تراجع تأثير الدين على السياسة في الشرق الأوسط: فلسطين أصبحت آخر اهتمامات السعودية… والتقارب بين الدوحة وطهران يقلق الرياض

حجم الخط
0

إسرائيليون من أصل إيراني يشجعون فريق إيران أثناء مباراته مع فريق اسبانيا في مباريات كأس العالم

تصنيف التحالفات على أساس شيعي سني لم يعد سارياً الآن

لندن ـ “القدس العربي”: يتناول وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي التطورات السياسية في الشرق الأوسط، وتراجع تأثير الدين على العلاقات في المنطقة.

ويشير في مقال نشره موقع “بروجيكت سينديكت” إلى التقارب والتعاون بين إسرائيل وبعض الدول العربية السنية، مُذكِّرا بصمت السعودية (حامية الأماكن المقدسة) بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، كما لاحظ غياب التحالفات على أساس شيعي ــ سني، وأشار مثلا إلى احتفاظ قطر وإيران بعلاقات متقاربة تقلق راحة السعودية، وإلى جهود الزعيم العراقي مقتدى الصدر للتخلص من النفوذ الإيراني.

وفيما يلي نص المقال: عندما يفكر المرء في الصراع في الشرق الأوسط، ربما تكون العوامل الدينية من بين العوامل الأولى التي تتبادر إلى الذهن. لكن في الوقت الحاضر، تلعب المصالح الاستراتيجية المتنافسة والطموحات الإمبريالية دوراً أكبر بكثير من الانقسامات الدينية أو الطائفية في تحديد السياسة الإقليمية. هذا يحتمل أن يكون تطورا إيجابيا.

النظر في الصراع من أجل النفوذ الإقليمي بين المملكة العربية السعودية وإيران. على الرغم من ربطه لفترة طويلة بالانقسام السني الشيعي، إلا أن المنافسة بين نظامين سياسيين متعارضين: النظام الثوري الإيراني، عازم على تغيير ميزان القوى الإقليمي، في مواجهة الملكية السعودية المحافظة، التي تسعى إلى الحفاظ على النظام القديم.

لذلك كان من المنطقي أن تدعم إيران الربيع العربي. ففي منطقة الشرق الأوسط التي يسيطر عليها العرب، تعد إيران العدو الطبيعي. لكن في الشرق الأوسط المسلم، جمهورية إيران الإسلامية هي مهيمنة محتملة. لذا سارعت إيران إلى دعم انتخابات حرة، وتوقعت أن الناخبين سيحضرون الإسلاميين إلى السلطة.

وعلى النقيض من ذلك، فإن النظام الراديكالي المحافظ للغاية في السعودية، يخشى هذه الاضطرابات السياسية ويرى الديمقراطية العربية كتهديد أساسي. لذا، وبينما حافظت على تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، والقوة الإمبريالية الغربية التي تخافها إيران أكثر من غيرها، عارضت السعودية الانتفاضات، سواء كان أبطالها شيعة (كما هو الحال في البحرين)، أو سنية (كما هو الحال في مصر). بهذا المعنى، كان الربيع العربي قصة نمو وقمع الإسلام السياسي.

علاوة على ذلك، لم تعد التحالفات مرتبطة بالإنتماءات السنية الشيعية، بل ركزت على أولوية السياسة وليس الدين، في تأجيج الصراعات الإقليمية. على سبيل المثال، فإن حركة حماس السنية الأصولية التي تحكم قطاع غزة، قد نجت بشكل كبير كنتيجة للتمويل من إيران.

وبالمثل، فإن عُمان، التي يهيمن عليها الإباضيون والسنة، تربطها علاقة مع إيران، التي تشترك معها في السيطرة على الممرات الحيوية للنفط في مضيق هرمز، أوثق من علاقاتها مع المملكة العربية السعودية. في الواقع، عُمان متهمة الآن بمساعدة إيران على تهريب الأسلحة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن، حيث تخوض إيران والسعودية حربًا بالوكالة.

كذلك، تحتفظ قطر بعلاقة مع إيران، التي تشترك معها في حقول الغاز الضخمة، بينما قادت المملكة العربية السعودية في العام الماضي، ائتلافا من الدول العربية (الإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين) لعزل قطر دبلوماسيا وفرض العقوبات.

