على الرغم من أنه شاعرٌ جُملي بامتياز، إلا أنه يتصدى من خلال تلك الجُمل عبر تشخيصات مسبقة للكثير من الظواهر الثقافية والعقائدية في المجتمع بغرض فضحها دائما ومعالجتها أحيانا.
تفشل أو تخجل نصوص عديدة لشعراء مختلفين في هذه المنطقة، بسبب أنها تتكئ على الاختزال والتكثيف المبالغ به، الأمر الذي يحرضها على الترميز غير المدروس، استدعاءً لمرموزات شائعة، أو مرموزات مختلقة، وعادة ما تسقط هذه النوعية من النصوص في فخ التجريد، وفي الحقيقة هذه النصوص بسبب أنها تندغم داخل تركيبة من الرموز عبر الإيحاء تحيل بعضها إلى بعض داخل بنية النص، هو ما يجعلها تفتقر للسياق الواضح الذي يجتذب الجوانب، التي تتساوق وتتعالق مع جوانب الرموز الأخرى فتحقق في النهاية مقصدا، قد يكون هو نفسه ما يريده الشاعر وقد يكون قريبا منه، ولكن الذي يحدث أنها تُدخل المتلقي في قراءات لانهائية، ليس لكونها تنطوي على طاقة شعرية وفكرية مثلا منحتها مثل ذلك الامتياز القرائي، إنما غياب الفكرة أو المضمون المراد منه الظهور والانكشاف بعد تقشير طبقات اللغة وتفكيك مآلات رمزيتها، وأحيانا تُظلم الفكرة تحت طبقات الاشتغال اللغوي الذي يجيء في غير محله.
«عائلة لا يراها أحد»
هذا النموذج الأول وهو شائع. وعادة ما يكون عالقًا في مدارات سوزان برنار واشتراطاتها. هناك نموذج آخر يشتغل في هذه المنطقة وينجح فيها بشكل لافت، يحدث ذلك عندما يصبح التكثيف والاختزال عبارة عن دقة في اختيار المفردة المناسبة التي تحمل في لحمها طاقة التعبير عن فكرة مسبقة تختمر في رأس الشاعر، ولذا تكون هذه المقاطع/ النصوص مشروعًا لانزياحات متعددة داخل اللغة من جهة وداخل الفكرة من جهة ثانية، وبذلك يحقق النص انزياحين ناجحين فعالين متماهييين، لا تفصل بين فكرة النص ولغته، يتوحدان مثل ثنائية روح/ جسد في بنيان واحد، وعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ في نص «عائلة لا يراها أحد» هذا المقطع:
الله أغنية
الشيطان أغنية
مشكلتنا أننا نسمع كل الأغاني
الشاعر علي إبراهيم الياسري، استطاع في مجموعته الفائزة بجائزة الرافدين للكتاب الأول 2019 «أدخل بيتي مثل لص» أن يكون شاعرا من النوع الثاني الذي تتسق عنده اللغة والفكرة في رؤية واحدة، وذلك من خلال اعتماده على حمولات المفردة في سياقاتها الاجتماعية والثقافية الشائعة، ومن ثم استدراجها الى منطقة وسطى تجتمع فيها بلاغة الإشارة المحمولة على تلك المفردة، لا على الإزاحة اللغوية بشكل تام، فمثلا حين يتحدث عن الخير في نصه الذي يحمل عنوان «مناجاةُ لصٍ طيب» في المقطع الثاني:
كلما أبصرت رجلا دلني على امرأة
أقول لها: مساء الخير
فترتجف
من الخير.
أو حين يفتتح الكتاب بـ:
كثير من اللصوص
بكوا أثناء الصلاة
لكن واحدا فقط سيبكي أثناء السرقة.
يشتغل الشاعر هنا منقبًا في المفاهيم المشاعة في المجتمع، يخترقها ويفك سياقاتها الملتبسة، ثم يفضحها على الملأ عبر تدوينه لذلك الفهم، فيتحول ذلك الالتباس المقصود من مشهد الحياة، إلى مشهدية النص في أبعاد جمالية ملموسة عبر ذلك العرض، الذي تقدمه المفردات وهي تطرح تلك الأوجه الملتبسة، كما حصل مع اشتغاله في مفهوم الخير الذي أصبح ينبئ عن خطر شديد، وهذا الخطر مرتبط بما آلت إليه القيم الانسانية التي امتصت تعاليم الدين ومن ثم حرَفتها، فتحولت إلى مفاهيم منخورة تشير إلى الشر مهما كانت في ظاهرها تتجه إلى النقيض ويمكن أن نقرأ ذلك أيضا في ختام نص «عش الزوجية» حيث يقدم لنا الشاعر تعريفا للخير في نهاية النص:
إنها امرأة وهم
والوهم الكبير لا ينسى
امرأة يجابَه الخير بها.
الخير: القاتل الأشهر في التاريخ.
كذلك يرد في النص الذي يحمل عنوان «الكتابة في أقل من صفر» حين يكتب:
أقول مساء الخير وأضحك سرا
من الظلام الكبير في الخير
من دقة العبارة:
مساء الخير.
ومثل هذا الحديث ينطبق على اللص الذي يتخفى بالإيمان واللص الذي تتوهج لديه لحظة إفاقة الضمير، وهي لحظة صدق ميزت اللص وفق المنظور التداولي المشاع، ومنحته فرصة أن يكون إنسانًا جيدًا، كما أنه ليس بسوء ذلك اللص الذي يركع ويسجد، كما يشير النص أعلاه. إذن هناك لصان الى حد الان، لص طيب أو يمكن أن يصبح طيبًا ولص سيئ دائما.
لكننا حينما نرجع إلى عتبة العنوان «أدخل بيتي مثل لص» ينكشف لنا وجود لص ثالث تشي به تلك العتبة، حيث يستعير الشاعر في هذا الإطار، سياق اللص الشائع وهو يقتحم المنازل، إلا أن الفارق بينه وبين ذلك اللص أنه يدخل الى بيته هو، لا بيت شخص آخر، وهذه إشارة إلى الخوف والقلق وعدم لفت الانتباه. هذا اللص لا يريد أن يسرق بيته، إنما يستعير مهارة اللص في التخلص من عيون رقيبة تسائل وتدقق وربما هي محاولة لمجاوزة تداعيات سلطوية ذكورية، كأن تتمثل بشخصية الأب القابض على العائلة بالقسوة والترهيب، أو الأخ الأكبر أو تجاوز كاريزما الأكبر الحادة على وجه العموم، حيث تتطرف ثقافة المجتمع إلى مثل هذه التراتبية، فنشهد مثلا من يطالب بـ «احترام الكبير» لكنه لا «يعطف على الصغير» إنما يقتطع ما يناسبه لا غير، مستغلا مكانته الممنوحة إليه عبر جاهزية ثقافية واجتماعية متواضع عليها.
هذا النوع من القراءات بين العالم داخل النص والعالم خارجه، يجعلنا نعيد النظر كثيرًا في «موت المؤلف» وخصوصًا عندما نلمس مثل هذا التأثير الخارجي في تشكيل بنية النص، الذي يمكن عده اعتبارا جديدا يضاف لجملة اعتبارات سابقة مناوئة، أو تطالب بشيء من الوسطية والتخفف من تلك القطيعة التي جاءت بها تلك النظرية.
وربما هو انسلالٌ لا غير بين ممرات حياة يعيشها كل يوم حتى ضجر منها، ومثل هذا الشعور هو شعور يتضاعف لدى أغلب الفنانين وغير الفنانين، ممن تفتحت أذهانهم على تهجسات مغايرة، عن تلك الراسخة والمتوارثة والشاخصة في حياة يومية، فيعيش حالة اغترابٍ داكنة، تأخذ به إلى الانطواء تدريجيا، فينسحب من المجتمع والعائلة الى أن تصل به الحال إلى الدخول مثل لص إلى بيته. وما دام سيدخل مثل لص، إذن وبطبيعة الحال سيفترض أن هناك من يود القبض عليه، وهكذا هو صراع بين طرفين، اللص الذي هو في الأصل تشكيل شخصياتي جاهز يستعيره الشاعر كي يتجلى فيه اغتراب الفنان/ الشاعر. والآخر المتمثل بالأكبر/ المجتمع/ العائلة إلخ. وسيجد القارئ صورا كثيرة تعضد قولنا أعلاه مثل حضور صورة الشيخ وصورة الجنة وصورة الشيطان، صورة الإرهابي تصريحا أو تلميحا، صورة الدعاء، صور الله، ورود الأنبياء وتعدد صور المرأة، بين المرأة المتأثرة والمنكمشة بسلطة المجتمع «الأبوية» والمرأة المعشوقة والمرأة الجسد والمرأة الأم، التي في النهاية هي صورة تأولت بفعل إيقاعات حياة هذا المجتمع وخياراتها المحدودة. بالطبع هذا جانب من الموضوعات التي نالت حظًا وافرا من النصوص وليست كل الجوانب، ولغزارة الأمثلة اكتفينا بهذا اليسير لترسيم خطوط قرائية عريضة، تنفتح على مضامين النصوص وأسباب تشكلاتها. كما يمكن ملاحظة أن اللغة الشعرية لدى الياسري متأثرة بتداعيات الديني والثقافي، ولذلك وردت تلك المفاهيم الشهيرة التي تمثل مجموع سلطات مركزية في المجتمع داخل نصوص عديدة، بل إنها كانت الأساس في انطلاقة الكثير من النصوص. في حين هناك نصوص تنحو باتجاه المناخات الصوفية بشكل غير مقصود، ويظهر ذلك واضحًا من خلال الاستخدامات اللغوية. إذن هناك توظيف لتلك المفاهيم الدينية واستحضارها والانتفاع منها لغويًا، إذ عملت النصوص في بعض ما عملت كفقيهٍ نوعي مضاد، يقشر المتداول، ويكشف أوجهه وأحيانا يقدم انطباعًا لما يفترض أن تكون عليه الحقائق.
