مرة أخرى استطاع الرئيس دونالد ترامب حرف الانتباه عن المشاكل القانونية التي تلاحقه بسبب تعاملاته التجارية ونقله المعركة بينه وبين النواب الديمقراطيين ولومهم على الإغلاق الجزئي للمؤسسات الفدرالية، بعد فشل الكونغرس الموافقة على الاتفاق على ميزانية 5 مليارات دولار لبناء جداره مع المكسيك.
وفي تغريدة وفيديو مصور تحدث ترامب عن إغلاق طويل، في وقت تراجعت فيه التعاملات في الأسواق الأمريكية. وجاءت التطورات على خلفية الجدل الذي أحدثه الرئيس دونالد ترامب يوم الاربعاء عندما قرر سحب القوات الأمريكية-ألفي جندي-من سوريا وما تبع ذلك من استقالة وزير دفاعه، جيمس ماتيس الذي اعتبر القرار متعجلا، مع أن استقالة ماتيس كانت جاهزة على الطاولة منذ إلغاء الرئيس ترامب المناورات الأمريكية مع كوريا الجنوبية.
والقارئ لرسالة ماتيس التي أرسلها يوم الخميس يلمس خلافات في الرأي ليس حول سوريا ولكن طريقة معاملة الرئيس لحلفاء أمريكا التقليديين في الشرق الأوسط وخروجه من الاتفاقيات الدولية والتزامات الولايات المتحدة تجاه العالم. وكان ماتيس واضحا في رسالته حين قال أن الرئيس في حاجة لوزير دفاع يتفق وينفذ أراءه وهو ما لم يرده ماتيس الذي ظل يحمل مرارة من باراك أوباما الذي عزله من القيادة المركزية بسبب تأكيده على الخطر الإيراني، فيما كان الرئيس يحضر في حينه للتفاوض مع طهران بشأن مشروعها النووي.
آخر الرجال
وبخروج ماتيس من البيت الأبيض يخرج كل “الرجال الناضجين” أو “الرجل الكبير” ممن رافقوا ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل عامين. وجاءت استقالته بعد خروج رئيس طاقم البيت الأبيض واستقالة وزير الداخلية وهجوم ترامب على وزيرة الأمن الداخلي بسبب فشلها في وقف المهاجرين الذين أرسل إليهم حرس الحدود والجيش لمنع ما أطلق عليه قافلة المهاجرين الزاحفين نحو الولايات المتحدة. وأصبحت طريقة ترامب واضحة في الحكم حيث يطلق ما يريد عبر تغريدات ثم يترك للعاملين معه إدارة الأزمة. ففي حالة الانسحاب من سوريا لم يعرف وزير الدفاع بالأمر ولا رئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد إلا عندما قال الرئيس صباح الأربعاء أن تنظيم “الدولة” قد هزم وهو السبب الوحيد الذي كان وراء وجود القوات الأمريكية في سوريا في ظل إدارة ترامب. واكتسب القرار بعدا مثيرا للجدل، لأن تنظيم “الدولة” لم يهزم كما يشير الواقع في سوريا ولأنه يعتبر خيانة للحلفاء الأكراد الذين استخدمتهم الولايات المتحدة كرأس حربة في معاركها ضد التنظيم. واكتسب القرار بعدا جديدا بعد مكالمة الرئيس مع رئيس تركيا رجب طيب اردوغان يوم الجمعة الماضية والتي كانت على ما يبدو وراء قرار الرئيس. وما تبع ذلك من ترحيب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالانسحاب وقوله انه “قرار صائب”. ونظر للترحيب الروسي باعتباره هدية السنة الجديدة لموسكو ودمشق وطهران من ترامب بالإضافة للجائزة الكبرى لأنقرة التي كانت تهدد بضرب المقاتلين الأكراد ودفنهم في الخنادق التي حفروها كما تحدث رئيس هيئة الأركان التركي.
ملاحقات
والحقيقة أن القرار السوري وتقارير الصحافة الأمريكية عن تخفيض كبير في عدد القوات الأمريكية في أفغانستان حرفا النقاش عن أسبوع حافل من الحديث عن تقرير المحقق روبرت موللر الذي يحقق في التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة عام 2016 لصالح المرشح الجمهوري، أي ترامب نفسه. وما صدر عن الكونغرس هذا الأسبوع من تقرير يشير للطريقة التي استهدفت فيها الحرب الالكترونية الروسية الناخب الأمريكي ودفعته لانتخاب ترامب أو منعه من الانتخابات كما في حال الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي التي وجهت إلى الناخبين السود. وطغت قرارات الرئيس الأخيرة على سجن محامي الرئيس السابق مايكل كوهين الذي دفع لامرأتين أقام ترامب معهما علاقة جنسية مقابل سكوتهما حتى لا تتأثر حملة الرئيس. واعترف كوهين أنه دفع المال بتوجيه من المرشح الجمهوري في حينه. بالإضافة لتحقيقات تجري في ولاية نيويورك تتعلق بتعاملات مالية وقرار الرئيس إغلاق جمعية خيرية بسبب مخالفات مالية. وبدا وكأن الرئيس يحضر لعام جديد تلاحقه القضايا القانونية ومن هنا جاءت قراراته في السياسة الخارجية والتي تتساوق مع مواقفه السابقة كوسيلة للهروب ومنح نفسه مساحة للمناورة في ظل فضاء سياسي متغير في الكونغرس بعد فوز الديمقراطي بغالبية مقاعد مجلس النواب والأزمة التي أحدثها ترامب مع النواب والشيوخ بوقوفه مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي وافق مجلس الشيوخ بالإجماع على أنه المسؤول عن جريمة مقتل جمال خاشقجي، بالإضافة لتصويت المجلس على وقف الدعم العسكري الأمريكي للحرب السعودية في اليمن.
