العلامة الموريتاني المختار ولد أباه محاضرا حول ترجمة معاني القرآن:
الرباط ـ “القدس العربي” من منتصر حمادة ترجمة معاني القرآن هو آخر أنشطة منتدي الحكمة للمفكرين والباحثين، من خلال محاضرة ألقاها العلامة الموريتاني المختار ولد اباه، وذلك زوال يوم السبت 27/5/2006 بمقر المنتدي بالرباط. ويأتي هذا النشاط العلمي بعد أنشطة سابقة تطرقت للمواضيع التالية: روح الحداثة وحق الابداع، سؤال الجمال، نحن والتحديات الفكرية، مشروع تأسيسي معاصر للبنيان والعمران، الآيات القرآنية والقراءات الحداثية، اشكالية العلاقة بين الفكري والسياسي.
افتتح الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن (رئيس المنتدي) الجلسة الأخيرة بالتوقف عند خصلتين لصيقتين بالمختار ولد اباه، وهما الموسوعية في العلم والأصلية في الأخلاق. فالرجل كرس حياته لخدمة علوم الدين والفكر الاسلامي وعلوم العربية وآدابها بعد أن حصل علي تكوين متعدد الأوصاف في موريتانيا والسينغال والمغرب وفرنسا، ومتعدد المستويات، عندما أنهاه بدكتوراه من جامعة السوربون، مضيفا أن أعماله تَميَّزت بروح التحقيق العلمي الخالص والأصالة في الأخلاق.
ومن مؤلفات المحاضر، نجد مثلا في باب علوم القرآن: تاريخ القراءات في الشرق والغرب، و ملامح في قراءات أهل المدينة و ترجمة معاني القرآن الي الفرنسية، وضمن مؤلفاته في علوم الحديث، نقرأ محاضرات حول مصطلح الحديث ومؤلفات في السيرة بالعربية والفرنسية، بالاضافة الي مؤلفات في الفقه (منها كتاب أصول الفقه المالكي وتطوره في موريتانيا ) وفي النحو والشعر ( تاريخ النحو العربي، رحلة مع الشعر العربي، الشعر والشعراء في موريتانيا ). ونتذكر جيدا أنه في عز أزمة الرسوم الكاريكاتورية سيئة الذكر، نشرت يومية الشرق الأوسط ترجمة لقصيدة من أعظم منك يا محمد؟
، وهو نص جميل ينضج بمحبة وتقدير للرسول الكريم للشاعر الفرنسي الكبير الفونس دا لامارتين، أحد اشهر شعراء فرنسا في القرن التاسع عشر، وقد أنجز ترجمة هذا النص الجميل ضيف هذه المحاضرة الكريمة. توقف المحاضر أولا عند أهم الدوافع التي تقف وراء تحرير عمله الموسوم بـ ترجمة معاني القرآن للغة الفرنسية، موجزا اياها في عاملين اثنين: أولهما الرغبة في الاسهام في تبليغ الخطاب الالهي الي الناطقين باللغة الفرنسية الذين لم تُتَح لهم فرصة التعليم باللغة العربية، مؤكدا في هذا الصدد أن الأمر لا يتعلق بترجمة جديدة، خاصة وأننا نطلع سلفا علي عشرات الترجمات التي أنجرت لمعاني القرآن بالفرنسية.
أما الدافع الثاني، فمرتبط بالرغبة في تصحيح بعض الأغلاط التي لاحظها المحاضر في بعض الترجمات، ويتعلق الأمر بأغلاط جاءت سهواً من المُترجم، كما قد تكون أيضا أخطاء متعمدة. وتعد الترجمة التي أنجزها ريجيس بلاشير أشهر هذه الترجمات علي الاطلاق، حتي أنها تكاد تكون مُعتمَدة لدي أكبر عدد من الجمهور الفرنسي، مؤاخذا عليه بالتحديد ترجمته لما اصطلح عيله بـ الآيات الشيطانية التي ألصقها بعض الغلاة بسورة النجم، وهي غير الواردة أصلا في القرآن الكريم، وعلي الرغم من أن ترجمته حفلت بالعديد من الهوامش التوضيحية، فان بلاشير، يضيف المحاضر، طبق الصمت بخصوص العروج علي الآيات الشيطانية اياها.
