لن يُسلِّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسهولة بنتائج صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن الذي مالت دفة أصوات الناخبين إليه. سيكتبُ التاريخ مستقبلاً عن انتخابات الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، وعن الدور الذي لعبه “التصويت البريدي” وحفَّزه الديمقراطيون في زمن وباء كورونا. وسيظهر لاحقاً ما إذا كان “التصويت البريدي” استخدم كوسيلة لإطاحة غير مشروعة بدونالد ترامب خارج إطار اللعبة الديمقراطية وأساليبها القانونية.
يقول الجمهوريون إن المشكلة ليست في مبدأ “التصويت الغيابي” المعتمد في القانون الانتخابي، ذلك أنه يحصل بناء على طلب الناخب الذي تمنعه ظروف ما من الذهاب إلى الاقتراع المباشر، فيتم إرسال ورقة الانتخاب مدوناً عليها اسمه ورقمه إلى عنوانه المحدَّد، وعليه إعادتها موقَّعة ومختومة وما إلى ذلك من تدابير تقلّص من احتمال التلاعب بالانتخابات. المشكلة أن أوراق “التصويت البريدي” الذي أقرَّته الولايات المتنازع عليها، جرى توزيعها عشوائياً من قبل مجموعات الحزب الديمقراطي على المنازل، وجرى إعادة جمعها لاحقاً، وليس موثوقاً كيف وصلت وما حصل خلال هذه العملية برمتها، فضلاً عن أن إجازة الولايات المتأرجحة استقبال البريد لما بعد انتهاء التصويت في يوم “الثلاثاء الكبير” في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وبدء عمليات الفرز وتبيان مسار النتائج، يفتح المجال أمام توجيه العملية الانتخابية في اتجاه مُغاير. وهذا ما وصفه ترامب بـ”سرقة الانتخابات” حيث إن النتائج في ولايات (بنسلفانيا، وميشيغن، ونيفادا، ونورث كارولينا، وجورجيا) كانت، مع فرز التصويت المباشر المبكر وفي يوم الانتخاب، لصالحه قبل أن تنعكس مع فرز أوراق “التصويت البريدي”.
في رأي هؤلاء أن هذه مسائل ذات بعد قانوني، ومعالجتها لا بد من أن تسلك هذا المسار، بمعنى أن القضية ما عادت مرتبطة بنتائج التصويت الإجمالي. الطعن في نهاية المطاف سيصل إلى المحكمة العليا لتقرّر هي ما يمكن أن ينطبق على الأصوات القانونية والأصوات غير القانونية. وهذا سيأخذ أسابيع عدة بانتظار أن تصادق الولايات على النتائج لتبدأ عملية الطعن القانونية، والتي ستتدرّج صعوداً وصولاً إلى المحكمة العليا.
ما يؤكده الجمهوريون أن ترامب سيقاتل بشراسة عبر جيش من المحامين، لكنه بالتأكيد سيمتثل لقرار المحكمة العليا. فإذا لم يأتِ الحكم لصالحه، سيقرّ بهزيمته وسيسلّم الرئاسة إلى بايدن. وتكون الدعوى قد دفعت لاتخاذ الإجراءات والقيود حول “التصويت البريدي” مستقبلاً بعدما أصبح سلاحاً مؤثراً بقوة في العملية الانتخابية. هؤلاء يجزمون أن “السيناريوهات” حول احتمال تمرّد ترامب ليست واردة لأن الرجل يعلم علم اليقين أن الحزب والشارع سيرتدان عليه.
ما هو أكيد أن انتخابات 2020 أثبتت وجود “الحالة الترامبية” وتمددها في المجتمع الأمريكي، وإنْ كان من غير الواضح كيف ستتأطر لاحقاً، وكيف ستنعكس على الحزب المحافظ، الذي لن يمكنه تجاهلها ولا القفز فوقها، بل عليه التوقف ملياً عند عناصر القوّة فيها والإفادة منها وتوظيفها للحفاظ على تلك الكتلة الكبيرة التي جذبها الرجل وطبع مزاجها واستحوذ عليها.
على أن أسئلة فعلية بدأت تُطرح بعيداً عن غبار الانتخابات، وتتعلق بمآلات السياسة الأمريكية وانعكاساتها على الملفات الساخنة العالقة، بدءاً من العلاقة مع الصين إلى العلاقة مع أوروبا وروسيا، إلى الملف النووي الإيراني، ومنطقة الشرق الأوسط، وعملية السلام مع إسرائيل.
لا شك أن بايدن الذي شغل لنحو نصف قرن مناصب عدة يختلف في لغته وقيمه عن ترامب. هو يلبس لباس رجل دولة، دبلوماسي، ومحنك. ستغيب معه المقاربات الفجّة والجارحة والمادية للمسائل السياسية من حيث الشكل وحتى لو كانت متقاربة في المضمون، ولكن سيبقى ظل ترامب مخيماً على “البيت الأبيض” في كل خطوة يخطوها داخلياً وخارجياً. لن يختفيَ ترامب كما تصبح حالة الرؤساء السابقين، سيبقى حاضراً في القضايا الداخلية التي ترخي بثقلها على الإدارة الجديدة، من أزمة كورونا إلى الأزمة الاقتصادية، وفي القضايا الخارجية التي ستُعيد خلط الأوراق لدى حلفاء أمريكا وخصومها.
وخلط الأوراق المحتمل بقوة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، يحمل في طياته مخاوف راهنة. ثمة توقعات أن ينعكس انشغال فريق ترامب بـ”أزمة الانتخابات” شللاً في الإدارة الحالية، لكن توقعات أخرى تذهب إلى احتمال أن تنحو هذه الإدارة، التي تستمر بمهامها للشهرين المقبلين لفرض وقائع على الأرض، وأن ينحو حلفاؤها، ولا سيما بنيامين نتنياهو، إلى “مغامرة ما” في الفترة الفاصلة عن الاستلام والتسليم بين الإدارتين. فما حققه في زمن الرئيس الحالي، ولا سيما في ما خص بنود “خطة السلام” قد لا يعود متوفراً مع الرئيس المقبل، تماماً كما هي الحال في الملف الإيراني، حيث إن الرئيس الديموقراطي سيعود بعد حين إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي الذي خرج منه سلفه، وترتيب أوراقه من جديد مع الإيرانيين وما يتعلق بنفوذهم في المنطقة التي تمددوا فيها يوم كان هو نائباً للرئيس في “البيت الأبيض”. وقد يلجأ الإيرانيون إلى الإفادة من الوقت الضائع لتعزيز موقعهم. وسيكون على الجميع، كذلك، انتظار كيف سيتعامل مع مشروع “الإسلام السياسي” الذي انتعش في زمن باراك أوباما وتحالف معه وشكل أساساً في استراتيجيته حيال المنطقة التي شهدت “ربيعاً عربياً” لم يُزهر كما كان مخططاً له أو مرجواً منه.
شغل ترامب الدنيا والناس. طبع حقبة من تاريخ أمريكا والعالم، وترك بصمات فيها ستبقى لفترة ليست بقصيرة، ذلك أن آثارها ونتائجها وتداعياتها لن تنتهيَ بسرعة.