تركيا: تحويل «آيا صوفيا» إلى مسجد… بين شعارات «السيادة» واتهامات «الانتخابات» وتحذيرات «التوريط»

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: من المقرر أن يبت القضاء التركي مجدداً، في الثاني من شهر آب/أغسطس المقبل، في طلب تحويل كنيسة آيا صوفيا التاريخية من صفتها الحالية كـ «متحف» إلى «مسجد»، في خطوة مثيرة للجدل على الصعيدين الداخلي والخارجي، تتداخل فيها عوامل سياسية ودينية وحسابات مختلفة، ويتوقع أن يكون لها تبعات كبرى داخلياً وخارجياً أيضاً.
وبينما تركز الحكومة وحزب العدالة والتنمية الحاكم على تقديم القضية على أنها أمر مرتبط بدرجة أساسية بـ «السيادة الوطنية»، تثير جماعات إسلامية القضية من منطلقات «دينية»، في حين ترى أحزاب معارضة تركية أن القضية تثار بدوافع «انتخابية»، بالمقابل يحذر آخرون من «مخطط توريط» يهدف إلى الإضرار بتركيا والرئيس أردوغان داخلياً وخارجياً.

قرار قضائي قريب

بداية الشهر الحالي، كشفت صحيفة تركية أن الرئيس رجب طيب أردوغان أمر بدراسة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد مجدداً في خطوة ـ إن حصلت ـ ستعتبر تاريخية ويتوقع أن تؤدي إلى رفع مستوى التوتر والخلافات بين تركيا والاتحاد الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة.
وعلى الرغم من أن هذه القضية أثيرت عشرات المرات على مدى السنوات الماضية، إلا أن الأمور تبدو جدية أكثر هذه المرة وسط توقعات بأن يصدر القضاء التركي قراراً في الثاني من الشهر المقبل ينص على تغيير صفة آيا صوفيا من متحف إلى «مسجد»، وتقول صحيفة صباح إن هناك توجهاً لإقامة أول صلاة هناك في الخامس عشر من الشهر المقبل، بالتزامن مع إحياء الذكرى الرابعة لمحاولة الانقلاب في تركيا، في حال وافق القضاء التركي على ذلك.
وقبل ذلك، رفضت المحكمة العليا في تركيا طلباً لفتح آيا صوفيا للصلاة، وقبل موعد المحكمة المقبل اشتعلت حرب تسريبات ووثائق في محاولة للتأثير على قرار القضاء التركي، كان أبرزها وثائق تدعي أن قرار تحويلها من مسجد إلى متحف لم يوقع عليه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وأن التوقيع الموجود على هذا القرار مزور ولم ينشر في الجريدة الرسمية آنذاك، وهي ادعاءات نفتها أطراف أخرى في ظل حالة جدل متزايدة.

قرار قضائي منتظر بداية الشهر المقبل للبت في القضية

و«آيا صوفيا» التي تعتبر حالياً متحفاً تاريخياً، كانت في الأصل كاتدرائية أرثوذكسية طوال (916 عاماً)، تحولت لاحقاً إلى مسجد (482 عاماً) قبل أن تصبح متحفاً عام 1935 في عهد كمال أتاتورك. وينص تصور أردوغان الأولي على استمرار فتح آيا صوفيا كمزار للسياح، ولكن ليس بصفته الحالية كمتحف أو ككنيسة تاريخية وإنما بصفة جديدة، بحيث يكتب عليه «مسجد آيا صوفيا» وليس «متحف آيا صوفيا».

