«ترامبنومكس» الإمبريالية الأمريكية الجديدة وإعلان الحرب على حرية العمل والتجارة والاقتصاد الأخضر

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

بمقتضى حال الطوارئ التي تسمح له بإدارة السياسة الأمريكية عن طريق إصدار أوامر رئاسية، بعيدا عن سلطة الكونغرس مؤقتا، فإن ترامب يعتبر أن المهاجرين غير الشرعيين غزاة يجب طردهم لا تشغيلهم، وأن الواردات من أوروبا والصين والمكسيك وكندا هي أسلحة معادية تستهدف تدمير الصناعة الأمريكية يجب رفع الجمارك لإقامة سور يحمي المنتجات الأمريكية من شرها، وأن حرائق الساحل الغربي وسيول الساحل الشرقي هي عقاب إلهي بسبب القيود التي فرضتها الإدارة السابقة على التنقيب عن البترول والغاز ما أضر بمصالح شركات النفط، وأن من تعتبره الولايات المتحدة فاشلا في إدارة موارده الطبيعية يجب عليه أن يتنازل عنها لها كما هو الحال بالنسبة لجزيرة غرينلاند التي تريد أمريكا أن تستولي عليها من الدنمارك، وأن خليج المكسيك بكل ما فيه هو مياه أمريكية، وأن قناة بنما ملك للأمريكان.
وطالما أن الرئيس يستطيع أن يعلن حال الطوارئ كيفما يشاء من دون الحصول على موافقة الكونغرس لفترة محدودة، فهو في تلك الحالة يكون السلطة الأخيرة التي تقرر ما يجوز وما لا يجوز في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، حتى تعود الأمور إلى نصابها من خلال الكونغرس والقضاء. هذه هي سياسات «الإمبريالية الأمريكية الجديدة» كما أطلقت عليها مجلة «الإيكونوميست» البريطانية. الأكثر من ذلك أن يصدر الرئيس الأمريكي عملة رقمية تحمل صورته، وأن يفرض أتاوات على العالم بصور مختلفة، تمثل في جانب منها تربحا شخصيا من منصبه، وفي جانب آخر تحقيقا لمصالح الشركات العملاقة في صناعات السلاح والنفط والتكنولوجيا. وتمثل مجموعة السياسات الاقتصادية الجديدة التي بشر بها دونالد ترامب في حملته الانتخابية وبدأ تنفيذها منذ اليوم الأول لرئاسته رحيلا كاملا عن سياسات ومبادئ الحرية الاقتصادية والمنافسة والرفاهية الاجتماعية. وإذا أردنا رسم ملامح رئيسية لسياسة ترامب الاقتصادية أو الـ «ترامبنومكس» فإنها تتلخص في ثلاثة ملامح رئيسية، العداء للمهاجرين، والعداء لحرية التجارة، والعداء للاقتصاد الأخضر.

سيل من القرارات التنفيذية

في أول يوم له في البيت الأبيض، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلة من القرارات التنفيذية التي طالت عدة مجالات حيوية، منها الهجرة والاقتصاد والنفط. على الصعيد الدولي، تضمنت الأوامر رفع العقوبات الاقتصادية والمالية عن قيادات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، بالإضافة إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، وهو الانسحاب الثاني بعد أن كان الرئيس السابق بايدن قد تراجع عن انسحاب المرة الأولى بواسطة ترامب. وفي تصريح مثير، قال ترامب إنه لا يمانع أن تكون السعودية وجهته الخارجية الأولى، مثلما كانت في فترة رئاسته الأولى، بشرط أن تكون مستعدة لدفع مبلغ ضخم للولايات المتحدة يتراوح بين 450 و500 مليار دولار. وقد تلقى ترامب ردا مرحبا من السعودية يفيد اعتزامها تنفيذ صفقات تجارة واستثمار بقيمة 600 مليار دولار خلال أربع سنوات، وهو ما يزيد عن الـ 460 مليار دولار من العقود التي حصل عليها لشركات السلاح الأمريكية وغيرها خلال زيارته الأولى للسعودية عام 2017. وكرر ترامب تهديده بفرض رسوم جمركية باهظة الثمن على دول البريكس، قائلا: «سنفرض رسوما جمركية بنسبة 100 في المئة على الأقل على الأعمال التجارية التي يقومون بها مع الولايات المتحدة»، وهو جزء من خططه الاقتصادية التي من شأنها أن تنقض عقودا من إجماع عالمي على حرية التجارة. وقال ترامب إن الولايات المتحدة سوف تعتبر نفسها مرة أخرى دولة نامية، «دولة تزيد من ثرواتنا، وتوسع أراضينا، وتبني مدننا، وترفع من توقعاتنا، وتحمل علمنا إلى آفاق جديدة وجميلة. وسوف نواصل سعينا إلى تحقيق مصيرنا الواضح في الفضاء بإطلاق رواد الفضاء الأمريكيين لغرس العلم الأمريكي على كوكب المريخ.»
دونالد ترامب، كما قالت مجلة «الإيكونوميست» هو أول رئيس منذ أكثر من مئة عام يدعو إلى إنشاء أراض أمريكية جديدة، ليس فقط على كوكب الأرض بل في كوكب المريخ.

الحرب التجارية

في سلسلة من تغريداته على منصته الخاصة للسوشيال ميديا «الحقيقة» قال ترامب إن التعريفات الجمركية العقابية تتعلق بمكافحة المخدرات ووقف تدفق المهاجرين. لكن ذلك يخفي الهدف الحقيقي منها ألا وهو إعاقة وصول السلع الأجنبية، وزيادة موارد الدخل الفيدرالية بحيث يمكن عن طريق الإيرادات الإضافية تخفيض العجز المزمن في الميزانية الأمريكية، وتخفيض الدين العام الأمريكي الذي وصل إلى 36 تريليون دولار. وأعلن ترامب عزمه على البدء بفرض تعريفة جمركية بنسبة 25 في المئة على كل من كندا والمكسيك تدخل حيز التنفيذ في اعتبارا من كانون الثاني/يناير 2025. كما كتب على منصة «تروث» أو «الحقيقة» أن الواردات من الصين ستواجه تعريفة بنسبة 10 في المئة «فوق أي تعريفات جمركية إضافية». وكان قد تحدث سابقا عن تعريفة بنسبة 60 في المئة على السلع الصينية. وردت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم على ترامب في اليوم التالي لتوليه منصبه رسميا بأنها ستفرض تعريفات جمركية ردا على تلك التي اقترحها.
ويعتبر ترامب أن رفع التعريفات الجمركية شيء جيد يعود على الاقتصاد الأمريكي بالفائدة. وفي عهد إدارته السابقة ارتفع متوسط ​​التعريفات الجمركية على شريحة واسعة من الواردات الصينية من حوالي 4 في المئة إلى 21 في المئة. وظلت هذه التعريفات الجمركية الأعلى دون مساس أثناء إدارة بايدن. كما تم رفع التعريفات الجمركية خلال إدارة بايدن على عدد قليل فقط من فئات المنتجات الضيقة، مثل أشباه الموصلات، وبطاريات الليثيوم أيون، والسيارات الكهربائية. لكن هذه ليست صناعات عادية؛ فهي مهمة استراتيجيًا بما يتجاوز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. وحجم الزيادات في التعريفات كبير. على سبيل المثال، ارتفعت التعريفات الجمركية على أشباه الموصلات الصينية إلى 50 في المئة، وأصبحت التعريفات الجمركية على السيارات الكهربائية ذات المنشأ الصيني 100 في المئة بنهاية فترة رئاسة بايدن.
ردود الفعل الصينية على التعريفات الجمركية في عهد ترامب تقدم درسا لما قد يحدث في الفترة الجديدة. فقد تم حساب التعريفات الجمركية التي فرضتها الصين على الصادرات الأمريكية لتتناسب بشكل عام مع قيمة التعريفات الجمركية الأمريكية، وتجنب دوامة التصعيد، لكنها كانت مكلفة اقتصاديا بالنسبة للولايات المتحدة. عانت الصادرات الزراعية إلى الصين، ما أجبر ترامب على توجيه إعانات بقيمة عشرات الملايين من الدولارات للمزارعين بينما كان يواجه إعادة انتخابه. كان التزام الصين بشراء سلع بقيمة 200 مليار دولار بموجب اتفاق المرحلة الأولى بين الولايات المتحدة والصين أقل مما تم التعهد به، ويظل المزارعون الأمريكيون عُرضة للخطر لأنهم يعتمدون بشكل كبير على الطلب الصيني.

