الناصرة-“القدس العربي”:في جرد حسابات للسنوات الأربع الأخيرة يتضح كما وكيفا أن إسرائيل هي الأكثر استفادة من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الأقل في المنظورين القريب والمتوسط، لأن هناك من يرى أن المنافع الحالية ستنقلب عليها في المدى البعيد كونها تدفع نحو تحولها لدولة ثنائية القومية لا يهودية ولا ديمقراطية. لكن هناك منافع حققتها إسرائيل على شكل هدايا وعطايا من ترامب تصب الماء على طاحونتها في المرحلة الراهنة وفي المدى المتوسط منها الاعتراف بسيادتها على الجولان وعلى القدس ونقل السفارة من تل أبيب إلى القدس علاوة على فتح أبواب التطبيع أمامها. يبدو أن إسرائيل تحاول اعتصار ما تبقى من صلاحيات للرئيس المنتهية ولايته من أجل جلب المزيد من المصالح ودرء المزيد من المخاطر خاصة بما يتعلق بالملف النووي في محاولة استباقية لفرض توجهاتها على الرئيس المنتحب جو بادين.
التهديد الإيراني
بعد اغتيال العالم النووي الإيراني الأول دكتور فخري زاده وحشر إيران في الزاوية وإحراجها، تأخذ إسرائيل في الحسبان محاولة ثأر إيرانية وتستعين لمنع ذلك بالولايات المتحدة. وقد أجرى ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي محادثات تنسيق مع نظرائهم في القيادة المركزية للجيش الأمريكي، لتعزيز التعاون بين الجيشين على خلفية احتمال حدوث انتقام إيراني. وأوضحت مصادر إسرائيلية لصحيفة “يسرائيل هيوم” أن إسرائيل من جهتها لم ترد رسمياً على تهمة إيران لها وتحميلها مسؤولية الاغتيال، لكن مسؤولين كبار في إدارة ترامب أكدوا أمام وسائل إعلامية أمريكية أن الموساد هو وراء العملية. منوهة أنه كجزء من التنسيق مع الأمريكيين جرى اتخاذ خطوات دفاعية مختلفة في مواجهة احتمال رد إيراني. من بين أمور أُخرى جرى تنسيق الإجراءات من أجل تشغيل مشترك لوسائل كشف وتحديد هوية إطلاق صواريخ على إسرائيل وعلى أهداف أمريكية في الشرق الأوسط. وتقول إن الجيشين يتعاونان في هذا المجال في الأيام العادية أيضاً وإن الجيش الإسرائيلي أدخل تعديلات طفيفة على انتشاره الدفاعي منذ الاغتيال في إيران، لكن لم يتم تعبئة أي جنود احتياطيين كما لم يجر تعزيز كبير للقوات. وتقدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بمعقولية كبيرة أن رداً إيرانياً سيحدث كما يهدد زعماء النظام. من المحتمل حدوث مسعى للقيام برد كهذا في الشهر الحالي، للمحافظة على مسافة آمنة قبل موعد دخول الرئيس المنتخب جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير. وتلمح الصحيفة أنه لولا منح الولايات المتحدة ضوء أخضر لما تم الاغتيال ولا تستبعد أن تكون له يد مباشرة في العملية خاصة أن مصادر أمريكية سبق وقالت لصحيفة “نيويورك تايمز” في الأسبوع الفائت إن ترامب يتدارس إمكانية توجيه ضربة لطهران قبل انتهاء ولايته.
هجمات إسرائيلية في سوريا
كما تقول الصحيفة التي تعتبر بوقا شخصيا لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حليف ترامب إنه في السنوات الأخيرة، نفذ الكثير من العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في أنحاء الشرق الأوسط. في إطار المعركة بين الحروب هاجم الجيش الإسرائيلي مئات المرات في الساحة الشمالية وفي أحيان كثيرة ضرب جهد التمركز العسكري الإيراني في سوريا وعمليات تهريب السلاح من إيران إلى حزب الله في لبنان. السنة الأخيرة كانت سنة كئيبة بالنسبة إلى إيران، مع اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في كانون الثاني/ يناير، والعالم فخري زاده في تشرين الثاني/نوفمبر بالإضافة إلى التفجير في المنشأة النووية في نتانز. وتخلص للقول في نطاق الحديث عن الدعم الأمريكي غير المباشر في هذا المضمار: “الجيش الأمريكي في ذروة عملية تقليص قواته في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بتوجيهات من الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب. من أجل تأمين انسحاب القوات الأمريكية من العراق ومن أفغانستان انتقلت إلى منطقة الخليج الفارسي حاملة طائرات وقاذفات حربية ضخمة. على ما يبدو الإيرانيون مضطرون للتفكير بخطواتهم جيداً، كي لا يتورطوا في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها”.
تنسيق عسكري
وعلى خلفية ذلك يرجح المقدم (احتياط) الدكتور رافائيل أوفيك إن عمق حداد النظام على فخري زاده يوحي بأن البرنامج النووي الذي يترأسه كان يهدف إلى تطوير أسلحة نووية ، على عكس ما زعمته طهران على مر السنين. ويوضح في سياق الدعم الأمريكي الاستراتيجي لإسرائيل أن النتائج السياسية للقتل ستعتمد إلى حد كبير على أمرين: شدة الرد الإيراني وسلوك الولايات المتحدة. مرجحا أن يؤثر الوضع الناجم عن الوفاة على نية إدارة بايدن وقدرته على إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي. ويرى أنه لا يزال من الممكن أيضًا أن ينفذ الرئيس ترامب شكلاً من أشكال العمل العسكري ضد إيران في الأيام الأخيرة من رئاسته، مما سيزيد من تعقيد الموقف. أما بالنسبة لإسرائيل، فيبدو أن مقتل فخري زاده يقوي علاقاتها المتنامية مع دول الخليج والسعودية التي تخشى نية بايدن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة وتحسين العلاقات الأمريكية مع طهران، وهو سيناريو قد يشجعهم على النظر إلى إسرائيل باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على الدفاع عنهم ضد إيران.
توسيع وتعميق التطبيع
ضمن سلة المنافع الكبرى بفضل ترامب تمضي إسرائيل في توسيع وتعميق التطبيع كما يستدل من محاولات إنهاء عملية ضم السودان لحظيرة التطبيع وتوثيق علاقات التعاون بين الاحتلال وبين دول خليجية. من مظاهر ذلك إعلان البحرين أنها يجب أن تكون “نموذجًا يحتذى به أمام العالم بعد التطبيع مع إسرائيل”. وقد أكد وزير الصناعة والتجارة والسياحة البحريني زايد الزياني بعد زيارته للقدس المحتلة أن بلاده يجب أن تكون “نموذجًا يحتذى به أمام دول العالم” بعد توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل. وقال الزياني في مقابلة حصرية له مع قناة “أي 24” إن “أصداء توقيع اتفاقية السلام بين البحرين وإسرائيل بلغت العالم وتابع “نحن نمثل نموذجا يحتذى به أمام دول العالم”. وأشار إلى وجود “الكثير من الأمل والتوقعات حول اتفاقية السلام، ويجب بناء خطوات متطورة لبناء الثقة على مدى القريب لنجعل هذا الاتفاق دائما على المدى الطويل، والطرفان يريدان التوصل إلى جملة من الاتفاقيات التي تضمن هذه الثقة”.
