تربّص الجزيرة بقمة الرياض كيدي ودردشة النواعم للثرثرة وملء الفراغ!
محمد منصورتربّص الجزيرة بقمة الرياض كيدي ودردشة النواعم للثرثرة وملء الفراغ!لا أضيف جديدا عندما أقول أن لا احد في العالم العربي منذ سنوات، يتوقع من أي قمة عربية تعقد خيرا أو شرا… فالحقيقة الثابتة في الوجدان الشعبي العربي اليوم أن القمم العربية مثل بعض الأدوية المنتهية الصلاحية التي إن لم تضر فهي لا تنفع بالتأكيد… لكن بالمقابل فهذه القمم، مثل أي نشاط بروتوكولي آخر باتت تعني الدولة المضيفة باعتبارها صاحبة توجيه دعوات الحضور، وبات الإعلام الرسمي في الدول المضيفة يجد في مناسبة القمة، مادة إعلامية للمواكبة والاستعراض وحشد أفضل الطاقات في النقل التلفزيوني وعقد الندوات، وتنظيم البرامج والرسائل التلفزيونية والتقارير الإخبارية اليومية التي تؤكد علي أن القمة ـ بخلاف سابقاتها ـ كانت تاريخية، وكانت قمة الإجماع العربي ولم الشمل، وقمة القرارات المصيرية.وبهذا المعني فقد تحولت القمم العربية إلي أحداث تلفزيونية أكثر من أي مهرجان تلفزيوني عربي… فأكثر مظاهر وتجليات وفعاليات القمة تنعكس علي شاشات القنوات الفضائية، وكل خلافات وتوافقات القمة تصب في نهر بث القنوات الفضائية، وكل التكهنات المكرورة المعادة حول النتائج والمقررات والبيانات الختامية تلوكها ألسنة النميمة والسوء في مجالس القنوات الفضائية.لكن المشكلة التلفزيونية في قمة الرياض الأخيرة، التي أفسدت علي السعودية فرحة التباهي التقليدي بانعقاد القمة علي أرضها وفي قصور عاصمتها، مثلها مثل أي دولة عربية أخري… هو هذا التربص الكيدي الذي تمارسه قناة الجزيرة علي السعودية في السراء والضراء… فلا حرمة لميتم، ولا بهجة لفرح أو عرس! وهكذا كنا نري في معظم القنوات الفضائية العربية صورة مشرقة ومتفائلة للقمة، بينما كنا نري علي شاشة الجزيرة صورة قاتمة بائسة لقمة تحاول أن تتماسك، وأن ترسم ابتسامة الثقة والأمل أمام عدسات الكاميرات فقط.كانت القمة العربية التلفزيونية الأخيرة في الرياض قمتان: الأولي هي قمة رجل أنيق يرتدي طقم السموكن الفاخر ويسير في حي راق بربطة عنق معقودة بأناقة وحذاء نظيف لماع، فينظر بترفع إلي الناس الذين يبادلونه التحية بأدب من علي الشرفات… والثانية تابعنا تغطياتها علي شاشة الجزيرة تقدم صورة لذات الرجل، لكن وهو يسير في حي عشوائيات ومخالفات، مليء بالحفر الترابية التي يتطاير منها الوحل والماء… ما إن يظهر في أول الحي حتي يستهدفه الصبية بالبيض والبندورة، فيقلبون منظره رأسا علي عقب، ولا يفوتهم أن يعتدوا علي حذائه اللماع، قبل أن يحاولوا الوصول إلي ربطة عنقه كي يستنفدوا آخر فرص إخراجه عن وقاره.