موظف كبير في البيت الأبيض أبلغ موقع «ديلي بيست» في نهاية الأسبوع أن ترامب ينوي قريبًا شن جهاد، ليس ضد كوريا الشمالية، لا سمح الله، التي يحب زعيمها، ولا ضد إيران التي ظاهريًا يمقت قادتها. الحرب المقدسة للرئيس الأمريكي ستكون ضد الجهاز القضائي في بلاده، وذريعة الهجوم وفرتها له هذا الأسبوع الصحيفة التي يكرهها، «نيويورك تايمز».
التقرير في الصحيفة عن أمور قالها كما يبدو المدعي العام، رود روزنشتاين، لنائب رئيس الـ اف.بي.آي المقال اندرو مكييف، هذه الأقوال سقطت في أيدي ترامب كثمرة ناضجة. هو يدعي منذ فترة أن جهات مجهولة في وزارة العدل والـ اف.بي.ىي اتفقت من أجل إسقاطه من السلطة بواسطة تحقيق مفبرك بشأن علاقاته مع روسيا. التقرير بشأن تقديم روزنشتاين اقتراحًا لتسجيل الرئيس من أجل استخدام أقواله كأساس لإزاحته حسب التعديل رقم 25 في الدستور الأمريكي كمسدس مدخن: المؤامرة كشفت، وترامب له الحق في توجيه ضربة ساحقة لمنتقديه قريبًا.
روزنشتاين هو شخصية مركزية في التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص روبرت مولر، حول تهمة أن ترامب أو شخصيات كبيرة في إدارته أجروا علاقات محظورة مع الكرملين أثناء الحملة الانتخابية للرئاسة. لقد تم تعيينه حقًا في منصب نائب المدعي العام في شباط 2017 من قبل ترامب نفسه، لكن قرار وزير العدل جيف شسنس بإعفاء نفسه من معالجة التحقيق الروسي، وضع روزنشتاين على رأس الجهاز ضد الرئيس الذي عينه في منصبه. روزنشتاين هو الذي عين مولر، ووقف كسور حصين ضد المطالبة بعزله. روزنشتاين نفسه ينفي الأقوال التي نسبت إليه. معارفه يدعون بأنه لم يقلها، وإذا قالها فقد كان ذلك على شكل مزاح. روزنشتاين لم يكن يخطر بباله تسجيل أقوال الرئيس، هم يقسمون، كما أنه يدرك جيدًا الصعوبة الكبيرة في عزل الرئيس من منصبه حسب التعديل 25 للدستور الذي يتطرق لرئيس «غير قادر على أداء مهامه». والسياسيون والمحللون الذين يعتقدون بأن ترامب مقطوع عن الواقع وأنه يعيش في الأوهام، هم أيضًا يعترفون بأن سلوكه، مهما كان خطيرًا وفضائحيًا، لا يصل إلى المستوى الذي يمكن من عزله من قبل نائب الرئيس وأغلبية أعضاء الكابنت، حسب ما نص عليه التعديل.
النفي بالطبع لا يزيد ولا ينقص، لا في نظر القاعدة المتعصبة لترامب ومحلليه المجندين في شبكة «فوكس نيوز»، الذين يحولون كل شذرة من المعلومات إلى دليل قاطع بشأن مؤامرة ضد الرئيس، ولا في نظر الرأي العام الذي معظمه يرى في ملاحقة روزنشتاين محاولة فظة للرئيس، لتشويش تحقيقات مولر وحرف الانتباه عن جرائمه التي سيتم كشفها قريبًا. ترامب عزل رئيس الـ اف.بي.آي السابق جيمس كومي، وأدى إلى طرد مكييف بسبب التحقيق ضده. هو يهين ويحتقر مؤيده السابق شسنس في كل مناسبة بسبب رفض المدعي العام لوقف التحقيق. هو يهين ويلعن وزارة العدل والـ اف.بي.آي دون توقف على الدعم الذي يمنحونه لمولر في محاولة لتشويههم، على الأقل في نظر مؤيديه. في المؤتمر في يوم الجمعة الماضي في لاس فيغاس تعهد ترامب بالتخلص من «القذارة المتبقية» التي ما زالت تسيطر في الـ اف.بي.آي، الذي هو جسم وقف خلال العقود الأخيرة فوق كل شبهة، إلى أن بدأ ترامب يصفه بأنه جحر أفاع ليبراليين خونة يحاولون عزله بغير صناديق الاقتراع.
