ترامب: نحتاج إلى محور آخر في الشرق الأوسط.. “محور الدول المذعورة” 

حجم الخط
2

بأقوال الهراء وبغطرسة، نجح ترامب في إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الخطاب الدولي، واستلال قطاع غزة من درج “حالات الكارثة الإنسانية”، وتحويلها إلى “رمز” للصمود الوطني، وبناء وحدة عربية حولها، التي لم تهدف فقط إلى الدفاع عن الفلسطينيين هذه المرة، بل بالأساس الدول العربية المهددة بغزو “المشكلة” لأراضيها. 

إذا تم تصنيف الدول في الشرق الأوسط حتى الآن حسب محور الانتماء الجغرافي، المحور السني المعتدل والمحور المؤيد لأمريكا والمحور الشيعي أو محور الشر، فقد شكل ترامب أمس محوراً آخر وهو محور الدول المذعورة. 

بعد ساعة تقريباً على طرح ترامب لخطة الترانسفير، التي “كشف” فيها بأن السعودية لا تطالب بإقامة الدولة الفلسطينية، سارعت وزارة الخارجية السعودية باسم ولي العهد محمد بن سلمان إلى بيان ذي لهجة حادة وواضحة الرد، وجاء فيه “إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، أو بالوصف المحدث “التطبيع”، لن يكون بدون إقامة الدولة الفلسطينية. هذا موقف ثابت لا يمكن تغيره وغير قابل للتفاوض أو المساومة”. وبعد فترة قصيرة، أجريت محادثات هاتفية كثيفة بين زعماء المنطقة. سافر محمود عباس للالتقاء مع الملك عبد الله، الذي يعتبر الخطة تهديداً وجودياً لدولته، من أجل تنسيق المواقف معه قبل اللقاء بين الملك وترامب الثلاثاء القادم. وأعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن خطة ترامب، طرد حوالي 2 مليون فلسطيني، “مرفوضة”. ويبدو أنه في الفترة القريبة القادمة يتوقع عقد مؤتمر قمة عربية سيطرح فيه موقف حازم ضد ما يسمى بـ “الهجرة القسرية” (التهجير) لسكان قطاع غزة. وستعد القمة الزينة لعقد قمة عربية – أمريكية، التي حسب جهات عربية يمكن عقدها في السعودية في نهاية الشهر الحالي بمشاركة ترامب. 

خطة ترامب تفترض أن الفلسطينيين، بدون سؤالهم عن رأيهم، لن يتنازلوا عن فرصة حياتهم، الحصول على فيلا وملعب غولف وبركة في رمال سيناء. ولكنها في الوقت نفسه، تحبس زعماء الدول الجارة، ليس فقط مصر والأردن، في معضلة تفصح عن كثير من التهديدات. استيعاب 2 مليون لاجئ فلسطيني بشكل دائم يعني نقل المشكلة الفلسطينية إلى أراضيها، بكل المعاني الوطنية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تشكلها، سواء على مستوى الدولة بشكل خاص أو على المستوى العربي بشكل عام. حسب رؤية الأردن، الذي يعد ثلثا مواطنيه من الفلسطينيين، تبدو هجرة مئات آلاف الفلسطينيين الآخرين إليه هزة أرضية ديمغرافية قد تحدث ثورة داخلية، وتنهي حكم السلالة الهاشمية.

المملكة تتذكر جيداً أحداث أيلول 1970، “أيلول الأسود”، المعركة الدموية التي عرضت حكم الملك حسين للخطر وهددت حياته. بعد معركة شديدة، التي تم حسمها ضده، نجح الملك في طرد م.ت.ف من الأردن. والآن رغم حمل الفلسطينيين الذين أصلهم من الضفة للجنسية الأردنية والذين ولدوا وعاشوا في الأردن، يتولون أيضاً وظائف رفيعة، العامل الفلسطيني في المملكة ما زال “جسماً مشبوهاً”. الأردن يسمح في الواقع لنشاطات حركة الإخوان المسلمين، التي لها تمثيل في البرلمان. ولكنه يمنع نشاطات حماس ولا يسمح لقادتها بزيارات عائلة. 

إن استيعاب مئات آلاف الغزيين الذين عمل كثير منهم في خدمة حماس، قد يحول الأردن إلى دولة مواجهة مع إسرائيل، حسب النموذج الذي كان في الستينيات والسبعينيات، أو نموذج لبنان الذي هاجرت إليه الموجة الثانية من اللاجئين الفلسطينيين في السبعينيات، وخلق تهديداً متواصلاً سمي “فتح لاند”. هذا التهديد لم ينته في حرب لبنان الأولى، وأقامت حماس في مخيمات اللاجئين في لبنان قواعد للتدريب، وفرعاً من فروع سيطرتها القوية. هل يسعى ترامب إلى ذلك عندما يقترح الأردن كدولة لجوء لسكان قطاع غزة؟ 

قد تقف مصر أمام تطور مشابه، يتعين عليها مواجهة نشطاء حماس الذين سيأتون بالآلاف إلى شبه جزيرة سيناء، وهي المنطقة التي تعتبر فيها السيطرة والرقابة على نقل السلاح والوسائل القتالية تحدياً غير ممكن. العبء الاقتصادي الذي سيلقى على مصر سيكون قلقاً هامشياً مقابل الربط المباشر المتوقع بين حماس وحركة الإخوان المسلمين، الذين قد يقيمون لأنفسهم ذراعاً عسكرية مع تجربة ومدرب، الذي سيهدد ليس فقط مصر، بل إسرائيل أيضاً. والذي مثلما في الأردن، ربما يجعل مصر دولة مواجهة مع إسرائيل. وعندما تتم إقامة “ريفييرا الشرق الأوسط” ومصانع الإنتاج التي يخطط ترامب لإنشائها في غزة أمام أنظار مئات آلاف الغزيين المتعبين، الذين ستقام على أنقاض بيوتهم مجمعات الاستجمام، يبدو أن هذا الحلم الوردي سيصبح كابوساً. 

لكن جهود إحباط التهديد الكامن في نقل المواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين إلى أراضيها، تضع الأردن ومصر تحت سوط ترامب الذي يلوح به، والذي يضع أمامها تهديداً اقتصادياً. مصر والأردن، الدولتان الرئيسيتان في المحور المؤيد للغرب، وبالأساس لأمريكا، تعتمدان بشكل كبير على المساعدات الاقتصادية الأمريكية، والحديث هنا لا يدور عن أموال قليلة تحصل عليها؛ فالمساعدات الاقتصادية الثابتة هذه تشكل أيضاً دعماً سياسياً يستخدم كضمانة ضرورية للحصول على قروض من مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد الدولي، إضافة إلى الاتفاقات التجارية بشروط مخففة، والمساعدات العسكرية وغطاء الدفاع الذي تعطيه الولايات المتحدة لها. ولكن هذه الدول تحصل على مساعدات سخية من دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات. ففي السنة الأخيرة استثمرت هذه الدول عشرات مليارات الدولارات في مصر، والملايين في الأردن. نظرياً، إذا قررت السعودية إحباط تهديدات ترامب وإنقاذ “الأخوات” من تهديداته، فيمكنها على الأقل اقتصادياً أن تحل محل الولايات المتحدة مقابل مبلغ أقل بكثير من المبلغ الذي ستدفعه مقابل إقامة الريفييرا في غزة. إضافة إلى ذلك، أعلنت السعودية قبل أسبوعين نيتها استثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة في سنوات ولاية ترامب الأربع. الرئيس الأمريكي، الذي على قناعة بأنه يستطيع أخذ تريليون دولار أيضاً من جيب بن سلمان، سيضطر هو نفسه إلى فحص من لديه سوط اقتصادي أكبر. 

لكن أي دولة من هذه الدول لا تريد الوصول إلى مواجهة مباشرة مع أمريكا. وترامب لا يريد التنازل أيضاً عن صندوق النفوذ الاقتصادي الذي تعرضه السعودية عليه، أو عن التطبيع الذي يطمح إليه بين السعودية وإسرائيل. في هذه الأثناء، وأمام موقف السعودية الحازم والمعارضة الشديدة للدول “المستضيفة” ودول المنطقة بشكل عام، إلى جانب انتقاد الكونغرس ضد خطة الترانسفير، سيتعين على ترامب تبني نظام جديد للأفضليات. 

ربما يضطر التطبيع إلى الانتظار إلى حين العثور على صيغة ملتوية لقضية الدولة الفلسطينية، وهي صيغة ستكون مرضية للسعودية وتحافظ على ائتلاف نتنياهو. في هذه الأثناء، من الأفضل عدم حبس الأنفاس وانتظار تصريح بشأن مستقبل الضفة وضمها لإسرائيل، الأمر الذي وعد ترامب إصداره في غضون أربعة أسابيع. إحباط عملية الضم في الولاية الأولى استخدمته الإمارات مبرراً للتوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل. يمكن تكرار ذلك مع السعودية، إضافة إلى تعهد أمريكي، ليس إسرائيلي، بحق الفلسطينيين في إقامة دولة. وحتى ذلك الحين، يجدر تبني المقاربة المحسوبة لرئيس حكومة قطر، الذي امتنع عن التطرق إلى خطة إخلاء غزة وطرح التركيز على استكمال صفقة المخطوفين.

تسفي برئيل

 هآرتس 6/2/2025

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية