الرئيس رجب طيب أردوغان
إسطنبول – “القدس العربي”: تعيش تركيا على غرار الكثير من دول العالم لحظات حاسمة بانتظار الإعلان عن الرئيس الأمريكي المقبل والذي سيكون إما الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي شهدت فترته الحالية سياسات متقلبة وخلافات حادة جداً ومتشعبة مع تركيا، وبين المرشح الجديد جو بايدن الذي يحمل سجلاً حافلاً من العداء العلني لتركيا في ملفات مختلفة.
وامتنع أي مسؤول رسمي تركي عن الإدلاء بأي تصريحات حول الانتخابات الأمريكية ولم يصدر أي موقف أو تلميح من أي مسؤول حول توجهات ورغبات أنقرة تجاه السباق الانتخابي في الولايات المتحدة، وما إن كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يفضل العمل في السنوات الأربع المقبلة مع ترمب المتقلب أم بايدن المتشدد -تجاه تركيا-.
وتبدو المفاضلة صعبة جداً في تركيا، فالعلاقات مع الولايات المتحدة تمر في أسوأ فتراتها في السنوات الأخيرة ولكن على الرغم من ذلك استطاع أردوغان الوصول إلى آلية للحوار مع ترامب حول الكثير من الملفات الحساسة، في المقابل لم يخف بايدن على الإطلاق مواقفه العدائية تجاه تركيا وسياساتها وتوعد بفرض عقوبات واتباع سياسة حادة تجاه أنقرة في حال وصوله للرئاسة الأمريكية.
وبالحد الأدنى يتوقع أن تنجح تركيا في منع انزلاق العلاقات مع أمريكا إلى مستويات أسوأ في حال استمرار ترامب في منصب الرئاسة، لكن وفي حال وصول بايدن يخشى أن تفرض حزمة كبيرة من العقوبات حول ملفات التدخل العسكري ضد الوحدات الكردية في سوريا ومنظومة إس 400 وملف “خلق البنك” والالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران، وغيرها من الملفات التي ستفجر خلافات أكبر بين واشنطن وأنقرة.
وشهدت فترة ترامب الرئاسية الحالية خلافات حادة مع تركيا في ملفات دعم الوحدات الكردية في سوريا وملف تسليم فتح الله غولن وشراء منظومة باتريوت من أمريكا وطائرات إف 35 والعقوبات على خلفية شراء تركيا منظومة إس 400 الدفاعية من روسيا وغيرها الكثير من الملفات.
لكن على الرغم من كل هذه الخلافات، إلا أن العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان كانت على الدوام قادرة على الحفاظ على مستوى جيد من العلاقات والوصول إلى حلول وسط في كثير من ملفات الخلاف والحفاظ على مستوى جيد من العلاقات وعقد صفقات وحلول وسط ناجحة وتجنب تفجر الخلافات ووصولها إلى نقطة اللارجعة، وهو أمر يمكن أن يدفع أردوغان لترجيح فوز ترامب بفترة رئاسية جديدة.
فأردوغان نجح من خلال علاقته مع ترامب من الضغط عليه لسحب القوات الأمريكية من مناطق شمالي سوريا لتنفيذ عملية “نبع السلام” هناك، ولم يمرر حزمة عقوبات أقرها الكونغرس رداً على العملية، وأجل فرض عقوبات أمريكية على تركيا بموجب قانون “جاستا” لشرائها منظومة إس 400 الروسية، واستطاع تأجيل صدور قرار في قضية “خلق بنك” التركي المتهم بتجاوز العقوبات الأمريكية على إيران، وغيرها الكثير من الملفات التي ترجح الميول التركي نحو ترمب لفترة رئاسية جديدة.
صفات ترامب ليست الدافع الأساسي للموقف التركي، كون أنقرة ترى أن الخيار الآخر وهو المرشح الديمقراطي جو بادين يتوقع أن يكون أسوأ من خيار ترمب كونه سياسي أمريكي يتصدر منذ عقود المواقف المعادية لتركيا في ملفات قبرص واليونان والأكراد والأرمن وغيرها الكثير.