ومع ذلك، تحتفظ تركيا، وهي قوة سنية أخرى، بقاعدة عسكرية في قطر. وهذا ليس المصدر الوحيد للتوتر بين السعودية وتركيا. فهم يختلفون أيضا حول الإخوان المسلمين. ففي حين يرى السعوديون أن الإخوان يشكلون تهديداً وجودياً، تعتبرهم تركيا نموذجاً للسياسات الإسلامية التي تستحق الدفاع عنها، كما أنها وسيلة لتوسيع النفوذ التركي في العالم العربي.

كما أن دعم تركيا للإخوان المسلمين جعلها على خلاف مع قوة سنية أخرى: مصر، حيث الإخوان هم عدو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وإلى جانب طموحاتها الإقليمية وجهودها لوضع نفسها كبطل رئيسي في دعم القضية الفلسطينية، يبدو أن تركيا تتحدى بشكل مباشر مصالح مصر الحيوية.

ربما يكون أفضل مثال على كيف طغت المخاوف الأمنية والاستراتيجية على الصراع الديني هو التحول في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية السنية، بما في ذلك دول الخليج ومصر. إن الإنجازات الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل، التي كانت تعتبر العدو الأساسي في العالم العربي، وكان يُنظر إليها على أنها مقياس للفشل العربي – هذه الإنجازات أصبح ينظر إليها بإعجاب.

ومع تزايد نفوذ إيران واستمرار الإرهاب الإسلامي في الانتشار، أصبحت فلسطين آخر مخاوف المملكة العربية السعودية. من الأمور الجوهرية هي التغييرات التي تطرأ على مصالح المملكة الاستراتيجية، فعلى الرغم من كونها حامية للمواقع الإسلامية المقدسة، إلا أنها لم تقل شيئًا عندما اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس “عاصمة أبدية” لإسرائيل. كما ذهبت دول سنية أخرى في الخليج، إضافة لمصر، بعيد في التعاون الأمني ​​مع إسرائيل.

السياسة أيضا تحل محل الدين داخل إسرائيل. حملة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التوسعية في الضفة الغربية تدور حول السلطة السياسية، وليس اليهودية. بالنهاية، فإن إنشاء دولة ثنائية القومية ذات أغلبية فلسطينية يعني التفريط بـ”يهودية” البلاد بشكل كبير.

وللحفاظ على قبضتها على الأراضي المحتلة، باع التحالف الديني القومي الإسرائيلي روحه إلى المسيحيين المعادين للسامية: الإنجيليين الأمريكيين. فتحالف نتنياهو مع هذه المجموعة – المؤيدين المتحمسين لاستعمار يهودا والسامرة – هو إهانة للطائفة اليهودية الأمريكية الليبرالية الساحقة والمؤسسة الحاخامية القوية في إسرائيل.

المثال الأخير لبلد في الشرق الأوسط يختار السياسة على الدين هو العراق. فمقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي الناري الذي سبق أن قاد هجمات مميتة ضد القوات الأمريكية، يظهر الآن كأفضل أمل أمريكي لاحتواء النفوذ الإيراني المتزايد في العراق. وقد كسب الصدر في الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا بوعوده بالتخلص من النفوذ الإيراني في العراق. وكان الصدر قام في وقت سابق من هذا العام، بزيارة السعودية والإمارات العربية المتحدة، الدولتين المعاديتين لإيران وهو الآن العقبة الرئيسية بين إيران والعمق الاستراتيجي الذي تسعى إليه في العراق.

الفوضى المتجذرة في الشرق الأوسط تعود إلى حد كبير لعوامل تاريخية من ضمنها ترسيم الحدود بشكل تعسفي إضافة إلى قلة الحكمة والبصيرة لدى القيادة. كما ان الانقسامات الدينية والطائفية لم تساعد. وفي حين ما زال الوضع متوترا ، إلا أن تراجع الدور الديني قد يخلق فرصة للتقدم، مثال ذلك استعداد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتجاهل المتطلبات الدينية في خطواته للتحديث. بعد كل شيء، المصالح الاستراتيجية والأمنية هي دائما أكثر قابلية للإقناع من الدين إلى العقل والدبلوماسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية