كتاب جديد عن إبراهيم ناجي الشاعر الطبيب: القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني أصدر المجلس الاعلى للثقافة كتابا جديدا عن الشاعر ابراهيم ناجي احد اعلام الرومانسية المصرية في القرن الماضي، يمثل جماع أبحاث الاحتفالية الموسعة بمشروعه الشعري. شارك بأبحاث في هذا الكتاب عدد كبير من الباحثين والشعراء بينهم: الدكتورة سامية محرز حفيدة الشاعر ابراهيم ناجي والدكتور محمد فتوح احمد، الدكتورة كاميليا صبحي والدكتور احمد درويش والدكتور طه وادي والدكتور فتح الله سليمان والدكتور محمد عناني.
ورقة الدكتورة كاميليا صبحي جاءت حول ترجمة ديوان ‘ازهار الشر’ بين ناجي وبودلير وهي الترجمة التي قدمها ناجي للمكتبة العربية في وقت مبكر عن ‘رابطة الادب الحديث’ عام 1954 وكان ناجي قد رحل قبلها بعام واحد، وقد ترجم حوالي ثلث القصائد التي يحويها الديوان في طبعته الاولى الصادرة عام 1857 والتي اثارت ضجة كان من اهم نتائجها ـ حسب كاميليا ـ صدور حكم بالسجن شهرين على بودلير بتهمة اختراقه الآداب العامة، وهو الامر الذي اضطره الى حذف القصائد التي تسببت في اثارة هذه الضجة واضافة قصائد جديدة بدلا منها لتصدر في طبعة جديدة عام 1861. وتقول كاميليا صبحي اننا اذا تأملنا شخصية ناجي طبقا لما كتبه مصطفى عبد اللطيف السحرتي في الاصدار نفسه لادركنا مدى تباين شخصية ناجي قياسا الى بودلير، حيث كان بودلير متحررا الى درجة الجموح واحداث الصدمات وكان ناجي متحررا ايضا على المستوى الفكري، ولكن طبيعة المجتمع في ذلك الحين حالت دون كتابته هذه الآراء بحرية، حتى انه كما يقول السحرتي كان يكتب ويحاسب نفسه على ما يكتب قبل ان يحاسبه الرقيب الحديدي الذي ينام ولا تنام معه الرقابة الصارمة العنيفة، التي تئد الفكر بأغلال ثقيلة مرهقة.
وتتساءل كامليا: هل اراد ناجي خرق هذا الحصار والتمرد عليه وعلى ذاته مستخدما قناع الترجمة ليقدم ديوانا يتناقض تماما مع ما ألفه، ويعيد انتاج صور ومعان احبها وتفاعل معها وتمنى لو انه ابدعها ولكنه خشي من اثرها واشفق على نفسه من تحمل النتائج؟ ام انه ـ على العكس من هذا ـ ما اراد من الترجمة الا ابراز شطط بودلير ـ من وجهة نظره ـ وانحرافه النفسي والسلوكي؟
واضافت كاميليا صبحي متسائلة عما اذا كانت فرنسية ناجي قد مكنته من نقل الشعر نقلا لا يخل بمعنى ولا ينتقص من خيال، خاصة مع ساحر يصنع باللغة والخيال ما يشاء مثل بودلير؟ وهل افاد ناجي المترجم من ناجي الشاعر خلال نقله الأبيات الى اللغة العربية؟
وقد طرحت كاميليا بعض الفروق في ترجمة ناجي عبر خمس قصائد قدمتها بترجمة حديثة هي ‘الملاحون’، ‘الحياة الاولى’، ‘جلال امرأة’، ‘خمر القاتل’، ‘الجمال’ وقد حاولت كاميليا رصد الفروق والاخطاء التي وقع فيها ناجي وكانت اكثر ميلا كما اتضح الى حرفية الترجمة، بينما ناجي كان صاحب مخيلة اوسع واعمق في نقله، الا ان الدكتور محمد فتوح احمد كان اكثر ميلا لترجمة محمد امين حسونة لـ ‘ازهار الشر’ واعتبرها ترجمة اكثر دقة من ترجمة ابراهيم ناجي، الذي تم التعامل معه باعتباره احد هواة الترجمة وليس احد محترفيها.
اما الدكتور احمد درويش فقد تناول درجات تماسك البناء الشعري عند ابراهيم ناجي واشار في البداية الى ان الانتاج الشعري لديه يعكس كثيرا من مظاهر التطور في الشعر العربي في الربع الثاني من القرن العشرين، وذلك من خلال تجسيده لكثير من السمات الفنية التي شكلت جسرا وسطا بين ملامح حركة الاحياء في الربع الاول في القرن وملامح حركة شعر التفعيلة وما بينهما من حركات التجديد الاخرى في النصف الثاني منه.
واضاف درويش ان الانتاج الشعري لناجي في جملته يضم خمسة دواوين هي ‘وراء الغمام’، ‘ليالي القاهرة’، ‘الطائر الجريح’، ‘قصائد من ديوان ناجي’، ‘قصائد مجهولة’ وتحتوي هذه الدواوين على نحو ثلاثمئة قصيدة ومقطع، ويرصد درويش ان القصــائد القصيرة والمقطوعات تغلب على شعر ناجي حتى ان نسبتها تتجاوز نصف ما كتب. كما يلاحظ وجود تطور تاريخي داخل انتاج ناجي نفسه يزداد سعة كلما تدرجنا مع دواوين ناجي.
وقد حاول درويش رصد تأثير هذا الملمح في شعر ناجي واعتبر ان نظام المقطعات يعكس بعض الملامح الخاصة في شعر ناجي بل ربما اعتبره احد ملامح هذا التطور في رؤيته للشعر ونقل عن طه حسين وصفه لناجي بأنه ليس شاعرا شامخا مثل علي محمود طه، فقد وصفه بانه طائر لا يحط على الاشجار السامقة في الحديقة بل يحط على الازهار الرقيقة الصغيرة، ووصفه ايضا بأن شعره يشبه موسيقى الغرفة حسب الوصف الاوروبي، ورغم ان هذه الاوصاف لم تكن تمثل احكام قيمة سلبية على ناجي الا انها اغضبته كثيرا ودعته الى الرد على طه حسين وكل الذين وجهوا اليه انتقادات من هذا النوع.
اما الدكتور طه وادي فقد قدم اطروحة حول ‘الرومانسية وموسيقى الشعر لدى ناجي في ديوانه (الطائر الجريح)’، واعتبر وادي في البداية ان الرومانسية في شعرنا الحديث (1914 ـ 1952) تمثل انعطافة ادبية مهمة لانها فتحت بقوة ابواب التجديد في الشعر العربي المعاصر، وأشار الى ان الرومانسيين ربطوا الشعر بالغناء والموسيقى على اعتبار ان الموسيقى اشد الفنون تأثيرا في النفس وتعبيرا عن اعماق الحياة العاطفية. وهذا يعني ارتباط المعنى بالايقاع، لان استخدام اللغة موزونة في الشعر يعني انه يستخدم لغة متمايزة وانت اذ تنثر بيتا من الشعر تفرغه من كثير من دلالاته وايحاءاته الفنية.
ويرصد طه وادي ان ناجي كان اميل الى استخدام البحور الصافية فقد استخدم الكامل في سبعين قصيدة والرمل في اربع وثلاثين قصيدة واستخدم البحور المركبة في نطاق ضيق مثل السريع والمنسرح والمجتث. ويرصد وادي ايضا قيام ناجي باستبدال وحدة المقطع بالبيت المفرد من اجل تحقيق وحدة عضوية للقصيدة وقد استوحى ذلك من الموشح أو السوناتا وكذلك وجود بل شيوع ظاهرة التدوير حيث اتصال الكلمات املائيا بين شطري البيت الواحد وهو ما يشي بوحدة المعنى والنغم في آن واحد.