فتح المجال للتنقيب عن النفط

قال ترامب في خطاب تنصيبه يوم 20 من الشهر الحالي: «سأوجه جميع أعضاء حكومتي لحشد الصلاحيات الواسعة المتاحة لهم لهزيمة التضخم القياسي وخفض التكاليف والأسعار بسرعة. لقد نشأت أزمة التضخم نتيجة للإفراط في الإنفاق وارتفاع أسعار الطاقة، ولهذا السبب سأعلن اليوم حالة الطوارئ الوطنية في مجال الطاقة. سوف نحفر الآبار، يا عزيزي، سوف نحفر الآبار.»
وقال: «ستعود أمريكا دولة صناعية مرة أخرى، ولدينا شيء لن تمتلكه أي دولة صناعية أخرى على الإطلاق: أكبر كمية من النفط والغاز في أي دولة على وجه الأرض. وسنستخدمها. إسمحوا لي أن أستخدمها. سنخفض الأسعار، ونملأ احتياطياتنا الاستراتيجية مرة أخرى، حتى السقف ونصدر الطاقة الأمريكية إلى جميع أنحاء العالم. سنصبح دولة غنية مرة أخرى، وهذا الذهب السائل تحت أقدامنا هو الذي سيساعد في القيام بذلك. من خلال أفعالي اليوم، سننهي الصفقة الخضراء الجديدة وسنلغي تفويض المركبات الكهربائية، وننقذ صناعة السيارات لدينا ونحافظ على عهدي المقدس لعمال السيارات الأمريكيين العظماء.»
وأضاف: «بعبارة أخرى، سوف تتمكن من شراء السيارة التي تختارها. وسوف نعيد تصنيع السيارات في أمريكا بمعدل لم يكن أحد ليحلم به قبل بضع سنوات فقط. وشكراً لعمال صناعة السيارات في بلادنا على تصويتكم الملهم بالثقة. لقد حققنا نجاحاً هائلاً بتصويتهم. وسوف أبدأ على الفور في إصلاح نظامنا التجاري لحماية العمال والأسر الأمريكية. وبدلاً من فرض الضرائب على مواطنينا لإثراء بلدان أخرى، سوف نفرض التعريفات الجمركية والضرائب على البلدان الأجنبية لإثراء مواطنينا.»
ونظرا لوجود صعوبات قانونية في استخدام حصيلة الزيادة في الرسوم الجمركية لتمويل العجز في الميزانية فإن ترامب أصدر أمرا بإنشاء «مصلحة الإيرادات الخارجية» تكون مهمتها جمع كافة التعريفات الجمركية والرسوم والإيرادات الخارجية. وقال انه بذلك «سوف تتدفق إلى خزينتنا كميات هائلة من الأموال من مصادر أجنبية. وسوف يعود الحلم الأمريكي قريبا إلى الظهور ويزدهر أكثر من أي وقت مضى لاستعادة الكفاءة والفعالية لحكومتنا الفيدرالية. وسوف تنشئ إدارتي وزارة جديدة تماماً لكفاءة الحكومة.»

العداء لحماية البيئة

تضمنت أولى إجراءات الرئيس ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ والتعهد بالتراجع عن الأوامر التنفيذية وسياسات إدارة بايدن الأخرى. وقد نتج عن ذلك ردود فعل قوية في الولايات المتحدة منها الرد الصادر عن معهد الموارد الطبيعية الأمريكي الذي أصدرته «ديبي ويل» القائم بأعمال مدير المعهد. وجاء في البيان: «في أول يوم له في البيت الأبيض، يحاول الرئيس ترامب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء فيما يتعلق بزعامة أمريكا في مجال الطاقة النظيفة على حساب الشعب الأمريكي وصحته. إذا تحققت هذه الأهداف، فإن تصرفات الرئيس ترامب ستؤدي إلى التضحية بالقدرة التنافسية للولايات المتحدة على المستوى العالمي، ورفع أسعار الطاقة للأسر الأمريكية، وتلويث هوائنا. إن التعهد بإلغاء سياسات المناخ التي خلقت أكثر من 400 ألف وظيفة أمريكية جيدة الأجر لن يضر إلا بالعمال واقتصادنا». وأضافت: «على الرغم من محاولات الرئيس ترامب تحطيم التقدم بشأن تغير المناخ، فإن مجموعة من حكام الولايات ورؤساء البلديات وغيرهم من القادة ملتزمون بالثبات على موقفهم، وسن سياسات منخفضة الكربون تعمل على خفض التكاليف وخلق فرص العمل وبناء مجتمعات أكثر نظافة. ستستمر ثورة الطاقة النظيفة بغض النظر عمن هو في البيت الأبيض».
إن هذا الانقلاب في سياسات الطاقة وحماية البيئة يرجح فرص تراجع الولايات المتحدة وليس تعزيز قيادتها للاقتصاد العالمي. وطبقا لحسابات صحيفة «فايننشال تايمز» فإن قرارات ترامب أدت إلى وقف خطوط تمويل لمشروعات الاقتصاد الأخضر تقدر بأكثر من 300 مليار دولار، وهو ما سيؤدي إلى إثارة حالة اضطراب واسعة النطاق داخل مؤسسات الصناعة والتمويل على السواء، وذلك نظرا لأن المؤسسات الدولية الاقتصادية المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي وصندوق النقد، والمؤسسات الخاصة والحكومات كانت تعتبر أن الاقتصاد الأخضر هو رأس السهم الأقوى لقيادة عملية النمو الاقتصادي الصديق للبيئة في العالم. ولا يبدو أن قرارات ترامب سوف تفيد شركات السيارات الأمريكية التي ستلجأ للعودة إلى التوسع في صناعة السيارات التقليدية التي تعمل بالوقود الإحفوري، وتخفيض سرعة التحول إلى إنتاج السيارات الصديقة للبيئة. ببساطة فإن سياسات «ترامبنومكس» تضع الاقتصاد الأمريكي أمام تحديات أشد، وتهدد بفصله عن الاقتصاد العالمي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية