واشنطن ـ «القدس العربي»: تقف الطبقة السياسية في العراق الآن على مفترق طرق: هل ستسعى إلى معالجة الانقسامات العميقة في البلاد أم ستعود إلى العمل كالمعتاد؟ وبغض النظر عن الإجابة، فإن العديد من المحللين الأمريكيين يعتقدون بأن مظالم العراقيين ستبقى بدون معالجة بعد ثلاث سنوات من اندلاع الاحتجاجات.
وقد رحبت الحكومة الأمريكية بالتغييرات السياسية الأخيرة في العراق، التي ساعدت على إنهاء فترة خطيرة من الاضطراب السياسي، ولكن الخبراء في واشنطن يؤمنون بأن الفجوة آخذة في الاتساع بين المواطنين العراقيين والطبقة السياسية، ما يشكل مشكلة استراتيجية للسلام والاستقرار في البلاد، وقالوا أيضاً، إن إحباط الناس من سلطات البلاد بسبب نقص الخدمات والبطالة والفساد والتدخل الأجنبي، سيحد من لغة التفاؤل بانتهاء الأزمة السياسية.
واقترح محللون ضرورة قيام الحكومة المقبلة ومجلس النواب بتمرير قانون الموازنة، بسبب الحاجة الماسة لتغذية اقتصاد البلاد وضمان توريد المواد الغذائية وتوفير الخدمات وخلق فرص العمل.
ورحبت الولايات المتحدة بانتخاب مجلس النواب العراقي عبد اللطيف رشيد رئيسا للعراق بعد مضي عام على انطلاق مفاوضات تشكيل الحكومة، وأشارت في بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس إلى أن الرئيس الجديد قد كلف محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة.
وقال برايس: «فيما يقوم قادة العراق الساسة بتشكيل حكومة جديدة، نشجعهم على التفكير في رغبة الشعب العراقي الذي صوت لتكون لديه حكومة تستجيب لمطالبه. وتحث الولايات المتحدة كافة الأطراف على الامتناع عن أعمال العنف وحل الخلافات بود وسلام من خلال العملية السياسية».
وجددت الولايات المتحدة التزامها بالشراكة مع الشعب والحكومة في العراق لتعزيز الأولويات المشتركة الكثيرة، حسب ما ورد في البيان.
ورحبت الولايات المتحدة أيضاً بالبيان الصحافي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الانتخابات العراقية التي جرت في 10 تشرين الأول/أكتوبر. إذ قال برايس إن إدارة بايدن تهنئ العراق شعبا وحكومةً على سير العملية الانتخابية بشكل سلس وسليم من الناحية الفنية إلى حد كبير.
وأشار برايس إلى أن الانتخابات كانت فرصة للناخبين العراقيين لتقرير مستقبلهم من خلال حكومة تعكس إرادتهم، وقال: «نحن نضم صوتنا إلى المجتمع الدولي في إدانة تهديدات العنف ضد بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات والعراقيين الآخرين ونحثّ جميع الأطراف على احترام سيادة القانون ونزاهة العملية الانتخابية».
وأكد برايس أن الولايات المتحدة تتطلع إلى العمل مع الحكومة الجديدة بمجرد تشكيلها لتعزيز شراكتنا الاستراتيجية بشأن مصالحنا المشتركة العديدة، بما في ذلك استقرار العراق وسيادته، والتمكين الاقتصادي، وجهود مكافحة الفساد، واستغلال الطاقة، وقضايا المناخ، وحماية حقوق الإنسان.
وفي وقت سابق، أكدت إدارة بايدن في بيان منفصل على ضرورة «إجراء حوار واسع وشامل لتشكيل مسار مشترك نحو المستقبل في العراق».
وأكدت أن الولايات المتحدة ملتزمة بالشراكة مع الحكومة والشعب في العراق لتعزيز النمو الاقتصادي وخلق المزيد من فرص العمل في البلاد وضمان الهزيمة الدائمة لداعش والقضاء على الفساد وزيادة المرونة في مواجهة آثار تغير المناخ.
التوترات الكردية
وأشار محللون أمريكيون إلى أن انتخاب رشيد يثير مخاوف بشأن تصاعد التوترات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث لم يتمكن «الديمقراطي» أو «الوطني» من تسوية الخلافات والاتفاق على مرشح واحد، كما وصلت العلاقة بين الحزبين إلى أدنى مستوياتها، ولكن الخبراء أكدوا أن التوتر لن يؤدي إلى قطع العلاقة بشكل نهائي بين الطرفين.
