عبد الستار العياري أخيرا، حسم الشعب التركي جدلا متراكما على صفيح ساخن بين الحكومة التركية (حزب العدالة والتنمية) والمعارضة العلمانية اليسارية (مخلفات الأتاتوركية وبقايا العثمانيين) حول تعديل الدستور. ومرة أخرى أثبتت ديمقراطية الحكومة وانفتاحها على كل أطياف هذا الشعب الذي عادت له الديناميكية السياسية داخليا وخارجيا مع حكومة أردوغان بعد أن غيب عن ذلك قرابة الثلاثة عقود، تاريخ آخر انقلاب عسكري سنة 1982 وترسيخ الحكم العلماني الذي أخر تركيا ولم يتقدم بها كدولة محورية واستراتيجية في جميع المعادلات الدولية، جغرافيا وسياسيا وكذلك اقتصاديا. لقد برهن الناخبون الأتراك مجددا على خيار تغير واقع تركيا من الجمود الذي كان سائدا قبل مجيء حزب العدالة والتنمية على رأس الدولة، عبر صناديق اقتراع الشعب الذي صوت بنسبة 58 بالمائة لفائدة الحكومة لأجل تغيير الدستور القديم الذي أثبت هيمنة مجموعة محددة من العلمانيين على مفاصله الحيوية لسنوات طوال، من دون جدوى. ونتيجة لوعي هذا الشعب بمصيره وإيمانه بالمتغيرات الجارية على الصعيدين الداخلي والخارجي وكذلك النجاحات المتعددة التي حققتها حكومة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان الذي كسب رهان التحديات الاقتصادية وهي الأهم في عالم اليوم المادي، رافقها نجاح هذه الحكومة في إرساء عدالة اجتماعية تنعم في أجواء ديمقراطية لا فرق فيها بين أبناء تركيا إلا بالولاء للبلاد والعمل على إشعاعها وإعادة الروح لها كإمبراطورية مختلفة تماما في التوجهات والأسلوب والأهداف، عما كان في عهد الإمبراطورية العثمانية. وهذا التماشي السياسي المعتدل الذي بنيت عليه استراتيجية الحكومة إلى حد الآن أثبت نجاحه، ونتائج هذا الاستفتاء يؤكد عزم الشعب على المضي قدما مع تركيا أردوغان ومطامحها الشرعية والمعقولة والمقبولة محليا ودوليا، خاصة في العالم العربي والإسلامي الذي بإمكانه التعاون مع تركيا في عدة مجالات يغنيها عن شركاء الماضي، مثل الدولة الصهيونية القبيحة وخاصة بعد أن أغلقت في وجهها الاتحاد الأوروبي وعدم السماح لأنقرة بالانضمام للقارة العجوز التي لن تضيف لتركيا الشيء الكثير. لقد حملت نتائج هذا الاستفتاء عدة رسائل مهمة وغاية في التأثير في المستقبل القريب لتركيا وللمنطقة كما للعالم:
أولا: بعد التفويض الشعبي للحكومة بتغيير الدستور’المترهل’ في نظر معظم الشعب التركي ستفتح آخر معاقل العلمانية والقضاء المبرم على هيمنة ‘بقايا الأتاتوركية’ وستكون صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد العريق وسيبصر النور بعد عقود من الظلمة الحالكة والتغييب القسري لدولة بحجم تركيا.
ثانيا: هي صفعة مباشرة لكل الذين راهنوا في الداخل بدعم من الخارج… ونسجوا المؤامرات ومحاولات الانقلاب من أجل إقصاء وإبعاد حكومة أثبتت شجاعتها وصوابية خياراتها الداخلية والخارجية عن أهم مسارح الأحداث الدموية الدائرة في منطقة الصراعات الدولية والقطبية… ورسخت في أذهان العالم قيمة تركيا شعبا وحكومة في المساهمة الفعلية والجادة والقوية في تغير النمط القديم في السياسة الدولية، وخاصة في الشرق الأوسط بدورها الريادي في خلق توازن فعلي بين محاور ‘الشر الكبيرة’ المنحازة للظلم والقهر والاستبداد والمحور ‘الصغير’ الممانع الذي كانت تشكله سورية كنقطة ارتكاز محورية في التصدي لمشاريع التفتيت التي تستهدف المنطقة، خاصة القضية الفلسطينية، بمعاضدة حركات المقاومة في المنطقة وإسنادها من طرف إيران عدوة الإمبريالية وصديقة تركيا. ثالثا: بعد التشكيك في شعبية الحكومة التركية بزعامة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وكان الانتظار السائد السقوط الشعبي المدوي في هذا الاختبار، راهنت حكومة الكيان الصهيوني ومن يحميها ويوفر الغطاء الدولي لجرائمها، والمتعاونون معها من ‘المستعربين’ على سقوطها شعبيا وعدم تمكينها من تعديل الدستور حتى حين حلول الانتخابات البرلمانية التركية العام المقبل لإسقاطها واحلال حكومة جديدة باردة وجافة محلها ذات ميول صهيو- غربية من أجل سحق الدعم المعنوي الكبير الذي قدمته حكومة أنقرة للقضايا الجوهرية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة وقوفها ظهيرا معنويا لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، وما حظت به من وقفات شجاعة وغير مسبوقة من طرف حكومة ‘الإنقاذ التركي’ خلال فترة قصيرة من حكمها وساهمت بشكل كبير في نسج خيوط اللعبة السياسية الإقليمية من جديد. فالتقارب التركي السوري عزز المصالحة بين دمشق وبيروت وحمى ظهر المقاومة اللبنانية من نزاع داخلي واحتراب سياسي مع حكومة الأسد في الشام لأن تحالف تركيا عدل الأوتار والموازين التي كانت مختلة لصالح أعداء الأمة ومصالحها، خاصة علاقتها الجيدة مع حكومة محمود احمدي نجاد التي مازالت تعاني الأمرين من الولايات المتحدة وحلفائها الذين ليست لهم رغبة في خروج أنقرة عن مخططهم القذر للمنطقة المنكوبة، كما كانت دافعا غير مباشر للحكومة المصرية وأحرجتها لتفتح معبر رفح حتى تحد من التدخل التركي وتبعد عنه الأنظار ‘الشعبوية’ في العالم العربي. هذا من دون أن ننسى ما قدمته تركيا للقضية الفلسطينية ومواقفها المشرفة ضد الهمجية الصهيونية التي ارتبكت حكومتها لأول مرة وفقدت السيطرة على التحكم القديم في خيوط اللعبة السياسية الجارية في المنطقة التي لم تتوقف بعد، بل ستتطور في المستقبل بعد الانبطاح العربي والدولي أمام التعنت الذي مارسته حكومة نتنياهو المتطرفة قبل وبعد بداية مفاوضات الذل والعار.
صحيح أن في الآونة الأخيرة صار هناك تململ ونوع من الركود في الموقف التركي من عدة قضايا ساخنة، نتيجة الاضطرابات الداخلية المفتعلة من طرف جهات متعددة لكن بعد نتائج هذا الاستفتاء، وبعد تعديل الدستور ستتضاعف مسؤولية حكومة أردوغان في ما يخص الشأن الداخلي وكذلك في واجباتها الإقليمية والدولية، فليس أمام هذه الحكومة إلا استكمال المشوار، وبناء الصرح السياسي الذي شيدته خلال العامين الماضيين حتى تلبي مطامح الشعب التركي الرامي إلى إيجاد ذاته في الأحداث الدولية التي عبر عنها سابقا بوجه مُرضٍ ومشرف من خلال المظاهرات التي قام بها يوميا خلال العدوان الصهيوني على لبنان وغزة وبعده القرصنة الصهيونية على أسطول الحرية التركي- الدولي- وكل الشعوب العربية والإسلامية التي هتفت باسم تركيا أردوغان وأن لا تعود مجددا إلى الرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي كأولوية على حساب الخطوات التي قطعتها، وكسبت من ورائها الكثير خاصة الدعم والثقة والولاء من شعوبنا ونخبها واقتصادييها في سياستها الخارجية ونالت الرضا والقبول من شرفاء العالم لمصداقيتها ووقوفها مع الحق ضد الظلم المستمر. فحتى مصالحها الاقتصادية وهي المحور الجوهري في كل سياسات العالم الذي تحكمه المصالح المادية ستتحقق إذا ما واصلت بقوة وشجاعة مساندة القضايا العربية والإسلامية من دون أن تخشى العراقيل وحقول الألغام العربية والدولية التي ستعترض طريقها رغم نجاحها سابقا في تخطيها كما ستكون المرحلة المقبلة من عمر الحكومة ‘الأردوغانية’ مليئة بالتحديات، والرهانات كما بالمصاعب، خاصة مع الأكراد الذين قاطعوا الانتخابات وأصبحوا حصان طروادة لجهات خارجية لا ترغب في استمرار حكومة العدالة والتنمية قيادة تركيا لسنوات أخرى وتحول هذا البلد العظيم إلى محور غير المحاور المرغوب فيها، إنه درس شعبي في تقرير مصير البلاد والعباد بعيدا عن الولاءات والانتماءات الخارجية المشبوهة والمفضوحة التي تضر ولا تنفع وتهدم أوطاننا ولا تبنيها.’ إعلامي ومحلل تونسي