ترجمة ألبير كامو وحساسية التاريخ الجزائري؟

وأنا أضع اللمسات الأخيرة على ترجمة «الغريب» لألبير كامو، انتابني نفس السؤال في بداية العمل على مشروع ترجمة روايات ألبير كامو: هل من جدوى؟ مع وجود ترجمات عربية عديدة متفاوتة القيمة، ما هي الإضافة الممكنة؟ واجهتني إجابات متعددة. «الغريب»، نص سهل للترجمة. لا توجد فيه أي صور معقدة. فوق هذا، رواية «الغريب» نص غير مغلق على نفسه كما عادة النصوص الفلسفية. مشكلته المبطنة هي أنه نص لا يمنح نفسه لقارئه بسهولة. زيادة على ذلك كله، هي أن من ترجموا ألبير كامو انشغلوا بعبثية القتل والموت بالنسبة لشخصية ميرسو والعربي، ونسوا أن وراءها تتخفى فلسفة بكاملها حول الفعل الكولونيالي الذي كان صعب الإدراك والقبول بالنسبة لكامو. تلك اللغة التي تبدو باردة مثل قطع ثلجية ليست بكل تلك البرودة، بل هي مشحونة بالنفس الكولونيالي الذي لم يتمكن ألبير كامو من التخلص منه لأنه يعيش دائرته فقيراً، ولكنه يظل أوروبياً وليس من الأهاليو indigène أن تكون جزائرياً فهذا يعني بالضرورة هناك عتبة إضافية لفهم النص والتعمق فيه، وتفهم عن قرب طبيعة تلك الصورة العبثية التي ليست عبثية بكل ذلك القدر. فهي جزء من مسار حياتي مسته المؤسسات وتركت ملامسها عليها خارج الإرادات والأهواء البشرية. ومست في الوقت نفسه المثقفين قبل أن تتحول إلى تقتيل مشهدي يومي قد لا يراه الكاتب، لكنه يمارس في شكل مجازر جماعية سبقتها محارق وإبادات جماعية، لم تهز كيانات الكتاب الكبار ومنهم كامو، على الرغم من أن مذكرات الجنرالات الذين ارتكبوا تلك الجرائم تعج بهذه الأخبار الجهنمية.
أي كاتب تناول مثلاً «محارق الظاهرة» وكتب عنها روائياً بشجاعة، سيظل الهاجس الأيديولوجي الكولونيالي حاضراً. أن يقتل عربي، بلا اسم لأن اسمه يعني هوية محددة لا تريدها المؤسسة الاستعمارية، يضع العدالة على الحافة ويضع المكان -تيبازة- كجزء من الذاكرة الاستعمارية.
الاستعمار لم يفعل شيئاً، ولم يستعمر، لكنه استعاد أرضاً رومانية ضائعة. روج أدب المتجزئرين Les Algérianistes لذلك طويلاً. وأي تواجد على تلك الأرض من غير الأوروبي فهو اختراق لعالم في أصله غربي. وعلى العربي «الغريب» أن يطرد؟ أو يقتل، وهو ما حدث بالفعل. الموت هو لا حدث عندما يتعلق الأمر بالعربي، انقلاب على القيم فيصبح كل شيء معكوساً. وهذه الحساسية لا يمكن لمسها إلا من كاتب خزّن ذاكرة الظلم والمأساة الكولونيالية. والترجمة يجب، في اعتقادي، غير جانبها المهني الطبيعي، أن تستوعب هذه الحساسية، وبدون ذلك يكون النص في صيغته الترجمية دون القاعدة التي نشأ في ظلها النص الأصلي. الكولون الإسرائيلي البغيض لم يبدع شيئاً جديداً في السطو على أراضي السكان الأصليين.
هناك خط ثابت يخترق كل الاستعمارات. أذكر جيداً، في سنة 1959، كان عمري خمس سنوات عندما تم نقلنا من أرضنا التي وُلِدنا فيها ونبت عليها الأجداد وشيدوا فيها أحلامهم واستمتعوا بأساطيرهم وقصصهم الآتية من ذاكرة جمعية متعددة… ووضعت قرية بكاملها في الخيام في مساحات تقاسموها مع مقبرة قديمة، تختلط أسرارهم بأسرار الأموات- بينما كان التخطيط قائماً على نهب أراضيهم ومنابع مياههم ووضعها تحت تصرف المستعمر الذي كان قد شيد مزارع مسقية كثيرة في محيط القرية، بينما يموت الناس عطشاً وعليهم قطع المسافات الطويلة للوصول إلى بئر ماء.