ماذا يعني كل هذا بالنسبة للعلاقات الأمريكية-العراقية؟
بالنسبة لواشنطن، فإن السوداني هو أحد المرشحين المحتملين الأكثر منطقية من إطار التنسيق المتحالف مع إيران. وهو تكنوقراط متمرس شغل سابقًا منصب وزير حقوق الإنسان ووزير العمل والشؤون الاجتماعية، كما أنه الأقل سوءاً من المرشحين الآخرين، على حد تعبير مجلة «ريسبانسبل استراتيجي» الأمريكية.
ولم يتضح بعد تأثير نوري المالكي على السوداني، الذي تعتبره واشنطن واحداً من «حلفاء» رئيس الوزراء الأسبق المثير للجدل، رغم انفصال السوداني عن حزب الدعوة سابقاً.
ولاحظ محللون أمريكيون أن السوداني سيواجه بعض الخيارات السياسية الصعبة، وسيتمكن قريبًا من الوصول إلى الأموال الفيدرالية التي تضخمت خلال العام الماضي بفضل ارتفاع أسعار الطاقة.
ومن المرجح أن يستخدم هذه الخزائن المتضخمة لتوفير وظائف في القطاع العام للشباب العاطلين عن العمل للتخلص من السخط الذي أسفر عن اندلاع المظاهرات العنيفة في عام 2019. ولكن العديد من المحللين الأمريكيين قالوا إنه من غير الواضح ما إذا كان السوداني سيحشد الوزارات والبرلمان لمعالجة القضايا الثلاث الكبرى التي تواجه العراق، الفساد وفشل الإصلاحات الاقتصادية، وتغير المناخ، وإبقاء تنظيم الدولة في مأزق.
وأشار محللون إلى أنه يُنظر إلى السوداني على أنه قائد ضعيف، ولذلك فإن من أهم القضايا التي ستتابعها الولايات المتحدة هي كيفية أداء الجيش النظامي وخدمة مكافحة الإرهاب في عملية وضع الميزانية مقارنةً بقوات الحشد الشعبي المتحالفة مع إيران، كما يجب عليه أيضًا أن يقرر كيفية إدارة الصدر وقاعدته الموالية التي قد تختار إحداث الفوضى إذا استُبعدت تمامًا من الحكومة.
وقد استعدت بغداد لاحتجاجات واسعة النطاق بعد انتخاب رشيد رئيساً في وقت سابق من هذا الأسبوع، لكن لم يحدث أي شيء حتى الآن، ولن يكون من الحكمة اعتبار هذا الهدوء أمراً مفروغاً منه طالما أن الصدر هو من يحرك الأحداث، وفقا للعديد من المراقبين.
كما أنه من غير الواضح كيف سيكون رد فعل «الإطار التنسيقي» على الوجود العسكري الأمريكي المستمر في البلاد، حيث أدى قرار الرئيس السابق دونالد ترامب بقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في 3 كانون الثاني/يناير 2020 إلى تحفيز الميليشيات المدعومة من إيران في ظل قوات الحشد الشعبي، وإلى مطالب علنية بمغادرة القوات الأمريكية.
خلف الكواليس، أصبحت علاقة قوات الحشد الشعبي مع الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا، والآن بعد أن وجدت هذه القوات نفسها في السلطة، فقد تتردد في إثارة التغيير، ويتمثل أحد المؤشرات في الجهود التي تبذلها الحكومة الجديدة لكبح جماح العمليات العسكرية الأمريكية في العراق التي يبدو أنها تستهدف أصول قوات الحشد الشعبي.
ولعل الأكثر إثارة للقلق هو تأثير نوري المالكي المحتمل على رئيس الوزراء الجديد، واشنطن تلقي باللوم على المالكي في تهيئة الظروف التي احتضنت داعش في العراق، الخوف هو أن هذا النمط من الحكم التمييزي يمكن تكراره تمامًا مثلما أدى التدريب والمعدات الأمريكية، وتحسين المهارات العملياتية العراقية إلى طرد تنظيم الدولة.
واقترح محللون أمريكيون أن تقوم واشنطن بالتركيز على بعض المقاييس في العلاقة مع بغداد للحفاظ على شراكة كاملة مع العراق، بما في ذلك الالتزام السريع بإجراء انتخابات مبكرة في ظل قانون انتخابي عادل بهدف الحفاظ على الديمقراطية وكبح عدم الاستقرار وعدم قمع المظاهرات المدنية ومدى قدرة الحكومة الجديدة على منع هجمات الطائرات بدون طيار وتجنب عمليات التطهير والتسييس للمؤسسات الحساسة وإظهار جهود حازمة ذات مصداقية لمكافحة الفساد.