أما من الناحية البنائية للنصوص، فإن هناك بنيتين تستحوذان على نصوص هذه المجموعة، وهما بنيتان متداخلتان أحيانا ومستقلتان في أحايين أخَر. فمثلا نقرأ نصوصا هي عبارة عن مقاطع قصيرة، وأغلب نصوص المجموعة هي من نوعية المقاطع القصيرة، مرة ترِد تلك المقاطع مستقلةً، ومرة تتموضع ضمن تسلسل فني مدروس. يحدث التداخل بين تلك البنيتين عندما يمنحنا النص قراءتين بدل الواحدة، وذلك عندما تقرأ كل مقطع بمفرده ثم حين تصل إلى الختام، تجد هناك مقطعا هو بمثابة نص مستقل ولكنه أيضا هو نص خاضع للسياق ويعمل على إزاحة كل تلك النصوص القصيرة مجددا، فيمنحنا قراءة ثانية تبدأ من الأسفل. ولذا هي نوعية من النصوص تمنحك قراءة من الأعلى/ أفقية، مستقلةً بذاتها وقراءة من الأسفل تحدد المقاصد من خلال تشذيبها لسعة التأويل وبذلك تحقق المراد من النص / رؤية الكاتب، ويتجلى ذلك في نص «وحيدان» ونص «في الخمسين» وغيرها من النصوص.
إلقاء يسبق لحظة التدوين
ولعل هناك ظاهرة مؤثرة في تلك البنائية التي اتخذتها نصوص الشاعر بدون وعيٍ منه ربما، ظاهرة تتخفى داخل ظواهر الموضوعات، ولغتها المنتقاة بحذر، وهي متاحة للكشف بشرطين: الأول لمن يدقق والثاني: لمن أصغى من قبل الى قراءة الشاعر الصوتية لنصوصه، حيث يبدو أن الياسري حين يشيد جُمله ويقطعها وينثرها، عبارةً هنا وعبارةً هناك، هو لا يكتب فقط إنما يُلقي على الورقة، ما يود كتابته مثلما لو أنه يلقي نصه من على المنصة. بمعنى أن هناك إيقاعًا داخل الشاعر، إيقاع الإلقاء، هو من يتحكم بصياغات تلك الجُمل وطريقة توزيعها على الورقة، تساعده في ذلك تلك الوقفات الاستدراكية إلى الفراغات بين المقطع والأخر وبين المقطع نفسه إلى الالتحام القريب بين مقطعين والتفريق بينهما إلى وجود فواصل من عدمها. ولهذا السبب بالتحديد نستطيع الجزم بأن كل نصوص هذه المجموعة هي نصوص تصلح للإلقاء مع احتفاظها بخزينها الشعري المتفاوت، وهو شيء يندر حدوثه بسبب أن نصوص النثر ليست كلها محببة للمنصة، أو القراءة الصوتية كما يعلم الجميع. إذن الشاعر علي يتعامل مع الورقة/ منطقة التدوين، كما لو أنها منصة ولذلك يجد القارئ إيقاعًا جُمليا ناصعًا يرن بعد كل جملة تُقرأ، فهو إلقاءٌ يسبق لحظة التدوين، وهو الإلقاء ذاته بعد التدوين، وبلا شك أغلب الكتاب يمتلكون مثل هذا الصوت الداخلي الذي تتموسق من خلاله جملهم، سواء في الشعر أو السرد، لكنه يبدو واضحا في تجربة علي أكثر، وذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى طريقة كتابته الجملية.
هذا النوع من القراءات بين العالم داخل النص والعالم خارجه، يجعلنا نعيد النظر كثيرًا في «موت المؤلف» وخصوصًا عندما نلمس مثل هذا التأثير الخارجي في تشكيل بنية النص، الذي يمكن عده اعتبارا جديدا يضاف لجملة اعتبارات سابقة مناوئة، أو تطالب بشيء من الوسطية والتخفف من تلك القطيعة التي جاءت بها تلك النظرية.
كاتب عراقي