ويشير طه وادي الى علاقة الموسيقى بشعر الطبيعة حيث ابتعد الرومانسيون عن اللغة المعجمية ومالوا الى توظيف معجم لغوي اقرب الى لغة الحياة المعاصرة. ويقول وادي ان ظاهرة تجديد موسيقى الشعر هي تعبير عن رغبة صادقة في تجديد الصيغة الشعرية وتجاوز ما كان يعرف بتقاليد عمود الشعر العربي من اجل غد افضل للشعر والانسان العربي هروبا من ضيق التقليد والمحافظة وسعيا نحو افق بعيد يفتح المجال واسعا لكافة عناصر تجـديد الحياة والثقافة اما الجلسة الثانية فكانت للدكتور كمال نشأت ويوسف نوفل وبهاء جاهين وماهر شفيق فريد الذين تناولوا اعمال ناجي من زوايا مختلفة. فقد تناولها كمال نشأت من جانبها الوجداني الذي جسده الحب فقط في اغلب الاحوال، وقد كان حبا قلقا عنيفا لانه كان من طرف واحد في اغلب الاحوال فلم يكن ناجي ـ حسبما نعرف ـ وسيما بحيث يكون محط اهتمام النساء، ويرصد نشأت ان حبه الأول كان يتوزع بين الحب بمعناه الرومانسي وحب الطبيعة بصفة عامة كما عرفها شعراء الانكـليزية. وقد احصى نشــأت صورا لناجي تتــكرر بذاتهـــا وتدل على حساسية رومانسية من مظاهرها ان اوهامه في تجربة الحب اكبر من واقعيته وان اخفاق التجربة يرجع عادة الى القدر. ويرصد نشأت مدى ملاءمـة الاوزان التي اختارها ناجي لنوعية التجـربة كإيقاع خــــارجي، ووحدة القصيدة من ناحية المعمار الشعري والوحدة النفسية وانسيابية التعبير.
اما الدكتور يوسف نوفل فقد تناول عناصر التجربة الشعـرية في ديوان ‘الطائر الجريح’ وهو ذات الموضوع الذي تناوله الدكـتور طه وادي في ورقته في الجلسة الاولى، بينما تناول الشاعر بهاء جاهين ترجمة ناجي الشعرية لـ ‘قبرة’ شيللي كنموذج على ترجماته عن اللغات الاجنبية.
اما الدكتور ماهر شفيق فريد فقد تناول ذات الظاهرة بتوسع اكبر، حيث تناول ترجمة ناجي لشيللي وتوماس مور وكتابا مخطوطا لم ير النور هو ‘أهازيج شكسبير’ وترجم من الاثار الالمانية ‘دعاء الراعي’ لهايني وبعضا من شعر غوته ومن الآثار الايطالية مسرحية ‘الموت في اجازة’ ومن الآداب الروسية رواية ديستويفسكي ‘الجريمة والعقاب’. كما ضم كتابه ‘مدينة الاحلام’ مجموعة من القصص المؤلفة والمترجمة، هذا فضلا عن ترجمة ناجي الكثير من المقالات والمقدمات التي نشرت في مجلة ‘ابوللو’، غير ان ماهر شفيق فريد يعتبر ان ناجي شاعر في المحل الاول وان مسألة الترجمة حادث عرضي في حياته، ولا يقيم لذلك وزنا كبيرا لترجماته ويرى ان اهم تجليات علاقته بالتراث الغربي هو افادته من ذلك في شعره، ويرى ان سوناتات شكسبير هي المفتاح الذي عمله كي يلج ابواب قلب الشاعر. هذا الى جانب إلمامه بالكثير من كلاسيكيات الأدب الغربي مثل بوب وجين اوستن وفيلدنغ في القرن الثامن عشر وهو ما هداه الى شعرية المدرسة الرومانسية الرمزية.