السؤال المهم هو: هل ترامب يعتقد أن أقوال روزنشتاين كما جاءت في «نيويورك تايمز» تسمح له بإقالة نائب المدعي العام وأن يعين مكانه شخصًا أكثر مرونة، يوافق على عزل مولر، دون أن يؤدي إلى تمرد الجمهور، ولو الجزئي، الذي سيسيء لموقفه؟ إذا كانت تقديراته منطقية ـ وهو أمر مشكوك فيه كثيرًا ـ فإن ترامب سينتظر على الأقل حتى نهاية تعيين القاضي للمحكمة العليا بارت كبانو، الذي اسمه مرتبط الآن بشهادة الدكتورة النفسية كرستين بلزي فور أمام لجنة العدل في مجلس الشيوخ، حول الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له على يد القاضي قبل 36 سنة في الفترة التي كانا فيها في المرحلة الثانوية.
إعفاءات روزنشتاين إذا وقعت فيمكن أن تحدث عاصفة عامة تدفع النائبين اللذين يعتبران من منتقدي ترامب ـ جيف فليك من اريزونا وبني ساس من نبراسكا ـ للتصويت ضد القاضي، وبهذا تعريض الأغلبية الجمهورية في اللجنة للخطر. ولا نريد الحديث عن النائبتين الجمهوريتين ـ سوزان كولنس من ماين وليزا ماركوفسكي من الاسكا ـ الواقعتين هما أيضًا تحت ضغط شديد من قبل ناخبيهما المعتدلين نسبيًا لدعم فورد وإزاحة كبانو. في الوقت الذي فيه الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الذي يمكنه أن يصوت لصالح كبانو تستند إلى مجرد صوت، فإن عزل روزنشتاين يشكل بالنسبة لترامب والجمهوريين مقامرة كبيرة.
مهما كان الأمر فإن قضية التنصت لروزنشتاين تصب المزيد من الزيت على الحريق القانوني، القضائي والسياسي الذي تملك واشنطن بسبب السلوك منفلت العقال لترامب بشكل عام، وبسبب محاولته الفظة والمكشوفة لإنقاذ نفسه من تحقيقات مولر بشكل خاص. محللون أمريكيون يعتقدون أن القوة الزائدة للحريق الذي يتغذى في المقام الأول على استفزازات الرئيس لسلطة القانون وحراسه، هي شهادة على التقدم الذي بدأ في تحقيقات مولر بعد التوقيع على الصفقة مع مقرب الرئيس بول منفورد وشعور الرئيس بأن بقي لديه وقت قصير فقط لعزل مولر وأن ينقذ نفسه من شر استنتاجاته.
زعماء الجمهوريين سيضغطون على ترامب للامتناع الآن عن ارتكاب فضيحة أخرى. عزل روزنشتاين يمكنه أن يشعل المصوتين الديمقراطيين الذين يتلهفون للمعركة وزيادة سوء الوضع السيئ للجمهوريين قبل الانتخابات المصيرية للكونغرس، التي ستجرى بعد 44 يومًا فقط. المشكلة هي أن ترامب مقتنع بأن تضافر الكاريزما الشخصية له مع سجله الاقتصادي تكفي لإلغاء الاستطلاعات السيئة وأن تؤدي إلى فوز مدهش في الانتخابات، الذي سيبقي بيتي الكونغرس في أيدي حزبه. اعتبارات الجدوى المعتادة في السياسة ليست بالضرورة ذات علاقة بالنسبة للرئيس مع «الأنا» المنتفخة له، غرائز لزعران الشارع وشعور بالبارانويا. أما الغريب فهو طرح التعديل 25 للدستور على جدول الأعمال اليومي في تقرير «التايمز» عن روزنشتاين، ويثير الكثيرون تنهيدة على فرصة ضائعة لأن الحل المثالي حسب شعورهم ليس واقعيًا بما يكفي.
حيمي شليف
هآرتس 23/9/2018