المراحل
وتعكس حالة الفوضى التي خلقها ترامب الطريقة التي بات يدير فيها الحكم بشكل باتت تؤثر حتى على حلفائه من الجمهوريين. وهو ما برز من ردود أفعال المتحمسين له في مجلس الشيوخ ردا على استقالة ماتيس باعتباره “آخر الرجال الطيبين”. ويرى جيفري غولدبيرغ في مجلة “ذا اتلانتك” (21/12/2018) حيث التقى ماتيس الذي تقاعد للكتابة والتدريس في جامعة ستانفورد. وكان لا يزال يحمل مرارة من قرار أوباما عزله عن القيادة المركزية. ولم يكن ماتيس معجبا بما ورد في محاورات غولدبيرغ مع أوباما التي انتقد فيها حلفاء أمريكا بأنهم يحبون الاستفادة منها والركوب المجاني. وعلق ماتيس أنه اعتقد للوهلة الأولى أن ما جاء من تعليقات في محاورة غولدبيرغ الطويلة مع أوباما هي لترامب وليست للرئيس السابق من ناحية تشابه المواقف. ويعتقد غولدبيرغ أن ماتيس كان يعرف منذ البداية عيوب الرئيس ترامب الأيديولوجية والشخصانية وأنه وافق للعمل معه باعتبار الواجب الوطني لا أكثر. ويشير غولدبيرغ إلى أن ماتيس كانت لديه خلافاته في السياسة مع الرئيس لكن نقده كان مبدئيا من ناحية لا أخلاقية الرئيس في معاملة الحلفاء وعدم فهمه لطبيعة الأنظمة الديكتاتورية التي تعتبر عدوة للديمقراطية. وعمل ماتيس بناء على وهم قدرته على تغيير تفكير الرئيس أو طرقه السخيفة لكنه فشل على ما يبدو. ويعتقد الكاتب أن رحيل ماتيس يعني أن الولايات المتحدة تدخل المرحلة الثالثة من السياسة الخارجية في عهد ترامب. ففي العام الأول كان مهتما بالشؤون الداخلية ولم يخرب على الدبلوماسيين وصناع السياسة بمواقفه التي لا معنى لها. أما العام الثاني أصبح وبطريقة مدمرة مشاركا في السياسة الخارجية لكنه كان يستمع في بعض الأحيان لإدارته التي كان يعمل فيها عدد من الخبراء الحقيقيين في السياسة الخارجية. ونحن ندخل الآن المرحلة الثالثة التي يعيش فيها ترامب حالة حصار ولكنه يؤمن أكثر من أي وقت مضى بعصمة معتقداته. وهذه المرحلة الأخطر حسب الكاتب.
فترامب عاد كما يقول بيتر بيومنت في “الغارديان” (21/12/2018) لإدارة الحكم ليس كصانع سياسات ولكن منتج غضب. ويعتقد أن قرار الجنرال المتقاعد بأربع نجوم مغادرة البيت الأبيض كان محلا للاهتمام وأعطى صورة عن الفوضى العارمة في إدارة ترامب. وهذا الوضع يناسب الرئيس مثل حملته الانتخابية التي قامت على صناعة البهرجة اليومية والفضائح وحرف الانتباه وخلق حالة من الاستقطاب. والهدف من كل هذا هو استجداء عواطف الأنصار والنقاد وتأكيد تحيزاتهم ضد بعضهم البعض. ومن هنا يفهم قرار سحب القوات من سوريا، لا لأن تنظيم “الدولة” قد انتهى بل محاولة للتحايل على الأزمة التي تلاحقه في الداخل والخارج. وقد يؤدي قراره إلى حرف موازين القوة في سوريا وأفغانستان. فقد اعتقد ماتيس أن وجود الأمريكيين ضروري لملاحقة الإرهابيين وكورقة نفوذ في المفاوضات إلا أن الرئيس ينظر إلى الحرب بطريقة “أضرب وأهرب” تاركا مهمة التنظيف للآخرين.