كيف نترجم ألبير كامو دون الإحساس بذلك كله بشكل عميق لفهم قصة العربي عديم اللقب وميرسو. هذا ما حدث مع شخصية ليبيرالية يسارية مثل ألبير كامو، لنا أن نتصور غيره من المشبعين بالفكر الكولونيالي؟ فقد كتب عن الفقر في منطقة القبائل، وصوره بشكل واضح، طبعاً دون أن يتحدث عن الآلة الاستعمارية التي تتخفى من وراء ذلك والتي كانت تفقر الناس وتحرق محاصيلهم وكأن الفقر قدر من الأقدار. ندرك جيداً أن ألبير كامو كاتب إشكالي في كيانه هو نفسه. عاش ممزقاً بين هويتين أو حتى ثلاث هويات: جزائري، وليس جزائرياً بالكامل، وفرنسي وليس فرنسياً بالكامل، وإسباني من امتداداته العائلية وليس إسبانياً بالكامل. ألبير كامو كان هذا الكل المتشابك في شخص واحد؛ هويات متداخلة ومتعددة تتصارع في ظل هيمنة استعمارية لها جاذبياتها الثقافية واللغوية ومحو كل ما يخالفها.

يضاف إلى هذه الحساسية التاريخية التي تشكل الخلفية المخفية للنص والتي تستيقظ حتماً أثناء الترجمة، الوضع العربي المتوحش في الترجمة «كل واحد يفعل ما يريد»، في غياب أية رقابة حقيقية.
ترجمت الكثير من رواياته إلى اللغة العربية العديد من المرات، دون أية رقابة أو حقوق، يضاف إلى ذلك أن الترجمات لم تأت برغبة ثقافية عميقة، ولكن استجابة لسوق كانت في فترة من الفترات، في حاجة إلى ملء النقص في فكر وإبداع وجوديين اجتاحا العالم، بالخصوص مع مد الفلسفة الوجودية السارترية. المشكلة هي أن القسم الكبير من هذه الترجمات لم تكن جادة. قراءة بسيطة لها تظهر لنا نقاط ضعفها ومزالقها الكبيرة، وهو ما يجعل جيلاً بكامله يتربى على الخطأ. الحذر من الترجمات التجارية المتسرعة أكثر من واجب في سياق البحث عن الأمانة الترجمية. نتفاجأ أحياناً متسائلين: لماذا هذا الضجيج كله حول كاتب معين دون غيره؟ وعندما نعيد قراءة رواياته في أصلها إذا تملكنا اللغة الفرنسية، بترجمة مسؤولة وجادة، نجد أن النص يرتقي عالياً، وأن الكاتب يستحق الاهتمام الذي خُصَّ به.
روايات ألبير كامو فصلت عن سياقاتها أثناء الترجمة، تعرضت لهذه الممارسات التي كسرت مساراتها إما لكونها ترجمات ناقصة أو أن الكثير من الجمل ترجمت بشكل غير مقبول، كل ما يقال عنها أنها متسرعة دون استقصاء لتلك الأرضية القاسية التي تولد منها النص. ما الذي جعل روايته «الغريب» نصه المرجعي في الكتابة الروائية؟ ما الذي جعل روايته «الطاعون» يعاد نشرها عالمياً وترجمتها عربياً. حتماً، ليست القيمة الأدبية هي الفاعل الأساسي، ولكن وباء كوفيد أعادها إلى الواجهة. كنا نقرأ عن الأوبئة كمادة تاريخية وكأننا في منأى عنها. وها نحن نعيش المرحلة ونصبح جزءاً من مكوناتها ومن ضحاياها أيضاً. ستكون الترجمة ممزوجة مليئة بأحاسيس اللحظة التاريخية التي نعيشها تماماً مثل الحساسية التاريخية. فقد وصف عبد الرحمن ابن خلدون في [مقدمته] كيف أن الكثير من المدن العربية جاء عليها الطاعون، فمسح سكانها.
ومثلما كان الطلب على الرواية كبيراً عربياً، كان كذلك عالميا.ً فبمجرد خروجه إلى الحياة، تسابق نحوه القراء وشكل ثالث أعلى مبيعات الناشر دار غاليمار الفرنسية بعد [الأمير الصغير] لأنطوان دو سانت- إكزيبوري، ورواية [الغريب] لكامو. ومع انتشار وباء كوفيد 19، في 2020، أعيد بعث الرواية من جديد في أوروبا، في فرنسا وإيطاليا على وجه الخصوص. فكانت هذه الترجمة التي جاءت بوصفها جزءاً من مشروع واسع متعلق بترجمة روايات ألبير كامو، الذي ولد بالجزائر وعاش جزءاً مهماً من حياته في أحيائها الشعبية الفقيرة مثل حي بلكور، قبل الشهرة والذهاب إلى فرنسا في فترة الحرب العالمية الثانية والاستقرار بها. وفي عز حرب الجزائر في الخمسينيات، ظل ألبير كامو بلا صوت فاعل. وكل ما قام به لم يتخطّ العتبات التي وضعتها الكولونيالية، سواء في «الغريب» أو حتى في الطاعون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية