■ يتمتع محمد النجومي بقوة بصر أسطورية غير عادية، ونتيجة لقوة بصره فهو يتمكن من إصابة أي هدف ينوي استهدافه، وفي مرة وضع عظمة بيضاء، بحجم راحة اليد، على جدار مبني من الطين، وأطلق من بندقية قديمة جدا، رصاصة على تلك العظمة، من مسافة مئة خطوة، فأصابها، ثم أطلق ثانية عليها، فاخترقت رصاصته حدود الثقب السابق. هذا التصويب الدقيق، يستحيل تحقيقه على اليد البشرية، فلو ثبتت البندقية على قضبان حديد بإحكام، وأطلقت مرتين فستصل الثانية إلى موضع الأولى لكنها لن تمر في حدودها قط.
كنت قرأت قصة زرقاء اليمامة وكانت امرأة، تتمتع برؤية قوية، حسب المصادر العربية، تمكنها من رؤية المرء القادم أمامها راكبا على ناقة بوضوح من بعد ثلاثة أيام، إن وقفت في أرض مستوية، ثم يزداد بصرها حدة، إن وقفت على تل أو جبل حتى لتكاد ترى بجلاء صاف ما هو على بعد أكثر من عشرة أيام، أي ما بين مئة إلى مئة وخمسين كم، وهذا ما لا يتمكن من تحقيقه أقوى المناظير الموجودة.
هناك شيء من الشك يوسوس في صدري عن قوة بصر زرقاء اليمامة، ربما يكون في خبر الناقل العربي شيء من المبالغة، ورثناها منذ أزمان سحيقة، لكن ما ذكره تشارلز دوتي في كتابه «ترحال في صحراء الجزيرة العربية» شيء يتجاوز قدرة زرقاء اليمامة، وقوة نظرها، فهذا الرجل يستطيع رؤية النجوم خلال النهار، ومن طبيعة العربي في الريف، أن يرقد ليلا مواجها للسماء، يتمتع بسوادها وزركشة نجومها وكواكبها المدهشة، قبل وبعد (1876) وقت رحلته إلى الجزيرة العربية.
ذلك شيء طبيعي، أما أن يتمكن من رؤية النجوم في النهار، فتلك قوة بصر إسطورية بحق. ولكي يتأكد المؤلف من دقة النجومي سأله: ألم تر شيئا غريبا في حركة وسكون بعض النجوم، أجاب النجومي، أنه في بعض الأحيان رأى ثلاثة أو أربعة نجوم صغيرة تدور حول واحد من النجوم الجوالة، «المشتري وأقماره».
يعلق تشارلز على ذلك تعليقا علميا: لو كانت تلك الرؤية متوفرة لرواد علماء الفلك الأوائل من الأوروبيين لما انتظرت الأجيال اختراع تلسكوب جاليلو جاليلي، لتسجيل حجر الأساس الأول لحقائق علم الفلك، إضافة إلى ذلك فالنجومي يستطيع أن يرى القمر دائما، حتى في طور المحاق، ثم أثناء اختلاطه بالبياض شيئا فشيئا، منقسما إلى أبيض وأسود. وحسب قول النجومي إن أخاه يستطيع ذلك، إضافة إلى عدد كبير من الناس. ويعلل بعض البدو قوة البصر تلك بأن الصحراء مفتوحة الأفق، فما أن يفتح الطفل عينيه حتى يسرح نظره إلى أبعد نقطة لا يصدها حائط، أو بناية، أو غابة، وباستمراره على الرؤية من دون عائق يزداد نظره قوة وتمكنا.
كتاب تشارلز دوتي «ترحال في صحراء الجزيرة العربية» سفر كبير من أربعة أجزاء، كل جزء أكثر من خمسمئة صفحة من الحجم الكبير، ومن الصعب جدا تلخيصه في مقالة واحدة، أو بضع مقالات.
يعلل بعض البدو قوة البصر بأن الصحراء مفتوحة الأفق، فما أن يفتح الطفل عينيه حتى يسرح نظره إلى أبعد نقطة لا يصدها حائط، أو بناية، أو غابة، وباستمراره على الرؤية من دون عائق يزداد نظره قوة وتمكنا.
بداية الرحلات
سجل القرن السادس عشر بداية رحلات الأوروبيين إلى البلاد العربية، وكانت مقدمة للحركة الإمبريالية التي شهدها العالم، على الرغم من أنها كانت لصالح هيئات علمية وأكاديمية وكنسية، ثم غدت نتائج هذه الرحلات مهمة، لأنها أسهمت في كشف كثير من المعلومات عن آثار الجزيرة العربية وتاريخها وحضارتها.
ميزة رحلة دوتي
جاب رحالة غربيون، ومغامرون، وجواسيس كثر الجزيرة العربية، دفعهم إلى ذلك قدم المعالم الأثرية، والحضارية والجيولوجية والطبوغرافية، وغرابة معيشة البدو في العيش في تلك الصحراء القاحلة الجدبة، لكن رحلة دوتي تختلف تمام الاختلاف عن بقية الرحلات، لأنها أولا تكلمت عن الظواهر الطبيعية، ولأنها ثانيا وصفت أخلاق الناس وتصرفاتهم وحلّلت نفسياتهم، وثالثا لم تغفل الاهتمام للأمر الصغير لصغره، أو عدم أهميته في عيون الآخرين، من حيوانات وطيور وحشرات، أما رابعا: فنقلت النقوش التي رآها في مدائن صالح، وغيرها من الأماكن الأثرية، التي لم يسبقه إليه أحد، خاصة حجر تيماء العظيم الذي بقي في البئر، حتى جرى البحث عنه بجهد من لحقه من الرحالة الذين قصدوه، وإخراجه، ونقله إلى متحف أوروبي، خامسا كشف دوتي عن نفسية أبية عظيمة يندر وجودها بين البشر، فهو لم يخضع للتهديد أو الإغراء، حين كان يجبر ويضغط عليه للتحول من المسيحية إلى الإسلام، من قبل بدو أميين أشبه بالوحوش، أو من قبل مثقفين، بل أصر على أن يبقى على دينه، ولقي ويلات عظيمة، وسرق جمله، وأغراضه، حتى نعاله، وأجبر على السير على رمال تتجاوز حرارتها ستين درجة، ما أجبره على الركوع بين خطوة وخطوة إلى غير ذلك.
بعض الرحلات السابقة
أوفد لويس الرابع عشر ملك فرنسا في عام 1717 لويس دارفيو إلى أمير البدو في صحراء سيناء، للتوسط في إرجاع رهبان طردوا من ديرهم، فنجح في مهمته، ثم أنجز بعد عودته دراسة مهمة بعنوان: أخلاق عرب البادية وعاداتهم، وخلص إلى أن البدو، على الرغم من اعتيادهم الغزو، على جانب كبير من الأخلاق السامية، وحفظ العهد وإكرام الضيف. وما الغزو الوحشي المكروه إلا ضرورة اقتضتها حياتهم القاسية. ثم تلاه رحالات آخرون منهم لويس بركهاردت الذي اعتنق الإسلام، وسجل ملاحظات مهمة عن «البدو الوهابيين 1809، وجون فيلبي «عبد الله فيلبي» الذي اعتنق الأسلام أيضا، وتلاه رحالة آخرون، حتى كانت رحلة لورنس العرب، التي خدمت بريطانيا ومهدت لاحتلال البلدان االعربية.
وضع دوتي خطة فريدة لرحلته، فقد ذهب إلى سوريا، وحاول أن يبدو عربيا، فارتدى ثياب مسيحي شامي، واختار اسما عربيا «خليل» أطلقه على نفسه، ونقشه على ختمه.
الاستعداد
وضع دوتي خطة فريدة لرحلته، فقد ذهب إلى سوريا، وحاول أن يبدو عربيا، فارتدى ثياب مسيحي شامي، واختار اسما عربيا «خليل» أطلقه على نفسه، ونقشه على ختمه، لأنه معروف لدى ديانات الإبراهيمية الثلاث، واستأجر مسيحيا «عبدو كحيل» ليدرسه العربية، ثم أودعه سره، بأنه ينوي الدخول إلى الجزيرة العربية والبقاء فيها ثلاث سنين. واستأجر غرفة من لبناني هو ميخائيل زرزور، في الطابق العلوي من منزله، وتحاشى الاتصال بالناطقين باللغات الأوروبية، كي يتفرغ لتعلم اللغة العربية، ولم يكن يضيع دقيقة واحدة في ما لا يحقق له غرضه، وتخلى عن استقبال زواره، كما قلل من عدد أصدقائه، إلى أن أجاد اللغة العربية واللهجة السورية، ثم بدأ بمخالطة المسلمين، وتعرف على كثير من الشخصيات البارزة، عبد القادر الجزائري، واشار في رحلته إلى أشياء مهمة في حياته في سوريا، وكان كثير السؤال عن الاشتقاق والمعاني الأصلية للكلمات، وبشهادة معلمه كان دوتي يتعلم أسرع من أي طالب من الطلاب الأوروبيين، الذين علمهم، وقام بعد تعلمه اللغة بمخالطة بدو كانوا يترددون على سوريا، بهدف تحسين لغته العربية لمدة ستة أشهر، أما أهم ما قام به للاستعداد للرحلة فكان امتناعه طوال ساعات متواصلة عن الطعام، والبقاء بلا نوم، معتمدا على قليل من الخبز الجاف، والزبيب، والتمر، كعادة البدو، ثم حاول الحصول على موافقة الوالي العثماني على سوريا، فأراد هذا التخلص من المسؤولية فأحاله إلى القنصل البريطاني، الذي وعده من قبل بمساعدته، ثم تنصل بعدئذ، وفشل في الحصول على موافقة أمير الحج، وشخصيات أخرى، لكنه لم ييأس، فالتحق أخيرا مع متنفذ في وفد الحج الفارسي، لقاء رشوة «1000 قرش» «عشرة جنيهات إنكليزية»، أي ما يزيد على بضعة آلاف دولار، على ان يرتدي ثياب رجل سوري بسيط الحال، مع غذاء زهيد، لكن الأمر تعرقل، فقد وصلت برقية عاجلة من وزارة الخارجية البريطانية إلى القنصل البريطاني في سوريا، تأمره بمنع زيارة دوتي بأي شكل من الأشكال، ومراقبته ليل نهار. ثم حيل بينه وبين الخروج من أسوار دمشق، لكنه استطاع الهرب، والتحق بجناح الحج الفارسي.
تقويم الرحلة
يقول لورنس «أعظم الكتب التي كتبت بالإنكليزية، في هذا المجال»، هو كتاب مقدس من نوعه»، ووصفه إدور جاميت بأن له «أسلوبا غريبا حافظ على طابعه على امتداد 600 ألف كلمة، على نحو يصعب الحذف منه أو حتى الإضافة إليه. وبعض ما ذكره دوتي مهم جدا الآن، ويعطي فكرة عن مغامرة الحجاج للسير في تلك الأقفار بغية رضا الله: عدد حجاج قافلة دمشق نحو 6000 حاج، أكثر من نصفهم رجال جاؤوا للحج سيرا على الأقدام، وتضم 10 آلاف دابة، تشكل الإبل القسم الأكبر منها، تليها البغال، وخيول الركوب، ثم الحمير وأخيرا القليل من جمال العرب العائدين إلى مناطقهم في حماية القافلة الكبيرة. أما الطريق فأرض خراب خالية، سهل من الحجارة والحصى والرمال والصخور. وقافلة الحج هذه، ليست الوحيدة، فهناك قوافل أخرى من العراق ومصر واليمن، وقوافل السفن المقبلة من الشرق الأقصى، وما يواجهها من المخاطر فيختلف تمام الاختلاف عن قوافل البر. صادف تحرك القافلة السورية اليوم الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1876، وبعد 12 ميلا، توقفت المسيرة، ونصبت خيام الجميع، وكانت منظمة. فكل خيمة مخصصة لمجموعة معينة، فاستعد الحجاج لتحضير الطعام، وإشعال نيران الطبخ، بقليل من الحطب، بينما يجري نصب خيم الحراس حول الحجاج على بعد نحو ستين خطوة من الجانبين. فيما تتواصل خفارة الحراسة اليقظة والدقيقة حتى مطلغ الفجر وطلوع النهار، خوفا من البدو «شياطين» الأرض الخراب، الذين يستطيع مئة منهم، وببنادق متخلفة إنزال الهزيمة بجيش جرار إن احتلوا مضايق الطريق، كما فعلوا بجيش مصري من جيوش إبراهيم باشا، في جنوب البلاد.
نوادر
في الكتاب نوادر شيقة مثيرة، قلما نقرأ لها مثيلا، فقصة السيدة الفارسية، التي ماتت في بلدة معان، وكانت قد أوصت بدفنها في مكة المكرمة على بعد مسير ثلاثين وقفة نحو ثلاثمئة ميل، وأصر خادمها على تنفيذ وصيتها، فاشترى جملا، من قائد الحملة الفارسية، ثم ذبح الجمل، ووضع جثمان سيدته داخل الجلد، وخاطه بإحكام، ثم غطاه من جميع الجهات، ببعض جلود الغنم غير المدبوغة، ثم ربط عصيا من حول ذلك كله، بعد ذلك أعاد الجثة الملفوفة إلى الهودج الذي كانت تركب فيه السيدة على ظهر الجمل، وكان يجلس بجوار ذلك النعش، ويسهر مستيقظا قربه، وحين وصل الخبر إلى مسامع باشا الحج، عقد مجلسه، وصدر قراره بإجازة تلك الجنازة، في رفقة حملة الحج، على أن تبتعد مسافة قليلة من مؤخرته. كما منع الباشا أيضا ذلك الخادم من إدخال الجثمان إلى أي محطة تتوقف فيها القافلة، أو أي مخيم. والغريب في القصة أن الجمل المذبوح كان جمل دوتي فاضطر للسير على قدميه بعد ذلك.
لولا جهود تشارلز دوتي وأمثاله، لظللنا سادرين في جهلنا عن أوطاننا، غير عارفين ما تحتويه من آثار وحيوانات وحشرات وكنوز.
دقة الوصف
وصف بدقة كيفية تعذيب لص سرق «40 « جنيها إنكليزيا، من قبل أربعة أشداء غلاظ، كادوا يقتلونه من شدة الضرب، لولا أنه أشار إلى حفرة إلى جوار الخيمة، أخرجوا منها المسروقات، ثم يربط بين هذه الحادثة وأخرى قام بها قضاة «سيدنا موسى» في العهد القديم، فالماضي يعيد نفسه، بعض الأحيان.
وصف دوتي الجو، والطقس وصفا شاملا، والأرض، وما فيها، والبدو، ماضيهم القريب وحاضرهم، وتقلب زعماء القبائل وجشعهم في ابتزاز واستهانة القبائل غير الخاضعة للوهابية بالتمسك بأهداب الدين، وجهلهم القراءة والكتابة والصلاة، ووصف نساءهم غير المنقبات، ووصف الأرض وبراغيثها، والنهارات وذبابها الضاري، والأطلال والخرائب، وأحلام المثقفين بإنشاء سكة حديد من قبل دولة أوروبية في هذه المنطقة، يتنهي عذاب الانتقال على الأقدام، متخيلا مستعمرات إفرنجية متطورة، تضم فيلادلفيا التي أصبحت عمان الآن ومدينة حشبون التي انتزعها الملك الآموري سيحون من يد المؤابيين، وربط ماضيها بحاضرها، ووصف آثار المدينة القديمة وعقودها، وقلعة البلقاء، وخان الزيت الذي سبق أن وصفها قرب القدس، ومدينة راباث المؤابية التي خضعت لحكم دولة يهوذا، وأسوارها التي تشبه الدوائر، والمبنية من دون ملاط، ومئات المدن القديمة، رابطا بينها وبين ماضيها وتاريخها تحت النبي إبراهيم، ومن لحقه باختصار، مشفعا ذلك بنبذ عن تأثير موسى، داؤد، محمد «عليهم السلام»، إضافة إلى وصف مئات، وربما آلاف التفصيلات والدقائق التي يستحيل إدراجها في مقالة أو عدة مقالات.
الماضي والحاضر
إن هذا السفر الهائل يصفعنا بقوة فجزيرة العرب، وبقية البلدان العربية بقيت كما هي منذ آلاف السنين، ولم يكتشف منها سوى القليل، ولولا جهود تشارلز دوتي وأمثاله، لظللنا سادرين في جهلنا عن أوطاننا، غير عارفين ما تحتويه من آثار وحيوانات وحشرات وكنوز. فهناك مئات الألوف يعيشون في جزيرة العرب، لا علاقة لهم بالإسلام سوى ختان الأطفال، لا صوم، لا صلاة، لا قراءة كتاب مقدس الخ. غارقين بجهل لا قرار له، يعيشون بؤسا وجهلا تعمره خرافات الشياطين والجن والغول، و«السعلوة»، مصابين بسوء التغذية وفقر الدم، السعيد منهم من يتغذى على حفنة من التمر يوميا مع شيء من مخيض لبن الناقة، ولشدة الفقر امتهنوا اللصوصية، وأصبحوا خبراء فيها، إلى حد لا يمكن تخيله، فهم يخطفون كل ما تملكه بلمح البصر ومن دون أن تدري.
ما فائدة الثروة التي انهالت على المنطقة إن كان موسوروها غافلين عن اكتشاف ما تحتويه أراضيهم من كنوز؟ عندئذ يصبحون أشبه بفحام لا يفرق بين جوهرة ثمينة ملوثة بالسخام وفحمـــة عادية فيرميهما كليهما في النار! كان بإمكان الرفاهية أن تتوازى مع اكتشاف كنوز الأرض، ولو خضع هــــذا الكــتاب لدراسة منظمة، ودعم بإنشاء فرق استكشاف تتبع سير الرحلة فلابد أن تُكتشف كنوز هائلة تجذب القاصي والداني إلى المنطقة.
٭ كاتب عراقي