فبايدن الذي شغل عضوية مجلس الشيوخ الأمريكي على مدار 36 عاماً وخلال هذه السنوات تنقل بين عضوية لجان العدل والعلاقات الخارجية، كما ترأس لجنة العلاقات الخارجية لعدة سنوات وكانت له علاقات ومواقف وقرارات مختلفة تتعلق بتركيا بشكل مباشر، وكان في الكثير منها يتخذ مواقف حادة معادية لها.
ففي ملف قبرص، انتقد الدور التركي هناك على مدار العقود الماضية، وهاجم التدخل العسكري التركي عام 1974 ودعا مراراً إلى ضرورة انسحاب القوات التركية من قبرص، وكان عام 1987 أحد أبرز المعدين و الموقعين على الوثيقة التي تدعو الإدارة الأمريكية إلى فرض حظر تصدير أسلحة على تركيا بسبب ما قيل إنه عدم التزام أنقرة بقرار للأمم المتحدة حول قبرص، واعتبر مراراً أن تركيا هي المعطل للحل السياسي للمسألة القبرصية، وفي عام 1999 وعندما كان يرأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي وضع فيتو على تقديم حزمة مساعدات مالية لتركيا بقيمة 5 مليار دولار.
وتقول تقديرات تركية إن ولاية ” Delaware” التي يمثلها بايدن في مجلس الشيوخ يسكنها أغلبية من الأمريكيين من أصول يونانية وعمل طوال العقود الماضية على إرضائهم بالمواقف المعادية لتركيا في الخلافات مع اليونان والمسألة القبرصية ودعم تشكيل لوبيات يونانية وقبرصية كبيرة.
وبناء على مواقفه السابقة في ملف قبرص، يتوقع أن يصطف بايدن بشكل كبير إلى جانب اليونان وقبرص ضد تركيا في صراع شرق المتوسط المتصاعد في الأشهر الأخيرة، وهو أحد أبرز الملفات في السياسة الخارجية التركية حالياً على عكس ترامب الذي حاول قدر الإمكان الوقوف على مسافة واحدة من طرفي النزاع أو بانحياز طفيف لليونان دون دعم مطلق لها.
كما انتقد بايدن على الدوام سجل تركيا في حقوق الإنسان والحريات وملف الأكراد. وفيما يتعلق بالمسألة الأرمنية وأحداث عام 1915، دعا بايدن مراراً لاعتراف الولايات المتحدة بها على اعتبار أنها “مجزرة إبادة جماعية” وقاد حراكاً كبيراً طوال العقود الماضية من أجل ذلك، وخلال فترة توليه منصب نائب الرئيس ضغط مراراً من أجل الاعتراف بما توصف بـ”إبادة الأرمن”.
وخلال حملته الانتخابية، تعهد بايدن بالاعتراف بـ”الإبادة العرقية” للأرمن في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي الخطوة التي تجنب الرؤساء الأمريكيين السابقين الإقدام عليها خشية تدهور العلاقات مع تركيا التي تعارض هذه الخطوة، وهو ما يدفع للاعتقاد بأن بايدن وفي حال وصوله إلى الرئاسة ربما يتجه لدعم أرمينيا بشكل مباشر ضد أذربيجان المدعومة من تركيا على عكس الإدارة الحالية التي لم تتدخل بالنزاع المتصاعد حتى الآن.
وفي سياق آخر، وقبل أسابيع، فجرت تصريحات بايدن التي لوح فيها بنيته دعم المعارضة التركية للإطاحة بالرئيس أردوغان من الحكم موجة عارمة من الغضب في صفوف عامة الشعب التركي من كافة توجهاته السياسية، وتوحدت الحكومة والحزب الحاكم وكافة أحزاب المعارضة على اختلاف توجهاتها في رفض وإدانة هذه التصريحات بأقسى العبارات.
وكان مقطع فيديو لبايدن انتشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام التركية ومواقع التواصل الاجتماعي يدلي فيه بتصريحات حول تركيا وأردوغان، يشير فيها إلى نيته اتباع نهج جديد في السياسة تجاه تركيا وأردوغان الذي وصفه بـ”المستبد”، ملوحاً بنيته دعم أحزاب المعارضة التركية للإطاحة به، منتقداً سياسات تركيا تجاه الأكراد وفي سوريا وشرق المتوسط والتعاون التركي مع روسيا والخشية على مصير القواعد العسكرية الأمريكية في تركيا.