷوراق».
وطبقاً للتقرير:»في الفترة التي يتم فيها انتظار تأشيرة الأمن الوطني، يقوم جهاز الأمن بفحص ملف المتهم، وتقرير ما إذا كان سيسمح بإخلاء سبيله أم لا، وفي كثير من الحالات يلتف الأمن الوطني على قرار إخلاء السبيل، بأن يعيد تدوير المتهم في قضية جديدة، وتحويله مرة أخرى للنيابة بمحضر تحريات فقط، وتقوم النيابة بحبسه بالفعل، وعليه فإن المتهم قبل أن يتم إخلاء سبيله يكون قيد الحبس مرة أخرى على ذمة قضية جديدة».
وعرضت الشبكة في تقريرها عددا من الحالات التي استخدمت فيها الأجهزة الأمنية تدوير القضايا لاستمرار سجن نشطاء سياسيين وحقوقيين، فأشارت إلى إبراهيم متولي وهو محام حقوقي ومؤسس رابطة أسر المختفين قسرياً، التي أسسها بعد اختفاء ابنه من فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، وهو محبوس منذ 2017 في حبس انفرادي في سجن العقرب، ويعاني من مشاكل صحية تزداد بسبب ظروف احتجازه القاسية، وبعد إخلاء سبيله في القضية الأولى تمت إعادة تدويره في قضية جديدة، بدأت أثناء وجوده في السجن الانفرادي.
وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أصدرت محكمة مصرية قرارا بإخلاء سبيل متولي بتدابير احترازية على ذمة القضية 900 لسنة 2017، وظل محتجزًا بشكل غير قانوني وغير معلوم مكانه، حتى ظهر في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019على ذمة قضية جديدة حملت رقم 1470 لسنة 2019 حصر أمن دولة، ويواجه فيها اتهامات «الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي».
محمد القصاص
كذلك لفتت إلى قضية محمد القصاص، نائب رئيس حزب مصر القوية، إذ تم إلقاء القبض عليه من منزله في 8 فبراير/ شباط 2018، وظل محبوسا احتياطيا في سجن انفرادي 22 شهرًا حتى تم إخلاء سبيله، وقبل أن يتم تنفيذ القرار وجد نفسه متهمًا مرة أخرى في قضية جديدة بالاتهامات القديمة نفسها، وهي «الانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة «. وبعد 22 شهرًا من الحبس الانفرادي، ثم إخلاء سبيل لم ينفذ، ظل محتجزًا بدون سند قانوني لمدة أسبوع تقريباً، ليعاد تدويره في قضية جديدة بالاتهامات نفسها، وهي قضية كان تاريخ بدئها في فترة وجوده في السجن بالأساس.
متهم لثالث مرة
أما إسلام الرفاعي الشهير بـ «خرم» وهو مدون ساخر ومدير في إحدى شركات التسويق، فقد ألقي القبض عليه، وفق الشبكة، بسبب تدويناته التي تتصف بالسخرية الدائمة، في نوفمبر/ تشرين الثاني2017، واتهم بتهم بعيدة عن فِكره المعروف عنه، ليظل محبوسا احتياطياً حتى أغسطس/ آب 2018، حينما صدر قرار بإخلاء سبيله بكفالة، ثم قبل تنفيذ قرار إخلاء السبيل، ظهر على ذمة قضية جديدة، واستمر محبوسا احتياطيا حتى يوليو/ تموز 2019، حينما تم إخلاء سبيله ولم يخرج من محبسه إلا ليجد نفسه مرة أخرى متهما على ذمة قضية جديدة للمرة الثالثة ليستمر محبوسا حتى اليوم.
المعتقل ينال حريته لبضعة أيام أو شهور قبل أن يعاد القبض عليه من جديد
وتطرق التقرير إلى علا يوسف القرضاوي التي تم اعتقالها يوم 30 يونيو/ حزيران 2017، وواجهت عدة تهم لتظل محبوسة انفراديا على ذمتها حتى يوم 3 يوليو/ تموز 2019، حيث تم ضمها على ذمة قضية جديدة بعد عدة ساعات فحسب، لتعود مرة أخرى للحبس الانفرادي.
أحمد بيومي ذكر أيضاً من بين ضحايا تدوير القضايا، فقد ألقي القبض عليه في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2017، من مسكنه في منطقة الدقي في محافظة الجيزة، وتم التحفظ على جميع متعلقاته ومنها جهاز المحمول، وأوراق تعيينه في جريدة الديار، وأوراق التأمينات الاجتماعية الخاصة به، وصحيفة الحالة الجنائية، وعقد الشقة وأرشيفه الصحافي، واستمر محبوسا احتياطياً حتى أكمل المدة القانونية للحبس الاحتياطي، فأمر بإخلاء سبيله في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلا أن بيومي لم يخل سبيله بل تم ضمه لقضية جديدة، وما زال محبوسا احتياطيا.
