محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: تراجع التفاؤل بتطبيع قريب للعلاقات الجزائرية المغربية وبدأت تطفو على السطح مؤشرات خفوت الامال التي روج لها خلال الاسابيع الماضية، وقد يعود ذلك الخفوت الى تطلعات مختلفة الاتجاهات واماني يختلف حول تقديرها ورغبات تفهم عكس ما تطمح اليه.
وتحمل العلاقات المغربية الجزائرية عنوانا واحدا يدمج قضية الصحراء الغربية، المفتوح ملفاها منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، بقضية الحدود البرية المغلقة منذ 1994. وطوال الشهور الماضية التي انتعشت فيها الامال بتطبيع كامل للعلاقات بين البلدين الشقيقين اللدودين، كان يتم البحث في كل الملفات الا ملف الصحراء والحدود. ولان تقدما لم يعرفه أي من الملفين، فإن كل ما عرفته الملفات الاخرى من تقدم، يبدو انه لا قيمة له اذا لم يكن مهددا بالانتكاسة والتراجع بعد هجمات اعلامية تتسم بالعنف احيانا وتتضمن اتهامات بعدم الوفاء او التمسك بالمواقف المعادية او التخلي عن التزامات. الدكتور سعد الدين العثماني وزير الخارجية المغربي قال امام لجنة برلمانية نهاية الاسبوع الماضي أنه كان يتفادى خلال زيارته الأولى إلى الجزائر في كانون الثاني (يناير) الماضي الحديث مع المسؤولين الجزائريين عن أمرين اثنين: الأول يتعلق بفتح الحدود، والثاني يهم قضية الصحراء، واضاف، حسب صحيفة ‘اخبار اليوم’، أن المغرب لن يتسول فتح الحدود من المسؤولين الجزائريين.
وحسب موقع وزارة الخارجية المغربية الالكتروني، قال العثماني ان المؤشرات تعكس في مجملها إرادة المغرب والجزائر في تحقيق تقدم في علاقاتهما لا انها تسمح حاليا بالتنبؤ ببلوغ مرحلة التطبيع’، و’ينبغي متابعة مدى التفاعل مع ما تم الاتفاق عليه بين الجانبين سيما وتيرة التنفيذ والعزم على الانتقال إلى مراحل أعلى’. وأكد أنه تم الحرص على أن تكون الزيارة الرسمية الأولى له كوزير للخارجية، إلى الجزائر توخيا لكسر الجمود الذي يطبع العلاقات الثنائية وأن هناك اتفاق على خطوات عملية ستأتي أكلها في الشهور المقبلة. من بينها مواصلة الدينامية الإيجابية التي شهدتها مؤخرا العلاقات وتعزيز التعاون في المجالات القطاعية التي سبق الاتفاق عليها سنة 2011 (قطاع الطاقة والمعادن والماء و قطاع الفلاحة و قطاع الشباب والرياضة وقطاع الثقافة) وتحويل فكرة التعاون الأمني الثنائي إلى آلية فعلية يتم من خلالها تحديد المجالات ومداها وتنفيذ العمليات المتفق عليها والاتفاق على وضع آلية للتشاور السياسي بين وزيري خارجية البلدين من خلال تنظيم لقاءات بينهما على رأس كل ستة أشهر يسبقها اجتماع تحضيري على مستوى كبار موظفي وزارتي الخارجية والاتفاق المبدئي على عقد اجتماع اللجنة العليا المشتركة في غضون سنة 2012. وأضاف أن هذه الخطوات همت أيضا تنظيم تبادل الزيارات للمسؤولين عن التربية والتعليم العالي والبحث العلمي باعتبارهما القطاعين المتبقيين من ضمن تلك المتفق عليها سنة 2011 و’اللذان لم يسجل فيهما أي إنجاز’ وتوسيع محطة 2011 لتشمل سنة 2012 التعاون في المجال الإعلامي بغية تلطيف الأجواء والقيام بدور إيجابي في المحطات المقبلة ‘للمساهمة في تجاوز سوء الفهم وتقريب وجهات النظر وبناء الثقة’. وفي هذا الاطار أعلن وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي الذي يقوم بزيارة رسمية للجزائر أنه سيتم إطلاق منتدى مغربي جزائري للصحافيين في بداية الصيف القادم وانه تم الاتفاق خلال مباحثاته مع نظيره الجزائري ناصر مهل على تشجيع إطلاق مشروع هذا المنتدى كفضاء مشترك من شأنه تفعيل مسلسل التقارب بين المغرب والجزائر.