شرق أوسط جديد
ليس هذا فحسب فإن البحرين تمضي بتشجيع أمريكي سافر نحو مناصرة المستوطنين، فقد أعلن وزير الصناعة والتجارة والسياحة البحريني زايد بن راشد الزياني خلال زيارته إلى إسرائيل إن البحرين لن تميز بين البضائع الإسرائيلية المصنوعة في إسرائيل وتلك الموجودة في الضفة الغربية وهضبة الجولان المحتلتين وذلك تماشيا مع سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمخالفة لسياسات الاتحاد الأوروبي التي فرضت وسم بضائع المستوطنات الإسرائيلية. قال زايد بن راشد الزياني وزير الصناعة والتجارة والسياحة البحريني في حديثة للمراسلين خلال زيارته إسرائيل “جميع السلع والخدمات التي يقدمها الإسرائيليون ستعامل على أنها منتجات إسرائيلية” مشيرا إلى أنه “حتى البضائع من الضفة الغربية والجولان لن تتطلب ملصقات خاصة”. وأضاف “نحن نتعامل مع الشركات الإسرائيلية كما نتعامل مع شركة إيطالية أو هندية أو صينية أو ألمانية أو شركة سعودية في هذا الشأن”. وتابع “لا توجد قيود أو معاملة خاصة أو قواعد خاصة. لقد بدأنا فصلا جديدا مع إسرائيل”. وحسب القناة “أي 24” أيضا يأتي التوجه البحريني متماشيا مع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي خالف التقاليد الأمريكية. وصرح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو العام المنصرم أن الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب لا تعتبر المستوطنات غير قانونية، ما أثار انتقادات دولية، ووقعت كل من مملكة البحرين والإمارات العربية المتحدة منتصف أيلول/سبتمبر اتفاقا تطبيع للعلاقات مع إسرائيل في حديقة البيت الأبيض وبرعاية ترامب.
شيكيا والمجر
ونتيجة المفاعيل على الوعي العالمي وكما كان متوقعلا فإن هذا التطبيع مع الاحتلال من قبل دول عربية بدعم واشنطن يشجع دولا أخرى في العالم للتقرب من الاحتلال. وحسب الإذاعة العبرية وجه سفير تشيكيا في إسرائيل مارتين ستروبنيتسكي مذكرة إلى رئيس القسم السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية ألون بار أكد فيها أن حكومة بلده قررت بشكل رسمي هذا الأسبوع فتح ممثلية دبلوماسية لها في القدس، ما يشير إلى اتساع دائرة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في أنحاء العالم المختلفة. وأشارت المذكرة إلى أن هذا القرار يعتبر بمثابة وفاء بوعد قطعه رئيس تشيكيا ميلوش زامان على نفسه قبل نحو سنتين. وتعتبر تشيكيا الدولة الثانية في الاتحاد الأوروبي بعد هنغاريا التي تفتتح ممثلية دبلوماسية رسمية لها في القدس المحتلة. وبذا يمكن القول إنه تم كسر التابو الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على أعضائه وقضى بالامتناع عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بكل الطرق وهذا ما لم يكن ليتحقق لولا توجهات ترامب المنحازة بالكامل لـ إسرائيل وفقا للإذاعة.
مبدأ الاقتداء
وتشير التقديرات السائدة في وزارة الخارجية إلى أن خطوة تشيكيا ستعبّد الطريق أمام دول أوروبية أُخرى لكي تحذو حذوها. ووجه وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي “أزرق-أبيض” الشكر إلى نظيره التشيكي توماس بتريتشيك خلال محادثة هاتفية جرت بينهما، وأكد أن هذا القرار يثبت الصداقة الكبيرة القائمة بين الدولتين وكذلك شراكتهما الاستراتيجية. وأضاف أشكنازي: “إن هذا القرار ينطوي على رسالة واضحة إلى كل دول العالم فحواها أن القدس هي عاصمة الشعب اليهودي ودولة إسرائيل وستبقى كذلك إلى الأبد”. وقال السفير الإسرائيلي لدى تشيكيا دانييل مرون في حديث مع “يسرائيل هيوم” إن هذا القرار هو نتيجة جهود قام بها رئيس تشيكيا ميلوش زامان على مدار السنتين الفائتتين، وأكد أن زامان يستحق لقب “حامي القدس” نظراً لكونه “الروح الحيّة التي وقفت وراء هذا القرار”. وطالما فاخر رئيس حكومة الاحتلال بهذا الدعم غير المحدود والمستمر للولايات المتحدة برئاسة ترامب الصديق الأكبر لإسرائيل كما أكد نتنياهو في تصريحاته المتتالية الأخيرة.
اقتباس
المنافع الحالية ستنقلب على إسرائيل في المدى البعيد