أنقرة ـ “القدس العربي”: لا تزال نتائج الانتخابات العامة والرئاسية في تركيا، العنوان الأبرز للنقاش السياسي.
يترقب الجميع في مراكز القوى السياسية في العاصمة أنقرة، الخطوات المقبلة من طرف التحالف الفائز في هذه الانتخابات بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وكذلك التقييم الداخلي الذي تجريه مختلف أحزاب المعارضة.
ويحتدم النقاش بشأن تشكيلة الحكومة الجديدة المتوقع أن يعلنها الرئيس التركي في وقت قريب، خصوصا بعد فوز معظم وزراء حكومته بمقاعد نيابية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في الرابع عشر من مايو الماضي.
ولا تسمح القوانين التركية للوزير أن يجمع بين المقعد الوزاري والنيابي.
ونقلت صحيفة حريات عن نعمان قورتولموش نائب رئيس حزب العدالة والتنمية تصريحاته في اجتماع حزبي داخلي يشير فيها إلى أن الحزب لا يرغب باستقالة بعض الوزراء الحاليين من مقاعدهم النيابية نظرا للتوازنات الحساسة في مجلس الأمة الكبير (البرلمان) واللجان النيابية.
كما ذكرت أن الرئيس رجب طيب أردوغان، وفي اجتماع للمجلس الوزاري الحالي شكر الوزراء على عملهم وأشار إلى أنه لن تحدث استقالات للنواب في البرلمان.
ويفتح هذا الباب أمام تكهنات بأسماء الوزراء في الحكومة الجديدة التي يتوقع أن يعلنها أردوغان في وقت قريب.
وكانت وكالة رويترز أشارت إلى ثلاثة أسماء مرشحة للانضمام إلى الحكومة الجديدة، أبرزهم محمد شيمشيك، وزير المالية السابق، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بين عامي 2015 و2018، الذي يحظى بتقدير الكثيرين في القطاع المالي، وبجانبه إبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئاسة التركية، وهاكان فيدان، مدير جهاز المخابرات الوطنية.
وأثارت هذه المعلومات تشكيكا في أوساط المعارضة نظرا للنهج المالي المخالف لأردوغان الذي يتبناه شيشميك ويعطي فيه الأولوية لحرية الأسواق المالية، ويحبذ رفع الفائدة عند الضرورة.
وحتى الآن لم يصدر عن الرئاسة أو شيمشيك أي تعليق بشأن احتمال انضمام الأخير إلى الحكومة الجديدة، فيما تشير المصادر إلى أن القرارات النهائية لم تُتخذ بعد وربما تخضع للتغيير بناءً على رغبة الرئيس.
وكانت معلومات تداولتها وسائل إعلام تركية ذكرت أن الرئيس أردوغان يفكر في تعيين شيمشيك في منصب نائب الرئيس، ولكن يحتمل أيضاً أن يكون وزير الخزانة والمالية، وذلك لأنه يرغب في تولي مهام مباشرة في قيادة السياسة الاقتصادية.
وقال مسؤول كبير لرويترز إنه يجري التنسيق بين الرئاسة وشيمشيك، وإن اجتماعات عقدت لبحث بعض النقاط التي سيتم البت فيها قريبًا، و”إذا تم تعيين شيمشيك نائبًا للرئيس، فمن المحتمل أن يتولى سيفديت يلماز، نائب رئيس الوزراء السابق، منصب وزير الخزانة والمالية”، ومن الممكن أيضًا تعيين لطفي إلفان، وزير الخزانة والمالية السابق، في منصب وزير لحقيبة مرتبطة بالاقتصاد بحسب المسؤول.
خلافات في أوساط المعارضة والعين على الانتخابات البلدية
في هذا الوقت، لا تزال الخسارة التي منيت بها المعارضة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية تتصدر المشهد السياسي المعارض، خصوصا ان أوساطا عديدة في القواعد الشعبية للمعارضة تشكك في نتائج الانتخابات نفسها.
إلا ان مسؤولين في المعارضة يبدون أكثر واقعية، وفي هذا السياق كان الإقرار الصريح لآيتوغ أتشي، مسؤول التعليم في حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب تحالف الامة المعارض، بخسارة حزبه في الانتخابات.
