بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملته الانتخابية الرئاسية الثانية في طريق مليء بالحرائق السياسية التي تقلل فرصه في الفوز، إذا هو فشل في إطفائها بينما هي ترفع حظوظه إذا أخمدها وعبرها سالما. معظم هذه الحرائق أشعلها ترامب بنفسه منذ تولى رئاسة الولايات المتحدة. وعلى مدار الفترة الماضية منذ أن انتقل إلى البيت البيض في يناير/كانون الثاني 2017، فتح ترامب النيران في جبهات عدة في وقت واحد ضد من اعتبرهم خصوم الولايات المتحدة أو أعداءها، خصوصا في أمريكا اللاتينية وآسيا. وعلى أساس استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي أعلنها في نهاية العام الأول من حكمه، فإنه اتخذ قرارات معادية للصين وكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران وروسيا، وحتى ضد حلفائه في كندا والاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي، ما تسبب في خلق أزمات في علاقات الولايات المتحدة بالعالم. وقد أصبحت هذه الأزمات بمثابة الحرائق التي يستعين بها ترامب لكي يشغل ناخبيه بها، في مسرحية استعراضية هزلية تشغل المسرح السياسي العالمي في عام الانتخابات الرئاسية. حملة الانتخابات الرئاسية ما تزال في بداياتها المبكرة، ومن ثم فإن مساحة المناورة السياسية واسعة جدا في الوقت الحاضر، ستضيق أكثر فأكثر، كلما اقترب موعد التصويت في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 .
ومع أن أطراف الأزمات التي صنعها ترامب ليست هي التي ستصوت في الانتخابات الرئاسية له أو ضده، إلا أنها تملك قدرة هائلة على التأثير في قطاعات واسعة من الناخبين وأصحاب المصالح في الولايات المتحدة. وفي سياق الحرائق السياسية التي بدأت مبكرا بعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة، فإن ترامب حتى الآن أثبت أكثر من مرة أنه يقول الشيء وعكسه في آن واحد، وأنه يعتمد في سياسته الخارجية على تغريدات شخصية على موقع تويتر، أكثر مما يعتمد على مؤسسات صنع السياسة، وأنه أحاط نفسه بمجموعة من المتعطشين للحرب وسفك الدماء، وأنه يهدد من أجل إجبار خصمه على التفاوض، لكنه لا يعني أبدا ما يقوله في كلمات أو صرخات التهديد، على غرار صيحة الغضب والنيران التي أطلقها ضد كوريا الشمالية في آب/أغسطس 2017. وعلى الرغم من ذلك فإن قطاعات من الناخبين في الولايات المتحدة، لها ذاكرة الذباب وقوة خيوط العنكبوت، ما تزال تؤمن به وتصدقه وتؤيد انتخابه للرئاسة مرة أخرى. الأهم من ذلك أن قطاعات تشمل شركات السلاح، والبترول والغاز، التي تحقق فوائد جمة من إشعال التوتر في العالم وتغذية النزعات الصراعية.
كوريا الشمالية وسلاحها النووي
كانت الأزمة الكورية نائمة، فأشعلها ترامب بالتهديد بضربها كما لم يحدث في العالم من قبل! الولايات المتحدة تصنف أي دولة في العالم تسعى لامتلاك أسلحة نووية، أو تقوم بتطوير قدراتها النووية “دولة مارقة” تهدد الأمن القومي الأمريكي. لذلك فإن قائمة أعداء الولايات المتحدة تضم كوريا الشمالية، التي أجرت بالفعل أول تفجير نووي معروف عام 2006، ثم تبعت ذلك بسلسلة من التفجيرات النووية في أعوام تالية. ولا يقتصر التهديد الكوري الشمالي، من وجهة النظر الأمريكية، على خطورة امتلاكها لاسلحة نووية فقط، وإنما أيضا بسبب امتلاكها قدرات إطلاق واستخدام الأسلحة النووية ضد الخصم عن طريق الصواريخ الباليستية المتوسطة والبعيدة المدى.
وتخضع كوريا الشمالية، منذ منتصف القرن الماضي، لعقوبات متعددة الأطراف، تصل إلى حد الحظر الكامل للمعدات العسكرية والتكنولوجية والمواد الأولية الحيوية اللازمة للصناعة، والحظر التجاري الشامل، والحظرعلى النقل والسفر والتمويل. وعلى الرغم من بعض المحاولات لاستمالتها عن طريق (سياسة العصا والجزرة) في عهد بيل كلينتون، إلا أن القيادة الكورية الشمالية مضت قدما في برنامجها النووي، باعتباره الضمان الرئيسي ضد مؤامرات إسقاط النظام، وتدمير الدولة في شمال شبه الجزيرة الكورية. وقد كانت فترة حكم جورج بوش الابن كافية لإقناع بيونج يانج بأن امتلاك القوة النووية هو الملاذ الأخير لردع الولايات المتحدة ومنعها من غزو البلاد، وتغيير نظامها السياسي بالقوة. كان دليل الكوريين على ذلك هو سياسة القوة الغاشمة الأمريكية في أفغانستان (2001) ثم في العراق (2003).
