تجد تركيا نفسها تلتقي بشكل كبير مع مواقف روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا في القضايا الدولية أكثر من لقائها مع الدول الغربية.
لندن ـ «القدس العربي»: تدرس تركيا الانضمام إلى مجموعة دول نادي البريكس بزعامة روسيا والصين، وهذا يعني خطوة أخرى في ابتعادها الصامت عن كتلة الغرب، الأمر الذي سيترتب عنه نتائج جيوسياسية في علاقات تركيا الدولية التي تبحث لنفسها عن دور فعال.
وأوردت وكالة «بلومبيرغ» الإثنين من الأسبوع الجاري تقريرا مفصلا بعنوان «تركيا تسعى للانضمام إلى بريكس في مسعى لبناء تحالفات خارج الغرب». وتفيد بتقديم تركيا طلبا إلى رئاسة البريكس منذ شهور، غير أنها لم تعلن ذلك حتى الآن، الأمر الذي لا يخلف نقاشا كبيرا في وسائل الإعلام باستثناء اهتمام الإعلام الفرنسي بحكم أن باريس تعتبر تركيا منافسا خطيرا في البحر الأبيض المتوسط، وقد يتعاظم دورها في حالة الانضمام إلى البريكس.
وتنشر «بلومبيرغ» تصريحات سابقة لناطق باسم الحزب الحاكم في تركيا عمر سليك الذي يقول بأن الرئيس التركي طيب رجب اردوغان أكد على طموح تركيا الانضمام إلى البريكس. وتابع «طلبنا بشأن هذه المسألة واضح. هذه العملية مستمرة. ولكن لا يوجد تقدم ملموس في هذا الشأن لقد قال رئيسنا بوضوح أن تركيا ترغب في المشاركة في جميع التكتلات المهمة، بما في ذلك بريكس».
وتصف «بلومبيرغ» هذه الخطوة بالحساسة جدا، لأن هذا يعني سعي تركيا لتحالفات بعيدة عن الغرب، وقد ركزت في عنوان تقريرها على ابتعاد تركيا عن الغرب، أي ترى في قرار أنقرة خطوة معاكسة لطموحات الغرب الذي يحاول الحفاظ على صفوفه أمام بروز دور فعال لدول الجنوب والصين وروسيا، وعموما مجموعة البريكس التي يتضاعف عدد أفرادها بشكل تدريجي بانضمام أعضاء جدد مع بداية السنة الجارية بعد ما تمت المصادقة على انضمامهم خلال آب/اغسطس من السنة الماضية في قمة النادي بجنوب أفريقيا.
تأخر في الانضمام
وعمليا، يتعجب الكثير من المراقبين لتأخر تركيا الانضمام إلى تجمع البريكس وهي الدولة التي تسعى منذ سنوات على الأقل منذ بداية القرن الجاري، على لعب دور بارز في صناعة القرار ليس الإقليمي فقط في الشرق الأوسط بل الدولي وخاصة في محيطها القريب نسبيا مثل شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والجمهوريات السوفييتية السابقة. ولعل من أسباب مصدر هذا التعجب هو وجود معطيات ميدانية وملموسة في توجهات تركيا للقيام بالخطوة نحو الانضمام إلى البريكس. ويتجلى السبب الأول في ابتعاد أنقرة التدريجي عن السياسة الغربية منذ أكثر من عقد بل ووقوع مواجهات مع بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا. فقد نشبت بينها وبين باريس أزمة كبيرة منذ مصادقة البرلمان الفرنسي على قرار المواجهات مع الأرمن بمثابة جرائم ضد الإنسانية، كما اختلفت مع الغرب في ملفات مثل ليبيا إلى حدود الاصطدام مع فرنسا، وفي الوقت الراهن خلافها الكبير مع غالبية الغرب بسبب دعم الأخير لإسرائيل في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين. وهكذا، تجد تركيا نفسها تلتقي بشكل كبير مع مواقف روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا في القضايا الدولية أكثر من لقائها مع الدول الغربية.
وعلاقة بالسبب الثاني هو عسكري، إذ تحس تركيا نفسها أنها مرفوضة عسكريا من طرف الغرب ولا تحظى بالثقة، فهي الدولة الأساسية في الحلف الأطلسي كعضو لتلقي نظريا، الضربات الروسية الأولى بحكم موقعها الجغرافي المتقدم في حالة نشوب حرب عالمية كبرى وتقويض هجمات موسكو. وانفجرت الأزمة العسكرية بين تركيا والغرب منذ سنوات وهي تتفاقم. ومن عناوين هذه الأزمة رفض الولايات المتحدة بيع أنظمة دفاع متطورة لتركيا مثل نظام باتريوت. ثم حرمتها من المشاركة في تصنيع والحصول على مقاتلات إف 35 بسبب قرار أنقرة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسي إس 400 بعدما رفض الغرب بيعها أنظمة مماثلة. ولاحقا، تماطل واشنطن في اتخاذ القرار الأخير والصريح في تحديث المقاتلات التركية من نوع إف 16 والترخيص بشراء أخرى، حيث لم يتم الحسم حتى الآن في هذا الملف. ولا تستوعب تركيا كيف يعمل الحلف الأطلسي على تعزيز قدرات الدول الأعضاء وتلبية مطالبها، بينما هي تنتظر في كرسي الاحتياط، بل أن الغرب لا يشاركها التكنولوجيا لتطوير صناعتها العسكرية بل أصبحت مصدر قلق للغرب. وارتباطا بهذه النقطة وعسكريا دائما، تخرق تركيا سياسة الغرب التي تنص على عدم بيع أسلحة متطورة إلى دول معينة، لكن أنقرة تبيع مسيراتها المتطورة بيرقدار إلى عدد من الدول ومنها التي تناصب الغرب العداء.
ومن ضمن الأسباب التي ستجعل تركيا تتوجه نحو البريكس مستقبلا هو العامل الاقتصادي، إذ تتضاعف مبادلاتها التجارية مع دول البريكس خاصة روسيا والصين ثلاث مرات أكثر من مبادلاتها مع الدول الغربية، لاسيما وأنها تريد لعب دور فعال في المشروع الصيني الضخم الذي يريد هيكلة التجارة العالمية «طريق الحرير».
قلق الغرب
ويقلق التوجه التركي الغرب، وأعربت جريدة «لوموند» في مقال لها يوم الثلاثاء من الأسبوع الجاي أن تركيا وهي أول عضو في حلف الناتو تتقدم بطلب عضوية هذا النادي الذي يزعج الغرب. ويدرك الغرب أن هدف البريكس هو ضرب ريادة وزعامة هذا الغرب للعالم، الأمر الذي يجعل انضمام دولة عضو في الحلف الأطلسي إليه مفارقة كبيرة جدا.
يبقى التوجه التركي نحو الانضمام إلى البريكس خطوة في الطلاق الصامت والتدريجي مع الغرب، فقد وجدت تركيا من جهة أن علاقاتها الاقتصادية مع الغرب غير قابلة للكثير من التطور مقابل التطور الهائل مع البريكس، ومن جهة أخرى، تحس كيف أن الجسم الغربي يلفظها صمتا وعلانية وتكتفي بدور الكومبارس في المحافل الغربية، بينما قد تلعب مع دول البريكس دورا رئيسيا في صناعة القرار الدولي. وقد تنضم تركيا إلى البريكس على المدى القريب للمساهمة في صنع قراراته الإقليمية لاسيما وأن دولا جارة مثل السعودية ومصر وإيران قد انضمت إلى هذا النادي.