ترامب يصب الكاز على حرائق الشرق الأوسط ويعطي المتطرفين في إسرائيل ما لم يحلموا به

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

لندن- “القدس العربي”:

قال الباحث في الشؤون الدولية بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة جيمس دورسي، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصب الوقود على حرائق الشرق الأوسط.

وفي مقال  نشره موقع “إنترناشونال بوليسي دايجست” قال الكاتب إن الرئيس ترامب ألقى مرة أخرى قنبلة يدوية على التوازن الدقيق في سياسة الشرق الأوسط، ودعا بشكل علني لنقل 1.5 مليون فلسطيني من غزة إلى مصر والأردن. وبإعلانه عن هذا، فهو يخاطر بقلب العلاقات الأمريكية مع السعودية وغيرها من الشركاء الإقليميين الرئيسيين وتأجيج التوترات في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وربما تفكيك مفاوضات وقف إطلاق النار الهشة في غزة.

وأضاف دورسي أن تصريحات ترامب، التي أدلى بها بطريقته التي تستند على فكرة المعاملاتية والصفقات، أرسلت موجات صدمة عبر المنطقة. فتأييده التهجير الجماعي للفلسطينيين يتماشى مع الطموحات التي تؤمن بها الجماعات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، ومع ذلك فإنه يهدد بزعزعة استقرار الأنظمة الاستبدادية وتعقيد المرحلة الانتقالية لما بعد الأسد في سوريا، وتمكين الجماعات المسلحة مثل حزب الله وحماس، في وقت تضاءل نفوذهما.

وضاعف ترامب من تأثير كلماته، عندما رفع في الوقت نفسه التعليق الذي فرضته إدارة بايدن على مبيعات القنابل التي تزن الواحدة منها 2,000 رطل إلى إسرائيل، واستثناها من تعليق المساعدات الخارجية الأمريكية الذي أعلنه لمدة 90 يوما، ودعم تأخير إسرائيل الانسحاب من لبنان، وهي خطوات تشجع بشكل جماعي المتشددين الإسرائيليين وتزيد من تنفير العالم العربي.

ويضيف الكاتب أن الأمر الأكثر إلحاحا، هو أن تصريحات ترامب تعرّض الحملة الهادئة التي تقودها السعودية لدفع الولايات المتحدة نحو دعم الدولة الفلسطينية كجزء من صفقة أوسع لتطبيع العلاقات مع إسرائيل للخطر. وبالنسبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كان من المفترض أن تكون هذه لعبة دبلوماسية كبرى: الاستفادة من تفضيل ترامب للمفاوضات عالية التكلفة لاستخراج دولة فلسطينية في مقابل التطبيع السعودي الإسرائيلي.

ولكن ترامب حطّم هذه الآمال وتحالف بشكل كامل مع حلفاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من القوميين المتطرفين حتى أنهم ربما لم يحلموا بمثل هذا الدعم الصريح. ورغم أن نتنياهو نفسه تجنب التأييد العلني للطرد الجماعي للفلسطينيين، مدركا تماما للعاصفة الجيوسياسية التي قد يشعلها ذلك، فقد اندفع ترامب إلى الأمام.

وفي حديثه إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية، قال ترامب: “أنت تتحدث عن مليون ونصف المليون شخص، ونحن فقط نقوم بتطهير هذا الشيء بالكامل… لا أدري، لابد أن يحدث شيء ما، ولكن (غزة) هي حرفيا موقع هدم الآن. لقد هدم كل شيء تقريبا، والناس يموتون هناك، لذلك أفضل أن أشارك مع بعض الدول العربية ونبني مساكن في موقع مختلف حيث أعتقد أنهم قد يعيشون فيه بسلام للتغيير”.

وزاد ترامب من مخاوف الفلسطينيين من الترحيل القسري الذي وضعه على الطاولة، بقوله إن الترحيل المحتمل في الدول العربية “قد يكون مؤقتا” أو “قد يكون طويل الأمد”. وزعم ترامب أنه أثار الفكرة مع الملك الأردني عبد الله الثاني وكان ينوي مناقشتها مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وقد رفضت الدولتان منذ فترة طويلة أي خطة من هذا القبيل، لإدراكهما التام أن التواطؤ في طرد الفلسطينيين من شأنه أن يجعلهما منبوذتين في العالم العربي. بالنسبة للفلسطينيين، يستحضر الاقتراح صدمة نكبة عام 1948، عندما تم تهجير حوالي 750,000  فلسطيني قسرا. ولا يريد أي زعيم عربي أن يرتبط بما قد ينظر إليه على أنه تكرار حديث لتلك الكارثة.

وقبل أيام قليلة من تصريحاته المذهلة، حدد ترامب سعرا لزيارة محتملة إلى السعودية من 450 مليار دولار إلى 500 مليار دولار من الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة خلال فترة رئاسته.

وسارع محمد بن سلمان، الحريص على الحفاظ على انتباه ترامب، إلى التعهد بمبلغ 600 مليار دولار على مدى أربع سنوات، متجاوزا طلب ترامب.