نعم كانت الجزيرة التي ماتت تغطيتها للحدث السوري، وبهت حضورها في الحدث اللبناني، وعقدت صفقة لتغطية المغرب العربي إخباريا… كانت الجزيرة هكذا وهي تنقل وقائع القمة العربية الأخيرة، فتبدأها بحوار الصيد في الماء العكر ـ وهو عكر بالفعل ـ مع الأخ القائد معمر القذافي، والذي لم تجد له ـ ويا للأسف ـ أفضل من المذيع المخضرم في تلكؤه جميل عازر، وتنهيها بالمزاوجة بين خطابات الرؤساء والملوك في الجلسة الختامية وبين نقل مباشر من مقاه ومطاعم عربية في بيروت والقاهرة وغزة وعمان، الناس منشغلون فيها عن القمة بلعب النرد وتدخين الشيشة والفرفشة.طبعا أنا لا أدافع عن صورة القمة، التي هي في النهاية صورة العجز العربي، وحتي انتقاد الوجود الأمريكي للاحتلال بوصفه احتلالا، لا يغير من حقيقة هذا العجز وسعي كل الأنظمة التي شاركت لنيل رضا أمريكا، ولكنني كمشاهد عربي لا أقبل أن أكون أسير معركة كيدية لا تنتهي ولا تعني لي شيئا… وهي بعد أن غدت مكشوفة إلي هذا الحد، لا أعتقد أنها تضيف سوي مزيد من الخسارة لرصيد الجزيرة الإعلامي.صالون نسائي! احتفل برنامج (كلام نواعم) قبل أشهر قليلة بمناسبة مرور خمس سنوات علي انطلاقته… وهو عمر ليس بالقصير في حياة برنامج تلفزيوني اسبوعي عليه أن يقدم ما لا يقل عن خمسين حلقة كل عام…احتفال البرنامج الذي عالجته القناة في حينه بشكل كوميدي وتذكاري، لم يواكبه احتفال بتجديد روح البرنامج الذي فاجأ المشاهد حين انطلاقته بمجموعة وجوه نسائية بينهم الباحثة الاجتماعية والممثلة والمذيعة.. و… يجتمعن كلهن ليقدمن برنامجا واحدا تنفرد بتقديمه عادة مذيعة واحدة!والحق أنني ـ وبسبب مآسي البث التلفزيوني العربي التي لا تحصي ـ لم أكن يوما من متابعي ولا رافضي هذا البرنامج، الذي يشبه الصالون النسائي، بكل ما في الكلمة من وارتجال ومحاولة لتضييع الوقت كما تفعل ربات البيوت عندما يشعرن بالملل من (قعدة البيت) فيجتمعن عند إحداهن ليتحدثن عن شغل البيت الذي لا ينتهي، ومسؤوليات الأولاد التي تكبر، والأزواج أصحاب العيون الفارغة والحموات اللواتي ينغصن عليهن العيش حتي في زيارات عابرة!طبعا (كلام نواعم) لم يكن أسير هذه القضايا، فقد مرت في بعض حلقاته قضايا اجتماعية وإنسانية تستحق الاحترام، لكنه عالج كل القضايا التي مرت علي رأس معديه، وعلي ألسنة مذيعاته النواعم بنفس الأسلوب… أسلوب الارتجال وإلقاء الكلام علي عواهنه، وفكرة من هنا، وكلمة من هناك… وتعبير انفعالي من فرح بسيسو ومأساوي من فوزية سلامة… واستفهامي من مني أبو سليمان وينتهي الموضوع! مؤخرا تابعت حلقة من (كلام نواعم) بثت من مصر، وكانت افتتاحيتها تتضمن تعليقا علي كلام مطربة اسمها إيمي رأت أن الفن سلعة!افتتحت كبيرة البرنامج الست فوزية سلسلة التعليقات بالقول بأن هناك قناة تبث أغنيات من أفلام قديمة لمطربين كبار أمثال عبد الوهاب وعبد الحليم وليلي مراد، تفتح عليها دائما وهي تكلم صاحباتها في التليفون، وتدخل وتخرج إلي المطبخ وتمارس حياتها المنزلية، وأنها تشاهد تلك الأغاني فلا تري فيها رقصا أو (ناس بيتنططوا زي أغاني الأيام دي). أرادت السيدة فوزية بحسن نية، أن تروج لتلك القناة التي تبث كلاسيكيات الطرب الأصيل، فأساءت للطرب الأصيل من دون أن تدري، لأنها صورته علي أنه الطرب الذي يمكن سماعه ومشاهدته ونحن نكلم (صاحباتنا في التليفون) وأرادت أن تنتقد الشطط البصري والإسفاف في كليبات هذه الأيام، فوصفت أغاني أفلام المطربين الكبار بأنها لم يكن فيها (رقص) وهو وصف غير دقيق علي الإطلاق… فالرقص موجود في الأغنيات السينمائية منذ ليلي مراد وحتي آخر أفلام عبد الحليم (أبي فوق الشجرة) استضاف البرنامج في الحلقة نفسها الفنان صلاح السعدني فطرحت إحدي مذيعات البرنامج سؤالا عليه مفاده: كيف انتقلت من شخصية العمدة الطيب الظريف في ليالي الحلمية إلي شخصية العمدة الشرير في حارة الزعفراني؟ سؤال ينم عن سذاجة فائقة، وسطحية لا تليق بطلاب المرحلة الابتدائية… فإذا لم تكن وظيفة ممثل محترف ومبدع مثل صلاح السعدني أن ينتقل من أداء شخصيات شريرة إلي شخصيات طيبة أو العكس… فهي وظيفة من إذن؟! ثم أو ليس الممثل في عرف الناس الشعبيين البسطاء هو الذي يقنعهم هنا ويقنعهم هناك.هذه فقط نماذج وعينات بسيطة، من إحدي حلقات البرنامج، الذي يمثل تماما عقلية اجترار الوقت بأي كلام، وبأي سؤال وبأي تعليق، ومن دون أي تدقيق في السوية. لقد حاول صناع (كلام نواعم) قبل فترة تقديم حلقات خاصة من أكثر من بلد عربي… وقبل مصر، قدموا حلقات من الكويت، فحاولوا التعريف بمعالم الكويت عبر ريبورتاجات سريعة تليق ببرنامج سياحي، تتقاسمها المذيعات الحسناوات بالتساوي، ثم محاورة بعض الشخصيات الكويتية البارزة في قضايا شتي… لكن المشكلة ليست في التنقل الجغرافي بالبرنامج من بلد إلي آخر… المشكلة هي في عقلية إعداد تري في الوقت التلفزيوني وقتا للثرثرة وملء الفراغ، وتتعامل مع الحوار التلفزيوني باعتباره دردشة سطحية بسيطة، تناسب عقل مشاهد عربي مبتدئ، يعيش طفولة عصر الشرير محمود المليجي والطيب حسين رياض.. وما زال بحاجة لتفسير عن كيفية الانتقال من أداء شخصية طيبة إلي أداء شخصية شريرة في عمل ممثل في القرن الحادي والعشرين. دلع سيارتك برنامج يناسب ورشة ميكانيك! برنامج (دلع سيارتك) الذي يقدمه علي شاشة قناة أم. بي .سي نجم ستار أكاديمي هشام عبد الرحمن، والذي يعلمنا فن تحويل السيارات القديمة إلي سيارات فاخرة ومدهشة… نشاط يليق بورشة ميكانيك في معرض للسيارات، أكثر مما يليق بقناة تلفزيونية… وهو في أحسن الأحوال يمكن أن يكون فقرة في برنامج منوع، أو مادة لتقرير إخباري قصير في أحسن الأحوال… أما أن يتحول إلي برنامج قائم بذاته فهو تقزيم لمفهوم ودور البرنامج التلفزيوني عموما… وهو مثال يضاف لما كتبت عنه في هذه الزاوية من قبل حول ثقافة الترفيه الفارغة التي تروج لها إم. بي. سي … مع احترامنا للأموال التي تصرف بسخاء علي هذا النوع من الترفيه.كاتب من سورية[email protected]