وأضاف أن الأمر يتعلق بفضاء مستقل يجمع الصحافيين والناشرين مرتين في السنة بالتناوب بين البلدين لمناقشة القضايا التي تشغل الفاعلين في هذا القطاع على مستوى البلدين مشيرا أن هذا الفضاء يشكل خطوة لتسريع مسلسل التقارب بين البلدين.
ورغم التصريحات المتفائلة في كل من الجزائر والرباط والكلام ‘المنمق’ حول العلاقات بينهما، ظهرت خلال الايام الماضية سلسلة تقارير عن انتكاسة لمسار التطبيع بين الجزائر والمغرب ان كان بالنسبة للحدود البرية المغلقة التي يرى المغرب فتحها خطوة ضرورية للتطبيع الكامل والتي ترى الجزائر انها تتويج للتطبيع لانها رهينة استحقاقات وتفاهمات حول كل القضايا المتعلقة بالحدود نفسها او بالعلاقات بين البلدين. وفي قضية الصحراء عرفت عدة محافل دولية مواجهات بين دبلوماسيي كل منهما وابرزها في مقر الامم المتحدة في جنيف في مؤتمر السنوي حول حقوق الانسان ومؤتمر نيروبي حول السكنى وتهيئة المدينة نهاية الاسبوع الماضي حيث وجد المغرب نفسه في مواجهة مع الجزائر التي تدعم جبهة البوليزاريو في السعي لفصل الصحراء الغربية عن المغرب واقامة دولة مستقلة عليها.
وتنتعش، كلما تحسنت العلاقات الجزائرية المغربية، امال مغربية بتخلي الجزائر عن مقاربتها للنزاع وتسويته التي ترعاها الامم المتحدة، وان تبتعد نسبيا عن مقاربة جبهة البوليزاريو والجزائر التي تحرص على ‘عدم التداخل’ بين الملفات، لا ترى ان تحسن العلاقات مع المغرب سيكون على حساب ‘الصحراويين’ وحقهم في تقرير المصير. الدكتور سعد الدين العثماني قال امام اللجنة البرلمانية إن أولى أولويات العمل الدبلوماسي الوطني هي الدفاع عن السيادة الوطنية واستكمال الوحدة الترابية للمغرب، وان الدبلوماسية المغربية لاسيما خلال عضوية المغرب غير الدائمة بمجلس الأمن ستواصل جهودها لكي يظل المقترح المغربي حول الحكم الذاتي الأرضية الوحيدة للتفاوض لما يتسم به من روح الابتكار والتوافق، لأن المبادرة تستمد قوتها من ملاءمتها للمعايير الدولية والقانون الدولي في مقابل تجاوز الإستفتاء الذي يتشبث به الطرف الآخر والذي أصبح غير ذي جدوى منذ 1999. وأشار العثماني إلى أن المغرب ‘حقق منذ 2007 اختراقا ملحوظا لحالة الجمود التي ظلت تطبع قضية الصحراء المغربية بفضل المبادرة المغربية للحكم الذاتي والتي أشاد بها المجتمع الدولي بكونها واقعية وجدية وذات مصداقية وتساير المعايير الدولية ولها نفس قوة الدلالة التي يحملها مبدأ تقرير المصير ومبدأ الوحدة الترابية.’ وأضاف أن من بين الأعمال التي ستنجز مواصلة العمل على تعزيز المكتسبات بشأن سحب الاعترافات بالجمهورية الصحراوية التي اعلنتها جبهة البوليزاريو من طرف واحد 1976 بعد ان وصل عدد الدول التي سحبت إعترافها منذ 2000 إلى 34 دولة.
كما سيتم العمل على إشراك الممثلين الحقيقيين للمناطق المتنازع عليها ضمن دينامية جديدة من شأنها ‘تفنيد مزاعم الذين لا يتوفرون على أي سند قانوني أو دعم شعبي أو شرعية ديمقراطية ويدعون تمثيلهم الحصري لساكنة الصحراء والتعريف بالجهوية الموسعة التي تمت دسترتها كمدخل لتمكين سكان جهة الصحراء من تدبير شؤونهم بأنفسهم كأول جهة من جهات المملكة تستفيد من هذا النظام المتقدم للحكامة الجهوية’. وجدد موقف بلاده للامم المتحدة جراء احصاء دقيق لسكان مخيمات تندوف حيث التجمع الرئيسي لجبهة البوليزاريو وشدد على أهمية دعم برنامج إجراءات بناء الثقة تحت إشراف المفوضية السامية للاجئين والتخفيف من معاناتهم بسبب الظروف اللاإنسانية والمأساوية داخل المخيمات.