توقعات ضربة ضد المنشآت النووية الإيرانية
واشنطن-“القدس العربي”:سأل الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، مستشاريه في اجتماع عُقد في البيت الأبيض في الشهر الماضي عن إمكانية قصف إيران، ورفض فريق الأمن القومي الفكرة، ولكن الحدث أشار إلى اتجاه السياسة العدوانية لترامب في الأسابيع الأخيرة من حكمه في المنطقة، كما أكد على أن سياسة واشنطن الشاملة قد وصلت إلى طريق مسدود كارثي.
وتحدثت وسائل الإعلام الأمريكية في الأيام الأخيرة عن رغبة ترامب في ترك حروب جديدة للرئيس المنتخب جو بايدن، وفي لغة أقل عدوانية، أشارت منصات أخبارية إلى رغبة ترامب في ترك حقل كبير من الألغام لخليفته في المنطقة، فيما وصف خبراء سياسة ترامب بأنه تعمد على إلقاء الحبوب السامة في مياه الشرق الأوسط، وهناك شعور سائد في واشنطن والعالم بأن ترامب يريد إشعال أكبر قدر ممكن من الحرائق بحيث يجد بايدن صعوبة في إخمادها جميعها.
وتصاعدت المخاوف من انفجار منطقة الشرق الأوسط في الأسابيع القليلة المقبلة مع عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، وأعرب قادة الكونغرس بدورهم عن قلق إزاء ضربات أمريكية أو إسرائيلية محتملة في الفترة المقبلة.
ومن المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتوجيه ضربة صاروخية عسكرية ضد المفاعل النووي الإيراني في نطنز، وقد ورد قبل أسبوعين أن ترامب يفكر في توجيه ضربة إلى الموقع النووي الإيراني الرئيسي، وصدرت توجيهات لجيش الاحتلال الإسرائيلي بالاستعداد لمواجهة ضربة كبيرة مقبلة.
وتنسجم هذه الرغبة المقيتة، التي غذتها خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية، مع تركيز السياسة الخارجية لإدارة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، على مدى الأربع سنوات الماضية، على تحقيق مصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث ضاعفت واشنطن جهودها في الدفع باتجاه اتفاقيات التطبيع وتقديم الاعترافات السياسية غير القانونية، ولأن إيران هي الدولة الوحيدة المتبقية في الشرق الأوسط، التي يمكن أن تهدد في المستقبل مصالح الاحتلال وبالتالي الولايات المتحدة، فقد ركزت الإدارة جهودها في الأسابيع الأخيرة على هدفها الأول، وهو القضاء على النظام الإيراني.
وقال محللون أمريكيون إن تركيز ترامب الآن يدور حول القيام بأي أعمال من شأنها منع بايدن من العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، بما يحقق المصلحة الإسرائيلية، والطريقة الأمثل لعمل ذلك، هي ما تقوم به إدارة ترامب بشكل محموم: شن صراع مع إيران.
وإذا قرر ترامب توجيه ضربة كبيرة لإيران بعيداً عن نصائح الفريق القومي، فإن هناك احتمالات ضعيفة بأن يتمكن الكونغرس من وقفه، إذ يمكنه استخدام القوة العسكرية تحت الكثير من الحجج، كما أن وزارة الدفاع الأمريكية في وضع إداري مضطرب لا يسمح بإجراء مناقشات.
وكان من الواضح، أن رغبة ترامب في أيامه الأخيرة لحل الأزمة الخليجية بلهفة قد جاءت لتلبية خطوة إضافية في مسلسل سياسة “الضغط الأقصى” والتي تتمثل في منع طهران من الحصول على أي موارد مالية تجنيها من السماح للطائرات القطرية عبر المرور في الإجواء الإيرانية بعد أن فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً لا يستند على أي منطق ضد قطر.
النظام الإيراني لم ينهر، وما زالت الميليشيات تطلق الصواريخ على السفارة الأمريكية في بغداد، وإلغاء الاتفاق النووي مع إيران واغتيال العلماء لم يجلب سوى المزيد من التصميم والإدارة في طهران لتكثيف برنامج تخصيب اليورانيوم.
فريق الأمن القومي في البيت الأبيض أبلغ رئيسه المهزوم بأن ضرب إيران سيعني بالتاكيد حرباً إقليمية في الأيام الأخيرة من حكمه، وللمفارقة فقد كانت سياسة ترامب الواضحة مخالفة تماماً لأكاذيبه المستمرة بشأن “انسحاب الولايات المتحدة من الحروب التي لا نهاية لها” والتحرش بإيران سيعني “حرباً جديدة أخرى لا نهاية لها، ولكن ليس لأمريكا فقط وإنما لكيان الاحتلال الإسرائيلي” الذي يلعب في المنطقة، ولكن بقواعد بعيدة المدى، من أهمها الضرب في “التوقيت المناسب”.
مخاوف في العراق
وهناك مخاوف في بغداد من اندلاع مواجهة في اللحظة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية، حيث يتعرض رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لضغوط من المسؤولين الأمريكيين لتصعيد حملة حكومته على الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، والتي استهدفت صواريخها مراراً مواقع عسكرية أمريكية، وأبلغ ترامب العديد من مستشاريه أنه مستعد الآن لإصدار أوامر برد مدمر إذا قُتل أي أمريكي في الهجمات المنسوبة لإيران.