عقيدة
فهو على خلاف الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الأول الذي لا يقيم اعتبارا للنظام الدولي الذي خلقته ورعته أمريكا والقائم على التعددية وحكم القانون والديمقراطية. وهو الأول الذي لا يعجبه الديمقراطيين بل الطغاة والديكتاتوريين. وكتب ماتيس في رسالة استقالته عن جهود الصين لإعادة تشكيل العالم بحيث يتواءم مع النظام الشمولي، وعندما يتردد ترامب عن مواجهتهما فإنه بالضرورة يؤكد على شرعية ما تعملان. وكلام ماتيس توبيخ واضح لرئيس نرجسي كذاب بأخلاق المافيا ويفهم الحكم بأنه نابع من الأقلية-أي أنصاره، وليس للجميع. وعلى العموم ففي عالم ترامب المحاصر يبدو أكثر تقلبا وربما في لحظة ما افتقد كل الكبار الذي خدموه ولهذا السبب لا يجد من يخدم معه لكثرة الداخلين والخارجين من الخدمة في البيت الأبيض، فمنذ وصوله غير ثلاثة مستشارين للأمن القومي ووزيري خارجية ومديرين لطاقمه في البيت الأبيض والقائمة تطول. فقد أضفى وجود ماتيس نوعا من الطمأنينة لحلفاء أمريكا خاصة أنه قاوم نزعات ترامب من مثل طلبه اغتيال الرئيس بشار الأسد. وترى لارا سيلغمان في “فورين بوليسي” (21/12/2018) أن خروج ماتيس يعني زيادة في القرارات المتهورة التي قد تنفر الحلفاء مثل احتمال سحب القوات من كوريا الجنوبية أو الخروج ومن طرف واحد من حلف الناتو. وتقول سيلغمان أن ماتيس كان يفكر بالخروج من الإدارة بسبب خلافاته مع الرئيس بشأن كوريا الجنوبية والخروج من الاتفاقية النووية مع إيران والخلاف حول من يخلف دانفورد كرئيس لهيئة الأركان المشتركة. وأحيانا طفت الخلافات على السطح كما في تصريحات ترامب في تشرين الأول (أكتوبر) وقبل صدور كتاب بوب وودورد عن البيت الأبيض، حيث اقترح الرئيس لبرنامج تلفزيوني أن ماتيس “ربما كان ديمقراطيا” من الحزب الديمقراطي وألمح إلى إمكانية عزلة ولكن ماتيس خرج في النهاية طوعا وليس بالإكراه كما قال مسؤول في الإدارة.
ويرى هنري أولسون في “واشنطن بوست” (21/12/2018) أن الرئيس لم يكن راضيا عن سياسة ماتيس والكونغرس المتعلقة بالسياسة الخارجية القائمة على الإجماع. ومن هنا جاء إعلان خروج القوات من سوريا. وسيجد المحافظون أنفسهم أمام نزاع بين دعمهم للرئيس وولائهم للإجماع. ويرى الكاتب أن مواقف ترامب من الدور الأمريكي في الخارج ليست جديدة بل ومعروفة منذ الثمانينيات من القرن الماضي ويبدو أنه الآن جاهز للتحرك بناء على معتقداته والتخلي عن التزامات أمريكا. فهو وإن خرج عن معتقدات المحافظة الجديدة إلا أن مواقفه تعود إلى سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، ففي ذلك الحين كان الحزب الجمهوري يدعم فرض قيود على الهجرة وفرض تعريفات جمركية وعزل أمريكا عن النزاعات الخارجية. ومن هنا فانحراف ترامب عن هذه الأمور الثلاثة في النقاش الحالي هي بمثابة عودة للأرثوذكسية القديمة. ففي لقاء نشرت تفاصيله صحيفة “نيويورك تايمز” عقده ترامب مع ماتيس وكبار قادته في مكان آمن في البيت الأبيض يعرف بـ “ذا تانك/المخزن” وقدموا فيه صورة عن تحالفات أمريكا والتزاماتها وبعد أن أنهوا كلامهم علق ترامب “هذا بالضبط ما لا أريده”. وقد تتفق القاعدة المحافظة والطبقة العاملة مع ترامب، فبعد مهزلة العراق والحرب الطويلة في أفغانستان وتريلونات الدولارات وآلاف القتلى يشعر الأمريكيون بالتعب. والكاتب لا يتفق مع موقف ترامب من سوريا ليس من ناحية صوابه ولكن لأن روسيا هناك ولا أحد من حلفاء أمريكا يريد المواجهة معها. ويعتقد أن كل التحالفات التي بنتها أمريكا فيما بعد الحرب العالمية الثانية كانت لحماية نفسها من التهديد السوفييتي، وبعد انهيار هذا التهديد لم تعد لهذه التحالفات ضرورة. واليوم نعيش في زمن مختلف، فالقوة الاقتصادية الأمريكية تراجعت بصعود الصين والحلفاء الذين اعتمدوا على أمريكا أصبحوا أغنى وأقوى وعليهم عمل المزيد كما يطالب ترامب. صحيح أن الكثير من مشاكل العالم في حاجة للقوة الأمريكية لكن ليس كلها. وفي سياق هذا فالأسئلة التي يطرحها ترامب حقيقية. فهل هذه تعبير عن عقيدة أم مجرد أسئلة؟