كما لاحظ المختار ولد اباه أن أغلب الترجمات تأثرت بشكل أو بآخر بما سبقها من أعمال، وكون الخيط الرابط بين هذه الترجمات يكمن في التعاطي مع فعل الترجمة كنوع من التفسير، وما دام القرآن يحتمل كثرة التفاسير التي تبرز بالتالي تنوع وغني القرآن، فانه اذا، يتحمل أكثر من ترجمة، وبَدَهي أنه ستبرز ترجمات أخري في الطريق. وبالنسبة للمنهج الذي تبناه المحاضر في ترجمة معاني القرآن، فيقوم علي اعتماد لغة عصرية، بالاعتماد علي أحدث المعاجم الفرنسية (روبير)، من منطلق أن الانتقال من لغة خالدة نحو لغة متطورة، هو تحد كبير، ولذلك فان كل ترجمة تبقي مؤقتة.
بالنسبة لأولي ترجمات معاني القرآن وتمت الي اللغة اللاتينية، فتعود الي القرن الثاني عشر، حيث أنجزت في عز الحروب الصليبية، حيث كان غرضها آنذاك استغلالها في الحروب ضد المسلمين، وقد ظلت سائدة طيلة خمسة قرون. ومع بداية القرن الثامن عشر، بدأت أول محاولة لترجمة القرآن الي الفرنسية علي يد رولان، حتي أن بلاشير قال عنه أنه ما أفرط في الدفاع عن الاسلام.
من باب تخلق المحاضر بفضيلة التواضع، سوف يصر المختار ولد اباه علي عدم تقزيمه لأغلب هذه الأعمال، لولا أنه في المقابل يُبدِي بعض الملاحظات النقدية المفروض أن نأخذها بعين الاعتبار في معرض تلقي الترجمات التي أنجزت لمعاني القرآن الكريم، وفي مقدمة هذه الملاحظات، ضرورة استيعاب المترجم للغة التي يريد أن يُترجِم لها، حتي أنه شبَّهّ مُهمَّة الترجمة ببعض عمليات زرع الأعضاء، ومعلوم أنه يستحيل زرع أعضاء دون أن نأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الضوابط المرتبطة بكل عملية، مرتبطة بمجموعة من الخصائص والبصمات اللصيقة بكل انسان، واذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون الحال مع اللغة، التي تملك بصمات خاصة بها، لا يمكن بالضوررة أن تكون متوفرة لغة أخري، ناهيك عن كون القرآن نصا الهيا صرفا.
ملاحظة تتقاطع مع ما أشار اليه طه عبد الرحمن في تمهيد المحاضرة، من أن معاني القرآن لا نفاد لها وأن هذا الوصف للقرآن هو سر اعجازه، مما يوجب النهوض باعادة ترجمة معاني القرآن بلا ملل ولا انقطاع، لأن اللغات متغيرة وفانية، وهو باق وأزلي. وكل واحدة من هذه اللغات مطالبة بأن تنقل جانبا من هذه المعاني المعجزة. من خصائص اللغة أيضا، والتقييم هذه المرة للمختار ولد اباه، ارتباطها الوثيق بمحطيها الحضري، فمدلولات الألفاظ تختلف من محيط حضري الي آخر، وقد توقف المحاضر عند اختلاف هذه المدلولات مع نماذج الشمس والقمر والظل. وعلي صعيد آخر، نجد مجموعة من الألفاظ والمفردات التي يستحيل ترجمتها، ويتعلق الأمر خصوصا بما يعرف بالمُتَشَابِه أو فواتح السور، ومن سخافة بعض المستشرقين أن اعتبروا مفاتيح السور كونها تشير الي نسخ خاصة من القرآن توجد لدي بعض الصحابة الكرام!
كما أشار ولد اباه الي استحالة، ترجمة الأسلوب القرآني، وان كان مُمكِنا ترجمة الشعر بالشعر والنثر بالنثر، فان المسألة تختلف بالكلية عندما ترتبط بآيات نزلت من السماء، ويكفي أن نستحضر صعوبة، ان لم نقل استحالة ترجمة ألفاظ ذات مدلولات دينية كالصلاة والزكاة وأسماء الله الحسني الي مفردات مقابلة لغات أخري. واجمالا، وهذه اشارة أجمعت عليها مداخلات الحضور في التعقيب، لا يصح الحديث عن ترجمة القرآن، بقدر ما نتحدث عن ترجمة معاني القران، وهذا عين عنوان كتاب المختار ولد اباه.
وجب التذكير في الأخير الي أن ترجمة المحاضر اعتمدتها وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية هنا في المغرب (برواية ورش)، عبر نشرها في موقعها علي شبكة الانترنت، كما اعتمدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (رواية حفص).