وبعد التهديد والوعيد، حاول ترامب استمالة الزعيم الكوري الشمالي الحالي كيم جونج أون، وعقد معه قمتين، الأولى في سنغافورة (حزيران/يونيو 2018)، والثانية في هانوي (شباط/فبراير 2019) ، بغرض نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، في مقابل حصولها علىى مساعدات اقتصادية، لكنه فشل في المحاولتين. وتظهر بيانات صدرت عن القيادة الكورية الشمالية أن كيم جونج- أون أصر على أن تكون “الإجراءات من الطرفين متزامنة”، بمعنى أن يتوقف كيم عن إجراء تجارب نووية جديدة مثلا، في مقابل أن تحصل بلاده على جزء من المساعدات الموعودة. لكن ترامب أصر على أن يرتبط تطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية، بنزع شامل للسلاح النووي الكوري أولا (على غرار التجربة الليبية كما يردد جون بولتون). ثم أضاف ترامب طلبا جديدا بوقف البرنامج الصاروخي في قمة هانوي. فكان رد كيم هو رفض الطلبات الأمريكية، وإعادة التأكيد على أن تكون الإجراءات “متبادلة ومتزامنة لبناء الثقة بين الطرفين”.
وتجري حاليا من وراء الكواليس محاولات لترتيب قمة ثالثة بين الرجلين، من أجل فك جمود الوضع الحالي. المشكلة التي ربما يعجز ترامب عن استيعاب تفاصيلها، هي أن توازن القوى في منطقة الهند الصينية، يميل بقوة لصالح الصين، وأن كيم جونج-أون، يملك دعما استراتيجيا مضمونا من الصين، إضافة إلى روسيا.
حاجز الصين العظيم
الحريق الأعظم الذي يتعين على طرامب إخماده، هو ذلك المتعلق بالصين، والذي يمثل انقلابا في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين خلال السنوات الثلاثين الماضية. فمنذ بدأت الصين ممارسة دبلوماسية “تنس الطاولة” مع اليابان والولايات المتحدة عام 1971، في محاولة منها للانفتاح على العالم، وجد الرئيس الأمريكي نيكسون في هذه الدبلوماسية فرصة لبناء علاقات إيجابية مع الصين، تمهيدا للتوصل إلى صيغة تعالج الموقف الأمريكي من تايوان، وتفتح الباب لانسحاب الولايات المتحدة من فيتنام.
غير أن الصين وفقا لسياسة “أمريكا أولا” أصبحت هي العدو الرئيسي للولايات المتحدة. وروج ترامب بين الناخبين الأمريكيين أن الصين تسرق التكنولوجيا الأمريكية وتستخدمها في تصنيع منتجات تقوم بتصديرها، وتحصل على فائض تجاري ضخم. واتهم الصادرات الصينية بأنها أحد أسباب البطالة، مثلها مثل المهاجرين من دول أمريكا اللاتينية، وأن الفائض التجاري الذي تحققه، هو أحد أهم أسباب العجز المالي والتجاري للولايات المتحدة. ومن ثم، فإنه برر مبكرا فرض رسوم تجارية انتقامية على واردات الولايات المتحدة من الصين. بدأ بالغسالات وألواح الطاقة الشمسية، وانتهى بأشباه الموصلات والرقائق الإليكترونية وأنظمة الاتصالات والمنتجات التكنولوجية ومقاطعة الشركات الصينية الرائدة. وهو يلوح الآن بفرض رسوم انتقامية على ما تبقى من الواردات الأمريكية من الصين. كما أنه قام بتوسيع نطاق الحرب إلى مجالات غير تجارية تشمل التكنولوجيا والبعثات العلمية والدراسية وبرامج التبادل الثقافي وسباق التسلح.
الصين لم تقف مكتوفة الأيدي، وإنما ردت بما يوجه رسالة قوية إلى واشنطن، مفادها أن “الصين لن تتهاون في حماية مصالحها”. ومما لا شك فيه أن رفع أسوار الحماية التجارية يترك أثارا سلبية على العالم ككل، ويهدد في الوقت الحالي بحدوث كساد عالمي. ومن ثم فإن الاقتصادين الأمريكي والصيني، وهما أكبر اقتصادين في العالم (يمثلان وحدهما ما يقرب من نصف السوق العالمية)، يتحملان مسؤولية كبرى في العبور بالاقتصاد العالمي إلى بر الأمان.
وقد تعمدت الصين ضرب مصالح القاعدة الانتخابية المؤيدة لترامب في أوساط المزارعين، وشركات النفط والغاز. وتعتبر السوق الصينية من أهم وأكبر أسواق الصادرات الزراعية الأمريكية، خصوصا فول الصويا والذرة واللحوم والنبيذ. وقد استهدفت الصين هذه السلع، مما أدى إلى خسائر كبيرة في القطاع الزراعي الأمريكي، أضطر على أثرها ترامب إلى وضع برنامج بمليارات الدولارات لتعويض المزارعين. كذلك فإن قرار الصين بفرض رسوم جمركية انتقامية على النفط والغاز المستورد من الولايات المتحدة، أدى إلى تضرر الشركات الأمريكية التي خسرت حصة في أكبر أسواق الدول المستوردة للنفط في العالم.
ومثلما هو الحال في المواجهة مع خصومه بشكل عام، فإن الخطاب السياسي الذي يتبناه ترامب تجاه الصين، يتراوح بين التهديد وبين الوعود. التهديد بفرض رسوم انتقامية على ما يقرب من 300 مليار دولار من الواردات الأمريكية من الصين، بالإضافة إلى الرسوم الحالية المفروضة على ما قيمته 250 مليار دولار حاليا، والوعود بتخفيف القيود التجارية والتكنولوجية إذا تعهدت الصين باستيراد كميات كبيرة من السلع الأمريكية، لمساعدة الولايات المتحدة على تقليل عجزها التجاري.