لكن ترامب، صانع الصفقات دائما، رفع الرهان على الفور، داعيا السعودية إلى “إكمال” التعهد ورفعه إلى تريليون دولار. ومع ذلك، من خلال الدعوة إلى تهجير الفلسطينيين، ربما يكون ترامب قد نسف الزيارة التي كان من الممكن أن تختم تطلعاته المالية.

إن موقفه يقوض رؤية ولي العهد السعودي على المدى الطويل: وهي صفقة كبرى يكون فيها التطبيع السعودي الإسرائيلي مشروطا بإقامة الدولة الفلسطينية. وعلى النقيض من ذلك، فموقف ترامب يدفن فعليا حل الدولتين ويخاطر بزيادة تطرف الرأي العام العربي والإسلامي ويعزز الأصوات التي تزعم أن الدبلوماسية مع إسرائيل غير مجدية.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة في سبع دول عربية، بما فيها فلسطين ولكن ليس السعودية، إلى أنه على الرغم من أهوال حرب غزة، لا يزال هناك استعداد هش لقبول دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

ووجد استطلاع آخر للرأي أجري بين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، أن الأغلبية لا تزال تفضل الحل التفاوضي للصراع. وسجلت هذه النتائج قبل تصريحات ترامب الأخيرة. وإذا ما ترجمت تصريحاته إلى سياسات، فقد يؤدي ذلك إلى محو ما تبقى من أمل ضئيل للدبلوماسية.

ويشير رئيس المبادرة الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، إلى أن القضية الفلسطينية تجاوزت الآن التضامن العربي والإسلامي وأصبحت قضية حقوق إنسان عالمية. وتشير الاحتجاجات العالمية ضد حرب غزة والإجراءات القانونية الدولية التي تستهدف إسرائيل والعزلة الدبلوماسية المتزايدة التي تعيشها إلى ديناميكية متغيرة.

وقال البرغوثي: “لو وافقت كل الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل، فإن هذا لن يوقف النضال الفلسطيني. لن نتوقف فليس هناك الكثير لنخسره”.

وفي الوقت نفسه، تستغل حماس المد والجزر المتغير لصالحها. في نهاية الأسبوع الماضي، نظمت الحركة بعناية استعراضا للقوة في ميدان فلسطين بمدينة غزة، لتسليم أربعة جنديات إسرائيليات إلى الصليب الأحمر الدولي. وتم تصميم العرض المنسق للغاية، والذي ضم مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي في زي عسكري أنيق ويحملون أسلحة آلية، ويتحركون في مركبات جيدة الصيانة، لمواجهة رواية إسرائيل بأن حماس على وشك الانهيار.

ويقول دورسي إن قدرة حماس على تنفيذ مثل هذه المناورة العلنية تؤكد على حقيقة قاتمة: إن جهود إسرائيل للقضاء على الجماعة كانت، في أحسن الأحوال، غير مكتملة. وحذر الصحافي الإسرائيلي عاموس هارئيل، في مقال كتبه بصحيفة “هآرتس”، من أن اتفاق وقف إطلاق النار الجاري لا يعمل إلا على تسريع عودة حماس إلى الظهور، وقال: “إن تنفيذ اتفاق لا يعمل إلا على تعزيز حماس في الوقت الحاضر وتسريع استيلائها المتجدد على القطاع، كما بدأ الوضع يخدم بشكل غير مباشر استعادة قوتها العسكرية”.

ويقول دورسي إن استطلاعات الرأي التي أجريت قبل وقف إطلاق النار، أظهرت أن شعبية حماس انخفضت إلى 17% فقط في غزة والضفة الغربية. ولكن تأييد ترامب لطرد الفلسطينيين قد يغير ذلك. فمن خلال تعزيز التصور بأن الدبلوماسية غير مجدية، قد يدفع ترامب عن غير قصد المزيد من الفلسطينيين نحو تأييد نهج حماس المسلح واعتبار هجومها في 7 تشرين الأول/ أكتوبر استجابة مشروعة لعقود من الاحتلال والسياسة الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة.

ولم يتردد دبلوماسي غربي، طلب عدم الكشف عن هويته، في الحديث عن العواقب: “إن ترامب يشعل حرائق الشرق الأوسط، فدعم الطرد يغذي خيالات نتنياهو ولكنه السيناريو الأسوأ في المنطقة. إن الأمور ستتجه نحو الأسوأ إذا أصر ترامب. إنني أشعر بالرجفة إزاء ما قد ينتظرنا في المستقبل”.

وإذا كان التاريخ دليلا، فتصريحات ترامب، مهما كانت غير رسمية، قد تخلف عواقب وخيمة ودائمة. فمن خلال الانحياز بشكل لا لبس فيه إلى الأصوات الأكثر تطرفا في إسرائيل، فإنه لا يصب الزيت على النار في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني المشتعل بالفعل فحسب، ولكنه يعيد تشكيل الحسابات الجيوسياسية لمنطقة بأكملها. والآن بدأت النيران في الاشتعال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية