إسطنبول- “القدس العربي”: بدأت تركيا، الثلاثاء، تطبيق خطة واسعة لتخفيف قيود كورونا في عموم البلاد ضمن استراتيجية جديدة أعلن عنها الرئيس رجب طيب أردوغان، ولا يُعرف إن كانت ستقود فعلا للعودة إلى الحياة الطبيعية، أم أنها جاءت كخطوة اضطرارية في ظل تعاظم الضغوط الشعبية والاقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير جديد في أعداد الوفيات والإصابات، الأمر الذي قد يقود البلاد مجدداً لسياسات إغلاق أكثر تشدداً.
ومنذ عدة أشهر، شددت تركيا إجراءات الإغلاق في عموم البلاد، حيث فُرض حظر التجول بشكل كامل نهاية الأسبوع (يومي السبت والأحد) ويومياً من الساعة التاسعة مساءً وحتى الخامسة من صباح اليوم التالي، فيما أغلقت كافة المطاعم والمقاهي وأي مرافق أو فعاليات تشمل تجمعات، وذلك عقب الارتفاع الكبير في الحالات اليومية للإصابة والوفيات بفيروس كورونا، وتزايد التحذيرات من إمكانية تراجع قدرة القطاع الصحي على استيعاب تلك الأعداد.
ولكن مع الانخفاض النسبي في عدد الإصابات والوفيات، وتزايد الآثار الاقتصادية الصعبة التي خلفها الإغلاق على مدار عام كامل، وتصاعد المطالبات بتقديم الدعم وإنقاذ قطاع المطاعم والمقاهي وغيرها من القطاعات المتضررة، وجدت الحكومة التركية نفسها أمام استحقاق عاجل بضرورة اتخاذ خطوة ولو جزئية لاحتواء الموقف.
وعقب أسابيع من التقييم، أجمعت تقديرات اللجنة العلمية العليا التي تصدر توصياتها للحكومة حول وضع تفشي فيروس كورونا في البلاد، أجمعت على أن أي خطوة نحو تخفيف القيود بشكل غير مدروس قد ينتج عنها كارثة صحية وارتفاع كبير جداً في أعداد الإصابات والوفيات، وهو ما يهدد مقومات صمود القطاع الصحي.
ومع تصاعد الضغوط لتخفيف الإجراءات، وتعذر اتخاذ أي قرار يتعلق بتخفيف كبير في عموم البلاد، وجدت الحكومة التركية ضالتها في إعلان خطة مبنية بدرجة أساسية على تقييم وضع كل محافظة بشكل منفصل من المحافظات التركية الـ81 بناء على مجموعة من المعايير.
ووضعت وزارة الصحة التركية مجموعة معايير أساسية لتصنيف كل محافظة بشكل منفصل، ومنها عدد الإصابات الأسبوعية مقارنة بعدد السكان (عدد الإصابات لكل 100 ألف نسمة)، وقدرات القطاع الصحي في كل محافظة، وعدد الأشخاص الذين تلقوا لقاح كورونا.
وبناء على هذه المعايير، جرى وضع تصنيف جديد من 4 فئات ليعبر عن وضع كل ولاية، بحيث يتم اتخاذ إجراءات خاصة لكل تصنيف من الأربعة. وبحسب خريطة نشرها وزير الصحة فخر الدين قوجه فإن اللون “الأزرق” للولايات منخفضة المخاطر، و”الأصفر” للمتوسطة، و”البرتقالي” للعالية، و”الأحمر” للأكثر خطورة.
والإثنين، أعلن أردوغان عقب اجتماع مطول للحكومة، بدء مرحلة عودة الحياة إلى طبيعتها “بشكل مضبوط”، لافتاً إلى أن قرارات تشديد أو تخفيف التدابير ستتخذ بحسب حالة التحسن أو التراجع المتعلقة بكورونا في كل ولاية، بحيث سيتم إعادة تحديد ألوان الولايات بحسب مستوى الخطورة كل أسبوع وتحديث إجراءات عودة الحياة لطبيعتها كل أسبوعين، وهو ما يعني إمكانية العودة للإغلاق في ولايات، أو تخفيف الإجراءات في ولايات أخرى خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الأسبوعين.
وبحسب الإجراءات الجديدة، سوف يستمر حظر التجول اليومي من الساعة التاسعة مساءً وحتى الخامسة صباحاً من اليوم التالي، لكن سيتم إلغاء حظر نهاية الأسبوع في الولايات ذات الخطر المنخفض والمتوسط، وتقليل حظر نهاية الأسبوع من يومين إلى يوم في الولايات ذات الخطر المرتفع والمرتفع جداً.
وستعمل المطاعم والمقاهي في معظم الولايات بنصف طاقتها في استقبال الزبائن بين السابعة صباحا والسابعة مساء، كما سيبدأ التعليم المباشر في الولايات التي مستوى خطر كورونا فيها منخفض ومتوسط، وستعود ساعات عمل الموظفين الحكوميين إلى طبيعتها قبل كورونا في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى تخفيف بضوابط مشددة تتعلق بصالات الأفراح ومراسم الزواج والصالات الرياضية وغيرها.
واعتبر أردوغان أن تركيا بين أفضل 5 دول بالعالم في التلقيح ضد كورونا إثر تطعيمها 9 ملايين شخص، أي أكثر من 10 في المئة من السكان. وذكر أن الحكومة تتابع عن كثب التطورات في أوروبا والعالم، وتحدث باستمرار استراتيجيتها لمكافحة الوباء، مبينا أن تشديد التدابير أو تخفيفها متعلق تماما بمسار انتشار الوباء.
وتأمل الحكومة أن تساهم هذه الإجراءات في تخفيف غضب المواطنين وتقليل الآثار الاقتصادية الصعبة على الاقتصاد عبر عودة الحياة للمطاعم والمقاهي والفنادق والسياحة ولو بشكل جزئي، لكن خبراء يحذرون من إمكانية أن تؤدي إجراءات التخفيف الأخيرة إلى زيادة حالات كورونا بشكل كبير، وهو ما تسعى الحكومة لمنعه من خلال زيادة إجراءات الرقابة بشكل كبير جداً في مسعى لإنجاح استراتيجية أردوغان الجديدة في مكافحة الوباء والعودة إلى الحياة الطبيعية.