ومع تصاعد التوترات هناك مخاوف من أن الأعمال الاستفزازية من قبل أي من الجانبين يمكن أن تؤدي إلى صراع غير مقصود، ووفقاً لما قاله العديد من المحللين الأمريكيين، فإن “الحل السحري” في بغداد هو إغماض العينين حتى تمر الأسابيع المتبقية من ولاية ترامب بدون مشاكل، ولكن هذه الخطة الأمنية قد لا تتحقق بعد مقتل العالم النووي الإيراني، والهجمات المتوقعة.
وقد أطلقت الميليشيات صواريخ باتجاه السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، ولكنها لم تسفر عن وقوع أي ضحايا، وقد أظهرت هذه الغارة أن هناك خلافات في معسكر الميليشيات، وهناك مخاوف من هجمات فردية منعزلة.
ولا تزال خطة إغلاق السفارة الأمريكية ممكنة ما لم يتم كبح الميليشيات في ظل إدارة ترامب، وقد صدرت تعليمات للمسؤولين للتحضير لسيناريوهات مختلفة.
وقال ترامب مراراً إن مقتل أي أمريكي في العراق هو خط أحمر من شأنه أن يدفع إلى انتقام فوري و”ساحق” وتحدثت وسائل الإعلام الأمريكية عن مناقشات بشأن الإجراءات المحتملة ضد إيران، وفي الواقع، تدرك الفصائل المسلحة في العراق هذه الحقيقة، وقد طلبت وقف أي تصعيد للهجمات على أهداف أمريكية قبل مغادرة ترامب لمنصبه.
وبالنسبة للفصائل المسلحة في العراق، بما في ذلك المدعومة من إيران، فإن سياسة “ضبط النفس” هي أفضل سياسة الآن، وليس هناك مصلحة في تفجير الوضع وسط محاولات إدارة ترامب تخفيض عدد قواتها في البلاد، ولكن الانقسامات داخل معسكر الميليشيات قد تعقد الأمور.
ومن المرجح ان يؤدي مقتل العالم النووي الإيراني إلى تعقيد أي محاولات من قبل الرئيس المنتخب جو بايدن لإنقاذ العلاقات مع طهران بمجرد توليه منصبه، وفقاً لنائب رئيس مركز أبحاث مناهض للتدخل، حيث قال تريتا بارسي من معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول إن التوقيت سيكون فعالاً للغاية في تقويض الأجواء وآفاق الدبلوماسية.
وأضاف بارسي أن خبراء السياسة الخارجية الإيرانية في حالة من الانقسام بشأن مرحلة الانتخابات، إذ يدعو البعض إلى ضبط النفس في حين قال نقاد إن سياسة ضبط النفس لم تجلب في الماضي سوى العديد من الهجمات.
وأكد محللون أمريكيون أن تصرفات ترامب تجاه إيران لن تخدم سوى توجهات رئيس وزراء كيان الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى حرب ضد إيران، وقالوا إن قامت إيران بشن هجمات انتقامية فإن آفاق الدبلوماسية ستضرر بشكل كبير.
وأشار المحللون إلى أن اتفاقيات التطبيع التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين كيان الاحتلال والإمارات والبحرين (خصوم إيران) ستزيد الأمور تعقيداً.
ويتنامى الخوف من أن ترامب قد يهاجم إيران في الأيام الأخيرة من رئاسته، وهناك مخاوف من أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تنفجر في الأسابيع المقبلة، وقال مشرعون أمريكيون أن الكونغرس يشعر بالقلق إزاء ضربة أمريكية أو إسرائيلية محتملة لإيران في هذه المرحلة.
سياسة ترامب تجاه إيران في الايام الأخيرة من ولايته سمتها التصعيد إلى أقصى حد ممكن، وهناك مخطط معلن عن توجيه سلسلة من العقوبات الأسبوعية، ضد إيران، ويقود وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حملة “الضغط الأقصى” وتكثيف العقوبات على طهران إلى درجة يصعب على إدارة بايدن التراجع عنها.
ومن المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتوجيه ضربة صاروخية عسكرية ضد المفاعل النووي الإيراني في نطنز.
انحياز ترامب لكيان الاحتلال الإسرائيلي والدول العربية المستبدة، بما في ذلك السعودية التي قامت بقتل الصحافي جمال خاشقجي بطريقة وحشية وما زالت تقتل المئات من المدنيين اليمنيين في حرب فاشلة، لا يزال يمثل العنوان الأبرز لسياسة إدارة ترامب في الأسابيع الأخيرة.
ويعلم الإسرائيليون جيداً أن احتمال توجيه إدارة الرئيس المنتخب بايدن ضربة ضد إيران هو ضعيف جداً، ولذلك تنصب جهودهم على استغلال الأسابيع القليلة المتبقية من ولاية ترامب في توجيه ضربات ضد طهران، وهم يعتمدون في الوقت الحاضر على رجلهم في البيت الأبيض جاريد كوشنر و”الرجل المطيع” مايك بومبيو.
وفي الواقع، لن تنفذ إدارة ترامب أي ضربة ضد إيران إلا بترتيب من الإسرائيليين أنفسهم، ولذلك فإن كل خطوة ستكون مدروسة بطريقة تتعرض فيها طهران لضربات مؤلمة ولكن بدون رد يؤثر على كيان الاحتلال.