السيادة الوطنية

تركز معظم التصريحات الرسمية من قبل أردوغان ومسؤولي حكومته والمتحدثين باسم الحزب الحاكم على أن ملف آيا صوفيا أمر يتعلق بشكل مباشر بالسيادة الوطنية، وأن إعادة تحويلها إلى مسجد تأكيد على قوة تركيا وسيادتها على أرضها وقراراها وتعزيز لمكانتها الإقليمية والدولية، وإن كان لا يجري الحديث بهذا الشكل المباشر في التصريحات العلنية.
ومؤخراً، قال أردوغان إن قرار تحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو قرار وطني تركي يتعلق بتركيا فقط ويمتلكه الشعب التركي، وأنه لا يحق لأي أحد في العالم التدخل في هذا الأمر، ورداً على انتقادات يونانية، قال أردوغان: «يقولون لا تحولوا متحف آيا صوفيا إلى مسجد، هل أنتم من تديرون تركيا أم نحن؟».
من جهته، قال وزير العدل عبد الحميد غُل، إن مسألة آيا صوفيا «خاضعة لسيادة الجمهورية التركية»، مضيفاً: «كسر قيود آيا صوفيا وفتح أبوابه للعبادة رغبة مشتركة لدينا جميعاً، وهي تنفيذ لوصية السلطان محمد الفاتح»، وتابع: «آيا صوفيا المسجد الوحيد الذي يجري دخوله بأجرة، والقانون يقضي بإزالة هذا الأمر المشين».
كما رد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو على اليونان بالقول: «آيا صوفيا ليست تابعة لليونان، وإنما مُلك للجمهورية التركية، فاعتراض اليونان على تلاوة القرآن في آيا صوفيا هراء وتجاوز للحدود»، وأضاف في تصريحات أخرى: «مسألة آيا صوفيا»هي قضية سيادة وطنية وليس قضية دولية على الإطلاق».

لعبة انتخابية

في المقابل، تتهم المعارضة التركية وعلى رأسها أكبر أحزابها حزب الشعب الجمهوري، خطوات الحزب الحاكم، وتعتبرها بالدرجة الأولى لعبة انتخابية يسعى من خلالها الرئيس التركي إلى «تغيير أجندة الشارع التركي» وإلهاء الرأي العام بقضايا أخرى لصرف النظر عما تقول إنها أزمات اقتصادية ومشاكل كبيرة تعاني منها البلاد في الأشهر الأخيرة.
كما تقول المعارضة إن الحزب الحاكم يسعى، من خلال هذه الخطوة، إلى كسب ود ورضى أنصار عدد من الجماعات الدينية في البلاد، والتي لديها مئات آلاف وربما ملايين الأتباع الذين لديهم تأثير كبير على مجرى الانتخابات، في ظل الحديث عن احتمال دخول البلاد في انتخابات مبكرة في أي وقت.
وترى المعارضة أن الحزب الحاكم يسعى لتعويض تراجع مكانته في الشارع التركي من خلال كسب أصوات شرائح جديدة، أبرزها المحافظون والقوميون، وذلك من خلال تصوير أن هذه الخطوة تأتي لتعزيز السيادة الوطنية ومعاداة الغرب، وهو يغذي توجهات القوميين، وأنها خطوة دينية لتحقيق حلم محمد الفاتح وإعادة الصلاة إلى أيا صوفيا.

تحذيرات من التوريط

في السياق ذاته، يبرز رأي ثالث بقوة في الأيام الأخيرة ظهر على شكل مقالات وكتابات يومية من صحافيين وكتاب من المعارضة والمولاة على حد سواء، يحذرون من «نظرية التوريط»، معتبرين أن هذه الخطوة لا حاجة لها في الوقت الحالي، وأنها سوف تؤدي إلى زيادة متاعب تركيا.
ويحذر هؤلاء الكتاب من أن خطوة كهذه من شأنها أن تؤدي إلى موجة غضب في الغرب ضد تركيا، ومشاكل عميقة مع الاتحاد الأوروبي، وتزيد المشاكل مع اليونان، وستعتبر بمثابة أداة لتشويه صورة تركيا في الخارج، واتهامها بالمساس بالحريات الدينية ومعاداة المسيحية، وهو ما قد يؤثر على السياحة ويؤدي إلى تضرر تركيا على الصعيد الدولي، ويمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية وتضرر أردوغان على الصعيد الداخلي، حسب تقديرهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية