إسطنبول ـ «القدس العربي»: على عكس ما شهدته معظم سنوات العقد الأخير التي كانت سمتها التدخلات السياسية والعسكرية الخارجية، يمكن اعتبار 2022 هو عام عودة تركيا إلى سياسة «صفر مشاكل» حيث نجحت أنقرة في إعادة تحسين علاقاتها السياسية مع معظم الدول التي دخلت معها في صدام سياسي أو عسكري وذلك في إطار استراتيجية واسعة تهدف إلى بدء حقبة سياسية إيجابية جديدة يتوقع أن تشهد ذروتها في عام 2023.
هذه التحولات لا يمكن تفسيرها بمعزل عن التطورات الأخرى التي رافقتها لاسيما وصول الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد إلى ذروتها مع ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة هي الأعلى منذ 20 عاماً، وهو التحدي الأصعب قبيل موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في حزيران/يونيو 2023 والتي توصف بأنها «مصيرية وتاريخية» ويمكن أن تجري بشكل مبكر قبيل موعدها المقرر. وعقب إعادة تطبيع العلاقات مع الإمارات وحصول زيارات رسمية بين كبار المسؤولين من البلدين ولقاءات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان والإماراتي محمد بن زايد في أنقرة وأبو ظبي، نجحت مساعي تحسين العلاقات بين تركيا والسعودية عبر زيارات رسمية متبادلة ولقاء اردوغان مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لأول مرة منذ سنوات، وصولاً لتوقيع اتفاقيات واسعة في مختلف المجالات.
وبعد الإمارات والسعودية، نجحت مساعي إعادة تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل واستقبل اردوغان الرئيس الإسرائيلي في أنقرة وزار مسؤولون أتراك تل أبيب وجرى إعادة تبادل السفراء، قبل أن يحدث الاختراق الأكبر في العلاقات التركية المصرية عقب لقاء اردوغان مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الدوحة برعاية أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني والتعهد بفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات بين البلدين.
وإلى جانب الإمارات والسعودية ومصر وإسرائيل، عملت تركيا على تحسين علاقاتها وتطويرها مع معظم الدول العربية الأخرى، إلا أن المفاجأة الأكبر كانت بتأكيد اردوغان وكبار المسؤولين الأتراك انفتاحهم على إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري وصولاً لعقد لقاء بين اردوغان وبشار الأسد، وهو ما يتوقع أن تشهده الأشهر الأولى من عام 2023 كما جرى تحقيق اختراق تاريخي في مسار تحسين العلاقات مع أرمينيا.
على الجانب الاقتصادي، شهد عام 2022 ذروة التحديات الاقتصادية للحكومة التركية مع الانخفاض غير المسبوق في سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار ووصولها إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، حيث وصل سعر الصرف بداية العام نحو 10 ليرة للدولار الواحد قبل أن تواصل انخفاضها إلى قرابة 18.5 ليرة للدولار الواحد وهو سعر الصرف الذي استقرت عليه الليرة بحلول نهاية العام.
وإلى جانب ذلك، سجل التضخم أعلى مستوى له منذ أكثر من 20 عاماً، حيث وصل حسب الأرقام الرسمية إلى قرابة 85 في المئة، بينما تقول الإحصائيات الرسمية إنه وصل إلى ضعف ذلك، حيث ارتفعت أسعار المنازل والإيجارات والوقود والسلع الأساسية لأكثر من الضعف والضعفين وهو ما شكل أكبر عبء اقتصادي على المواطنين في العقود الأخيرة وضغوطاً سياسية على الحكومة والحزب الحاكم والرئيس الذي يسعى لضمان الفوز بالانتخابات المقبلة.
وفي محاولة لاحتواء الآثار السلبية للتطورات الاقتصادية، عمل الرئيس التركي على تقديم تسهيلات وحزم دعم كبيرة للمواطنين من خلال رفع الحد الأدنى للأجور ورواتب الموظفين بنسب كبيرة وتقديم تسهيلات للاقتراض إلى جانب مشاريع المناطق السكنية والتجارية والإعفاءات الضريبية وغيرها الكثير من القرارات المتوقع أن تتزايد بحلول بداية العام المقبل في إطار استراتيجية تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين لتعزيز فرص الفوز بالانتخابات المقبلة.
شكلت الحرب الروسية على أوكرانيا منعطفاً كبيراً في الدور التركي على الصعيدين الإقليمي والدولي، فعلى عكس معظم دول العالم نجحت تركيا في لعب دور معقد تمثل في تقديم الدعم العسكري وبيع الطائرات المسيرة المسلحة وسفينة حربية متقدمة وفي نفس الوقت الحفاظ على موقف وسطي وقنوات اتصال فاعلة على كافية المستويات مع أوكرانيا وروسيا، وهو ما أهلها للعب دور الوسيط. ورغم عدم نجاحها في جمع الرئيسين الروسي والأوكراني في إسطنبول كما كان مخططاً، إلا أن الدبلوماسية التركية نجحت في عقد اتفاقيات جزئية مختلفة تتعلق بفتح ممرات إنسانية وإخلاء مدنيين واتفاقيات تبادل أسرى وصولاً للاتفاق الأهم المتعلق بنقل الحبوب من أوكرانيا إلى العالم وهو ما أطلق عليه اسم «اتفاقية الحبوب» التي قالت الأمم المتحدة إنها انقذت العالم من المجاعة ومنحت تركيا مكانة متقدمة في الدبلوماسية العالمية.
ويتوقع أن يشهد عام 2023 دوراً أوسع لتركيا في مسار أي حل سياسي يتوقع أن يجبر الطرفين على التوجه إليه لإنهاء الحرب المدمرة في أوكرانيا، حيث تعتبر تركيا الدولة الوحيدة التي نجحت في لعب دور وسطي ومؤثر على الجانبين، ومن شأن نجاحها في رعاية حل سياسي للحرب أن يمنحها مكانة متقدمة جداً في الدبلوماسية العالمية.
وشهد العام تواصل العمليات العسكرية للجيش التركي في سوريا والعراق ضد تنظيم «بي كا كا» والوحدات الكردية حيث أطلق الجيش التركي سلسلة عمليات عسكرية برية ضد التنظيم في شمالي العراق في ظل استمرار الضربات الجوية الواسعة التي اتخذت منحاً جديداً باعتمادها على المسيرات المسلحة التي نفذت عشرات عمليات الاغتيال المحددة التي استهدفت شخصيات قيادية في التنظيم.
وفي سوريا، وعقب تفجير تقسيم الذي أدى إلى مقتل 6 أشخاص وإصابة العشرات، نفذت تركيا عملية جوية واسعة وهددت بتنفيذ عملية برية كبيرة ضد الوحدات الكردية في تل رفعت وعين العرب/كوباني ومنبج وغيرها من المناطق وهو ما اصطدم بالرفض الأمريكي الروسي المعتاد، حيث يتوقع أن تنطلق العملية في الأسابيع القليلة المقبلة في حال لم يتم التوصل لاتفاق على سحب الوحدات الكردية من الحدود.
السيارة الوطنية
في حفل ضخم أقيم في ولاية قوجه إلي حيث يتواجد المصنع، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بدء الإنتاج المتسلسل لأول سيارة وطنية تركية تعمل بالطاقة الكهربائية يتوقع أن يبدأ بيعها في الأسواق خلال الأشهر القليلة المقبلة وهو ما اعتبره الرئيس التركي انجازاً وطنياً كبيراً.
وفي موازاة ذلك، تواصل تطور الصناعات الدفاعية التركية، فعقب طائرات بيرقدار والإعلان عن بدء الإنتاج المتسلسل لطائرات أقنجي، بدأت اختبارات الطيران لأول مرة على طائرة قيزيل إلما التي تصنف على أنها أول طائرة حربية مسيرة بإمكانيات تتيح لها أن تحل مكان الطائرات الحربية التقليدية وهو ما يتوقع أن يشكل ثورة في عالم الطيران الحربي.