بعيدا عن المظاهرات وأهدافها، وعن استهداف دور العبادة المسيحية، كما حدث مؤخراً في الوراق، ومراكز الشرطة ومقرات المؤسسات الحكومية حتى الاستخبارات الحربية، كما وقع في الاسماعيلية مؤخراً. وبعيدا عن المحاكمات وما يحدث فيها، وانفجار أحد محولات السد العالي، والاتصالات ومحاولات المصالحة بين الحكومة والاخوان، أو الاخوان والحكومة، وما يصاحبها من سكوت أو نفي. وبعيدا عن محاكمة المحتجزين في الامارات على ذمة تنظيم الاخوان المسلمين يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر القادم. وبعيدا عن حبس ضباط الشرطة المتهمين بقتل مساجين الاخوان عند ترحيلهم الى السجن، وبعيدا عن أحداث سيناء الدامية التي تكاد تكون شبه يومية. وبعيدا عما يجري داخل أروقة مجلس الشورى من اجتماعات داخل اللجان الفرعية أو لجنة الصياغة، أو مجموعات العمل التوافقي، بشأن مواد الدستور المختلف حولها أو فيها أو عليها.
بعيدا عن كل ذلك، لفت نظرى خبران يوم 23/10/2013، أحدهما في جريدة ‘الشروق’، والآخر نشر في جريدة ‘اليوم السابع’.
الخبر الذي وقفت عنده في ‘الشروق’ عنوانه يقول: تراجع الجامعات المصرية إلى المركز العاشر افريقيا، 1206عالميا في التصنيف الاسباني. هذا الخبر كشف عنه تقرير المجلس القومي للأبحاث الاسباني. أذهلني أننا في مصر نكون بجامعاتنا العاشر افريقيا، والاثنين والثلاثين على مستوى الشرق الأوسط، والـ1206 على مستوى العالم.
تستند هذه التقارير، وهي أساس التصنيف، الى بيانات متوافرة حتى على المواقع الالكترونية بشأن نتائج الأبحاث المنشورة، كما تستند الى أداء أعضاء هيئات التدريس ومشاركتهم الأبحاث المحكمة والمنشورة، والمكانة الدولية للجامعة.
ويدخل في هذا التقويم أو التقييم أيضا، التسهيلات القائمة في الجامعة. وتشمل تلك التسهيلات، المكتبات وما فيها من مراجع حديثة، كما تشمل المبانى وقدرتها على الاستيعاب وتجهيزاتها، وكذلك الملاعب الرياضية، وأماكن السكن والكومبيوترات، وغير ذلك من تسهيلات يحتاج إليها الطالب والأستاذ في أبحاثهم. هذا كله فضلا عن نوعية التعليم، وفرص العمل في المستقبل، ومعدلات التخرج المرتفعة، فضلا عن الامكانات المالية ونسبة الأساتذة الى الطلاب.
من الطبيعي أن تأتي الجامعات الأمريكية في المقدمة، خصوصا جامعة هارفارد، وجامعة ييل، وجامعة ستانفورد وكذلك جامعة برنستون، وجامعة كولومبيا، وجامعة شيكاغو، والأكاديمية العسكرية، وبعض المعاهد مثل معهد ماساشوست للتكنولوجيا، وكليات مثل كلية وليامز وكلية بومونا وغيرها، من الجامعات والكليات والمعاهد المتقدمة، إما كل الجامعة أو في كلية ما أو في قسم من الأقسام. ومن المؤلم لي من دون حسد أن تأتي بعض جامعات جنوب افريقيا وأوغندا ونيجيريا قبل الجامعات المصرية. مصر العلم والحضارة والأزهر تتراجع الى هذا الحد؟
الجامعة الأمريكية في مصر جاءت الخمسين في هذا التصنيف في الشرق الأوسط. كما جاء ترتيب جامعة الأزهر بعد غانا والخرطوم، وهي أقدم الجامعات على الاطلاق، فعمرها يزيد عن ألف سنة. وفي التصنيف الصيني كذلك، الذي يعتبر من أهم التصنيفات، نجد أن بعض الجامعات في جنوب افريقيا تسبق أيضا الجامعات المصرية. يعنى ليس هناك تجن على الجامعات المصرية، قد يكون هناك نقص معلومات وهو ما نتمناه.
أتذكر هنا كتابا أو بمعنى أدق، تقريرا نشر باللغة الأنكليزية سنة 1983 بعنوان: ‘أمة معرضة للخطر’ كتبت عنه أكثر من مرة لأنه درس في غاية الأهمية. قرأت الكتاب وكنت أظن أن العنوان يناسب أياً من الدول العربية والافريقية، أو ينطبق عليها. ولكنني دهشت عندما علمت، أن هذا التقرير يتحدث عن امريكا التي تزيد الجامعات فيها عن ثلاث آلاف جامعة، ما بين رسمية وخاصة، وبها مراكز أبحاث تزيد اليوم على الالاف إما تابعة للجامعات الكبيرة أو مستقلة، ومنها راند كوربوريشن، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، ومنها معهد دراسات الشرق الأوسط، ومنها بروكنجز ونيكسون. منها ما هو مهتم بالسياسة ومنها ما هو مهتم بالدين أو الاسلام السياسي أو نشر الديمقراطية.
أما سبب إعداد ونشر هذا التقرير المهم جدا، فقد تمثل في معرفة وإحساس وزير التعليم الفيدرالي، بأن طلاب ألمانيا واليابان في مرحلة التعليم الثانوي، يسبقون نظراءهم من الأمريكان في مسابقات الطبيعة والرياضيات. أصبح ذلك هماً ثقيلاً للوزير الوطني، وشكل فريقاً من التربويين على الفور من كافة مراحل التعليم، لدراسة الوضع التعليمي في الروضة والمرحلة الابتدائية والثانوية والجامعات، بما في ذلك الكليات والمعاهد التعليمية.
المهم في الأمر أن التربويين المكلفين بإعداد التقرير، لم يمدحوا نظام التعليم في أمريكا، ولم يقولوا إنهم أكثر البلاد تقدما، وأن لديهم أكثر الجامعات بل وأهم الجامعات في العالم، ولكنهم درسوا الأمر بدقة، ووجدوا ثغرات في المناهج، فكتبوا هذا التقرير ‘أمة معرضة للخطر’. هنا احساس كبير وفائق من الوزير، الذي غضب لأن طلاب اليابان والألمان يسبقون الأمريكان في منافسات الطبيعة والرياضيات، فهرع الرجل الى السبب ووجده في المنهج الدراسي فعالجه، حيث تتوافر الامكانات والأولويات. وحافظت أمريكا بذلك على القمة في تلك المنافسات بعد ذلك.
صحيح هناك جامعات أو كليات أو معاهد قد تتاثر بوفاة أو غياب بعض الأساتذة، كما أنها ترتقي بانضمام بعض الأساتذة والباحثين الى الجامعة بدرجة كبيرة، وهنا قيمة الأستاذ والمدرس والباحث، ولكن هناك بكل تأكيد تنافس شديد ورغبة قوية وأكيدة للتفوق، والمحافظة على القمة، ولو في قائمة أفضل الجامعات، إن كانت عشر جامعات او خمسين جامعة.
طبعا التعليم هو ‘روشتة’ معالجة الجهل والتخلف، وهو وسيلة أكيدة للتقدم بل والتفوق. وينبغى الانفاق على التعليم لأنه بالتأكيد من أفضل الاستثمارات. لازال السياح يأتون الى مصر ليشاهدوا آثار وبقايا حضارة بهرت العالم أجمع، ولا يعرف العالم سرها حتى اليوم. هل تستعيد مصر هذا الدور؟ نعم تستطيع إن توفرت للتعليم متطلبات التفوق.
أما الخبر المزعج الثاني الذي قرأته في ‘اليوم السابع’ في الصفحة الثالثة في نفس التاريخ، فهو إحصاء للمركز المصري لبحوث الرأي العام ‘بصيرة’، وهو يتناول قضية مهمة جداً عن تقييم المصريين لأداء حكومة الببلاوي ومدى شعورهم بالأمان وتحسين الأحوال المعيشية الحالية. وهذا هو التقييم الأول لأداء حكومة الدكتور الببلاوي التي تم تشكيلها بعد ثورة 30 يونيو 2013. وقد تباينت الآراء حول أداء الحكومة القائمة. 37% فقط يرون أنه كان أداء جيداً، 49% يرون أنه كان أداء متوسطاً، نسبة 15% يرونه سيئاً، وإذا لم تتحرك الحكومة لمعالجة الأزمات، حتى يحس المواطن بأن هناك تحسنا وتقدما ملموساً في الملفات الساخنة، خصوصا تلك التي تتعلق بالعيش والحريات والعدالة والكرامة وهي متطلبات الثورة فإن هذه النسب قد تتغير بشكل كبير، ويزداد عدد من يرون أن الأداء سيئ، وقد تقل نسبة من يرونه جيدا أو حتى في محيط المتوسط. ولكن التجربة في ذاتها تستحق التقدير والاحترام، ويا ليت هذا التقييم، يتم دوريا في كل مؤسسات الدولة.
أقول دائما لأصدقائي في لجنة الخمسين وخارجها، المرور قبل الدستور، لأن الدستور أساس تستند إليه الجهات القضائية والتنفيذية، ولكن معالجة مشكلات الشعب من المرور للطاقة، للأمن للوقود للنظافة، وهي الملفات التي فشل مرسي في علاجها، تظل تحديا أمام كل حكومة قادمة حتى تجد لها حلاً. أما إذا ظلت الأوضاع على ما هي عليه حتى اليوم، فإن المواطن لا يهمه إلا العيش والحريات والمسكن الملائم بما فيه الطعام والشراب المناسب له ولأولاده.
إن ترتيبات الحكومة والإجراءات التي تقوم بها لإستكمال المؤسسات في الدولة تسير حاليا بشكل جيد وإن كان بطيئا، في إطار خارطة الطريق. ولكن هذا وحده لا يغني عن تحسين المعيشة والقضاء على مشكلة المرور حتى لا تضيع عدة ساعات غالية للمواطن يومياً في الشارع وزحمة المرور، ناهيك عن بقية التحديات.
‘ كاتب مصري