أبو الفتوح
كذلك الحال مع عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق الذي اعتقل في فبراير/ شباط 2018 عقب لقاء مع قناة البي بي سي، وقبل أن يتم مدة سنتين في فبراير/ شباط الجاري، ما يستوجب إخلاء سبيله، تم ضمه لقضية جديدة مع نائب رئيس حزب مصر القوية محمد القصاص. رفض أبو الفتوح، حسب محاميه في الجلسة الأولى الرد في التحقيقات في تلك القضية، وظل يؤكد أن ما يحدث معه باطل وغير قانوني، حيث تم ضمه لقضية جديدة وهو مسجون على ذمة القضية الأولى بالاتهامات نفسها تقريباً منذ عامين.
وأشار التقرير إلى «شادي أبو زيد صانع محتوى كوميدي، الذي كان يعمل كمراسل إعلامي لبرنامج أبلة فاهيتا، وألقي القبض عليه بعد نشر لفيديو كوميدي ساخر، وتم الحكم عليه فيها بـ6 شهور سجنا، واستمر حبسه احتياطياً على ذمة قضية أمن دولة أخرى لمدة 21 شهرا حتى حصل على إخلاء سبيل، وبعد أسبوع من الاحتجاز بشكل غير قانوني عاد ليظهر مرة أخرى على ذمة قضية جديدة بعد اتهامه بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة».
وأيضاً لفت إلى حال مهاب الإبراشي وهو محام، ألقي القبض عليه فيما عُرف باحتفالية حزب الكرامة، في ذكرى 25 ثورة يناير، واستمر محبوسا احتياطياً منذ 27 يناير/ كانون الثاني 2019، وبعد أكثر من عام صدر قرار إخلاء سبيله، واستمر محتجزا لمدة أسبوع بشكل غير قانوني، ليفاجأ بترحيله للنيابة وعرضه على قضية جديدة بنفس الاتهامات القديمة، وهي مشاركة جماعة إرهابية، وإساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة. واختتمت الشبكة تقريرها بالتأكيد ان «الحالات المرصودة ما هي إلا عينة ضمن عشرات الحالات الشبيهة لمسجوني رأي تمت إعادة تدويرهم في قضايا مرة أخرى بعد إخلاء سبيلهم في القضية الأولى، ما يمثل تحايلا من الأمن الوطني على القانون، الذي لم يكتف باستخدام الحبس الاحتياطي المطول كعقوبة للمعارضين السياسيين، إنما أصبحت إعادة التدوير نهجا يشير إلى سلطة الأمن الوطني التي تجاوزت يد القانون».
محكمة مصرية تحدد مصير عبد الفتاح والباقر والقرضاوي اليوم
قال محامون مصريون إن الدائرة الثانية في محكمة الإرهاب المصرية، قررت أمس الأربعاء، إخلاء سبيل كلل من الناشط والمدون علاء عبد الفتاح، والمحامي الحقوقي محمد الباقر على ذمة القضية رقم 1356 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، وعلا القرضاوي نجلة الداعية الإسلامية يوسف القرضاوي على ذمة القضية رقم 800 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، لكن النيابة استأنفت القرارات، ما دفع المحكمة لتحديد جلسة اليوم لنظر الاستئناف.
وكانت قوات الأمن ألقت القبض على عبد الفتاح أحد رموز ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي، ليظهر في اليوم التالي أمام نيابة أمن الدولة متهما على ذمة القضية 1356.
وخلال حضور الباقر جلسة التحقيق مع عبد الفتاح، علم بصدور قرار ضبط وإحضار على ذمة القضية نفسها وتم التحفظ عليه.
وجاءت جلسة المحكمة أمس، بعد إكمالهما 150 يوما في الحبس الاحتياطي منذ القبض عليهما في سبتمبر/ أيلول الماضي.
محكمة مصرية تنظر استئناف النيابة على قرارات إخلاء سبيلهم
ويواجه عبد الفتاح وباقر في القضية اتهامات «بمشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي».
أما علا يوسف القرضاوي فقد تم اعتقالها بصحبة زوجها القيادي في حزب «الوسط»، في 30 يونيو/ حزيران 2017، وتم اتهامها بعدة تهم لتظل محبوسة انفراديا على ذمتها حتى يوم 3 يوليو/ تموز 2019، حيث أصدرت محكمة وقتها قرارا بإخلاء سبيلها قبل أن يتم ضمها على ذمة قضية جديدة بعد عدة ساعات، لتعود مرة أخرى للحبس الانفرادي.
ووجهت النيابة لعلا القرضاوي في القضية التي حملت رقم 800 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا اتهامات «بالانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها من داخل محبسها».
وجاء في محضر تحريات الأمن الوطني، أن «علا القرضاوي استطاعت بالرغم من حبسها الانفرادي التواصل مع جماعة إرهابية وتمويلها»، وعليه استمر حبسها احتياطيا حتى اليوم.