ترجمة النصوص الفلسفية شبيهة بمغامرة عوليس!
الباحث والمترجم المغربي الدكتور عز الدين الخطابي:ترجمة النصوص الفلسفية شبيهة بمغامرة عوليس!الرياط ـ القدس العربي : إن عملية الترجمة لا تقتصر علي النقل (نقل فكر لغة إلي لغة أخري)، بل تساهم في خلخلة الثقافة المتلقية وتؤدي إلي طرح أسئلة جديدة، متحررة من معطف الثقافة المانحة.إن فعل الكينونة ˆtre Estin الإغريقية) هو الذي انبنت عليه قضايا الأنطولوجيا الغربية، في حين ظل هذا الفعل مضمرا علي مستوي صياغة قضايانا الأنطولوجية والفكرية بشكل عام.هامش تحرك المترجم يكون أضيق من هامش تحرك المؤلف، لأنه يتعامل مع نص قائم بذاته، يفترض نقله بأقل الخيانات الممكنة.إن النص الخاضع للترجمة محظوظ، كيفما كان مستوي ترجمته، أما النص الذي لايجد من يترجمه، فانه يظل في وضعية حداد. في زمن بيت الحكمة شكلت الترجمة قاطرة بناء الفضاء الثقافي العربي في أقوي لحظاته، فقد بدأ الكندي مترجما وانتهي فيلسوفا، هل لا زال بالإمكان الرهان علي الترجمة لتحقيق طفرة ثقافية مماثلة؟ في زمن بيت الحكمة تجلت الإرادة، بالمعني المحدد من طرف الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر M.Heidegger، كتعبير عن روح الشعب. فقد تجلت الإرادة السياسية في شخص المأمون وفي الدولة العباسية التي مهدت الطريق أمام عملية الترجمة وبوأت المترجمين مكانة هامة. كما تجسدت كإرادة روحية عبر فعالية المثقفين في تلك الفترة (أدباء ومتكلمين وفلاسفة الخ…). والنتيجة، هي حصول ذلك التلاقح الثقافي الذي ازدهر من خلاله الفكر العربي الإسلامي عبر نهله من مختلف الثقافات (اغريقية وفارسية وهندية الخ…). والأمر الهام، هو أن عملية الترجمة لم تقتصر علي النقل (نقل فكر لغة إلي لغة أخري)، بل ساهمت في خلخلة الثقافة المتلقية وأدت الي طرح أسئلة جديدة، متحررة من معطف الثقافة المانحة. ولولا ذلك لما كان للفكر العربي الإسلامي ذلك الإشعاع الذي عرفه في العصر الوسيط، ولما ترجمت أعمال مفكرينا إلي اللاتينية، كي يستثمرها مفكرو الغرب؛ فلو كانت هذه الأعمال مجرد نقل للتراث الإغريقي ـ كما أعلن ذلك، الموقف الاستشراقي المتحيز لمركزيته الغربية ـ لما تم استثمارها من طرف المفكرين الأروبيين، ولكان هؤلاء قد اختصروا الطريق ونهلوا مباشرة من فكر الإغريق، دونما حاجة الي شروحات وتعليقات ابن رشد او ابن سينا ولا الي اجتهادات الرازي او ابن الهيثم علي سبيل المثال.ان هذه التجربة المتميزة هي عبارة عن درس، يتعين علينا أن نستخلص منه ما يلي: ـ أولا: لقد كانت الترجمة ولا زالت، اداة للتفاعل بين الثقافات واللغات. ومن هنا تبرز أهميتها في عصرنا الذي يحمل شعار: حوار الثقافات والحضارات .ـ ثانيا: إن هذا التفاعل بين اللغات والثقافات، سيجعل من الترجمة محركا للصيرورة الفكرية واللغوية ومساهما في إنجاز ما سميته بـ الطفرة الثقافية . فالترجمة ليست مجرد نقل، بل هي حوار ونقاش بين أطراف قد تكون متباينة الرؤي والأحكام، لذلك فهي تعتبر ضرورية في هذه المرحلة من مسار ثقافتنا وفكرنا. إذا كانت اللغة مسكن الوجود حسب التعبير الهيدغري، فإلي أي حد يمكن الاعتقاد بقدرة المترجم علي التحرر من حمولة لغته الثقافية والاجتماعية والنفسية لضمان نقل أمين للنص المترجم؟ تذكرني هذه الإحالة علي هيدغر، بفكرته حول الترجمة والتي لخصها صديقه جان بوفري في مقدمة كتاب أبحاث ومحاضرات بقوله: إن الترجمة هي مثول امام…Traduire، c’est se traduire devant . وبالفعل، فالأمر يتعلق بحوار بين اللغات والثقافات، أي بتواصل. لكن المشكلة الأساسية تتمثل في مدي قدرة لغة المترجم علي نقل معاني ودلالات اللغة المترجمة. وهي ليست مشكلة لسانية فحسب، بل أيضا مشكلة فكرية. فغياب الرابطة الحملية في اللغة العربية مثلا، كان له تأثير كبير علي البحث الأنطولوجي العربي الإسلامي. لأن فعل الكينونة ˆtre (Estin الإغريقية) هو الذي انبنت عليه قضايا الأنطولوجيا الغربية، في حين ظل هذا الفعل مضمرا علي مستوي صياغة قضايانا الأنطولوجية والفكرية بشكل عام.وهنا يظهر أمامنا المثل الإيطالي الشهير: Traduore tradiore، أي الترجمة خيانة. فهل يتعلق الأمر بتصور قدحي او تشهيري لفعل الترجمة؟ لا نعتقد ذلك، لسببين علي الأقل:ـ أولهما: أن كل ترجمة هي تأويل. ونحن نعلم أن كل ملفوظ يتضمن معاني متعددة، لذلك لا يمكن أن يستقر فهم المتلقين لنص معين علي معني واحد. وهو ما يفسر اختلاف الترجمات وتباينها بخصوص عمل ما.ـ ثانيهما: أن المترجم لا يمكنه ان يتحرر من السياقات المحددة لفعاليته اللسانية والحجاجية والفكرية، وهي سياقات لا تتلاءم بالضرورة مع مقتضيات النص المترجم وسياقات إنتاجه.لذلك، فإن العلاقة بين النص الأصلي والنص المترجم، كما يقول المفكر الفرنسي الراحل جاك دريدا J. Derrida، ليست عبارة عن إعادة إنتاج، لأن الترجمة ليست صورة ولا نسخة.وبدون الخوض في مناقشة أطروحة المفكر المغربي طه عبد الرحمن، حول أفضلية الترجمة التأصيلية في الفلسفة، علي الترجمتين التحصيلية والتوصيلية، لا بأس من الإشارة الي أن كل ترجمة هي تأويل وأننا كما يقول المفكر الفرنسي بول ريكور Paul Ricoeur، بإمكاننا دوما قول نفس الشيء بطريقة أخري، وذلك هو أساس عمل المترجم. إلي جانب أعمالكم في الترجمة قمتم بتأليف مجموعة من الكتب، فما هي خصوصية إنتاج كتاب مترجم مقارنة بتأليف كتاب خاص أم أن الأمر سيان من منطلق أن ترجمة كتاب هي بمثابة إعادة كتابته؟ من الناحية الصورية، يبدو وكأن ترجمة كتاب ما، تخضع لنفس معايير تأليفه. وأقصد بذلك، وجود مسؤولية أخلاقية وحقوقية والالتزام بمحددات أسلوبية وبتراكيب لغوية والقيام باجتهادات وتأويلات واستحضار سياقات معينة.لكن الممارس للعمليتين (عملية الترجمة وعملية التأليف) يدرك الاختلاف بينهما. فهامش تحرك المترجم يكون أضيق من هامش تحرك المؤلف، لأنه يتعامل مع نص قائم بذاته، يفترض نقله بأقل الخيانات الممكنة.كما أن حرية المترجم تكون مقيدة، بحيث لا يمكنه مثلا إصدار أحكامه علي النص المترجم، اللهم إلا ما قد يبثه من ملاحظات في التقديم أو في بعض الهوامش. أضف الي ذلك، أن بعض التراكيب والصيغ والمفاهيم القائمة بالنص الأصلي، تفرض عليك تطويع لغتك وإخضاعها لمقتضيات هذا النص. وهنا تطرح مسألة عدم قابلية بعض النصوص للترجمة، وتلك قضية أخري. اشتغلتم علي ترجمة نصوص عديدة تغطي مختلف جوانب العلوم الإنسانية، لكن أغلب اشتغالكم انصب علي النص الفلسفي خصوصا في نسخته المعاصرة، فما هي دواعي هذا التوجه؟ وما هي خصوصية ترجمة نصوص فلسفية تتميز بصعوبة التناول حتي في لغتها الأصلية؟ إن الإهتمام بترجمة نصوص فلسفية معاصرة ينبع من ثلاثة مقتضيات علي الأقل ـ أولها: ندرة المؤلفات الفلسفية المترجمة الي اللغة العربية، وما يستتبع ذلك من اطلاع محدود للقاريء العربي علي مستجدات الأبحاث الفلسفية المعاصرة. وعلي سبيل المثال: كم عدد مؤلفات جاك دريدا، المترجمة الي اللغة العربية؟ علما بأن ما أنتجه هذا المفكر يفوق الثمانين مؤلفا. والجواب، هو وجود ترجمات لا تتعدي أصابع اليد الواحدة وينطبق نفس الأمر علي فلاسفة ومفكرين ذوي إنتاجات غزيرة وهامة مثل: هابر ماس ولفيناس ودولوز ورورتي وغيرهم.ـ ثانيها: أن مواضيع الفلسفة المعاصرة متنوعة وغنية، فهي تهم قضايا الفلسفة الأخلاقية والسياسية والجمالية واللغوية والمعرفيةCognitive الخ… وما أحوج خزاناتنا ومكتباتنا لمؤلفات تتطرق لهذه المواضيع، خصوصا في زمن العولمة الثقافية وتطور وسائل الاتصال عن بعد.ـ ثالثها: أن سلاح المعرفة أصبح ضروريا لمخاطبة الآخر المختلف. وتشكل المعرفة الفلسفية في جوانبها السياسية والأخلاقية علي الخصوص، عنصرا أساسيا لتفعيل الحوار. ما دام النقاش القائم حاليا، علي المستوي الكوني يهم قضايا الحق والعدالة والديموقراطية الخ…فكيف يمكننا التحاور بشأن هذه القضايا، ما دمنا غير مطلعين بما فيه الكفاية علي وجهات نظر الآخر، ونقصد به تحديدا الغرب.بطبيعة الحال، فان هذه النصوص تتفاوت من حيث عمقها وصعوبتها، لكنني أقول دائما إن عملية ترجمتها شبيهة بمغامرة عوليس Ulye، فهي مضنية، لكن عناء السفر يتوج بمتعة الاكتشاف وفرصة اللقاء. علي المستوي اللغوي عرفتم بترجمة نصوص من الفرنسية إلي العربية، لكن الفلاسفة الذين اشتغلتم علي نصوصهم لم يكونوا بالضرورة جميعهم فرنسيين، مما يعني أنكم كثيرا ما تترجمون نصوصا مترجمة وليست أصلية. ألا يسهم هذا من وجهة نظركم في إرباك مضمون النص الأصلي؟ من بين أكثر من عشرة أعمال مترجمة، هناك استثناء واحد يتمثل في ترجمة نصوص لهابرماس حول هيدغر، اخترت لها كعنوان هيدغر والنازية، التأويل الفلسفي والالتزام السياسي . ويمكن أن نضيف إليها ثلاثة نصوص متفرقة لحنا آرندت وكارل بوبر وكانط ضمن مؤلف في الترجمة والفلسفة السياسية والأخلاقية الذي يتضمن ثلاثة عشر نصا. أما ما عدا ذلك، فان النصوص الأخري هي لفلاسفة ومفكرين فرنسيين مثل: دريدا، شاتلي، دولوز، ريكور، لفيناس الخ… طبعا، هذا لا يعني أن عملية الترجمة تكون اسهل في هذه الحالة لأن نصوص هؤلاء المفكرين الذين ذكرتهم، تتسم في أغلبها بالتعقيد ويصعب اختراقها.وأتفق معك، علي أن الترجمة من الدرجة الثانية أو ترجمة نص مترجم أصلا، قد تربك مضمون النص الأصلي وقد تكرس انغلاقه وسوء فهمه، وهو ما يحدث مرارا مع النصوص الألمانية المنقولة الي الفرنسية والمترجمة من هذه الأخيرة الي العربية (نصوص نيتشه وهايدجر مثلا).لكن، ما سيخفف من واقع هذا الحكم، هو كون الترجمة عبارة عن تأويل في آخر المطاف، لذلك فإن بإمكان النص المترجم أن يقال بصيغ مختلفة. وهناك مسألة اخري، أود إضافتها، وهي مستعارة من دريدا، ومفادها ان النص الخاضع للترجمة محظوظ، كيفما كان مستوي ترجمته، أما النص الذي لا يجد من يترجمه، فانه يظل في وضعية حداد. ساهمتم بشكل كبير في إغناء مجال الترجمة في المغرب سواء من خلال أعمالكم الفردية أو الثنائية أو الجماعية، كما تعاملتم مع ناشرين مغاربة وأجانب عرب بالأساس، فما مدي تقييمكم لتجارب النشر في مجال الترجمة بالمغرب والعالم العربي عموما؟ إن التجربة الوحيدة في مجال النشر خارج المغرب تمت مع دار الساقي،وهي تجربة غنية ومفيدة من جميع الأوجه. وقد كان من المقرر أن يصدر لي عمل مترجم ومشترك بدار المدي، تحت عنوان الشرق القديم ونحن (حول ميلاد الفكر واللغة لدي الأشوريين والبابليين والفرس والإغريق والعبرانيين)؛ لكن الي حد الآن ما زالت هناك شكوك تحوم حول هذه الإمكانية.التقاه: محمد فاضل رضوان0