وأشار أتشي إلى أن العديد من أعضاء حزبه في مختلف الولايات التركية يعتقدون بان أصواتهم “سلبت”، لكنه نفى صحة هذه المزاعم وقال إنه من الضروري الاعتراف بالهزيمة والاستعداد للانتخابات البلدية المقبلة التي ستجرى العام المقبل بعد نحو عشرة أشهر.
ويتطلع كمال كيليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري والمرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة، للمشاركة في الانتخابات البلدية في إطار الحلف نفسه، ويأمل باستمرار دعم حزب الجيد شريكه تحالف الامة، وحزب الشعوب الديمقراطي الذي خاض الانتخابات تحت مسمى اليسار الأخضر في إطار تحالف الكدح والحرية، وخصوصا في المدن الكبرى واهمها العاصمة أنقرة وإسطنبول التي كان حزب العدالة والتنمية قد خسر فيهما في انتخابات عام ٢٠١٩ البلدية.
وأعلن كليتشدار أوغلو عزمه الاجتماع مع زعيمة حزب الجيد ميرال أكشينير بعد مؤتمر حزب الجيد في وقت لاحق من هذا الشهر، للبحث في استمرار حلف الأمة.
لكن استمرار تحالف الأمة بات موضع تساؤلات كبيرة مع إعلان الأمين العام لحزب الجيد أوغور بويراز أن التحالف الذي يضم ستة أحزاب انتهى مع انتهاء الانتخابات.
هذا الأمر لا يبدو محسوما على الرغم من النقاش الداخلي الحاد في حزب الجيد بشأن المسؤولية عن الفشل في الانتخابات، فقد ترك القيادي البارز في حزب الجيد والنائب عن مدينة إسطنبول جيهان باتشاجي الباب مفتوحا أمام تعاون في المستقبل بين أعضاء تحالف الامة.
وانعكست الخلافات التي طفت على السطح في أوساط المعارضة بعد الانتخابات، على حزب الشعوب الديمقراطي، ذي القاعدة الكردية الذي تتهمه أحزاب عديدة بتأييد حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا والمصنف إرهابيا.
وكان الحزب الذي أقر بتراجع في نسب التصويت التي نالها في الانتخابات الأخيرة مقارنة مع الانتخابات السابقة، شهد جدالا علنيا بعدما كشف صلاح الدين ديمرتاش زعيمه السابق الذي يقضي عقوبة في السجن بتهمة نشر دعاية إرهابية أنه طرح على قادة الحزب مسالة ترشحه في الدورة الأولى من السباق الرئاسي التي جرت في ١٤ مايو، إلا انه “لم يتلق أي رد من القيادة الحزبية”.
وأعلن ديمرتاش كذلك اعتزاله العمل السياسي “النشط”.
إلا أن مسؤولا كبيرا في حزب الشعوب الديمقراطي نفى أن يكون ديمرتاش قد طرح هذا الامر من أصله على قيادة الحزب.
ويرى مراقبون أن حزب الشعوب الديمقراطي الذي وفر لمرشح المعارضة كمال كليتشدار اوغلو نسبة مهمة من الأصوات، قد تراجع لصالح حزب العمال التركي شريكه في تحالف الكدح والحرية خصوصا في انقرة وإسطنبول، ويرجحون أيضا أن تكون شريحة من مؤيديه صوتت لحزب الشعب الجمهوري.
وتبدو المعارضة التركية بمختلف أجنحتها مرتبكة بعد الاستحقاق الانتخابي التي أظهرت إلى العلن الخلافات داخل الأحزاب نفسها.
وإذا لم تتمكن المعارضة من تقييم أخطائها وفشلها في الانتخابات الرئاسية والعامة، ومن إعادة إنتاج سياسات وأطر جديدة تحاكي طبيعة المرحلة، فإن امامها تحديا كبيرا في الانتخابات البلدية التي سيسعى حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه فيها إلى استعادة المدن الكبرى التي خسروها في انتخابات 2019 ولا سيما إسطنبول والعاصمة انقرة.