تركيا تدعو الاتحاد الأوروبي للحياد في نزاعها مع اليونان وتصف تصريحات ماكرون بـ«الوقحة»

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: صعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبمستوى حاد من لهجته حيال تركيا، وهو ما ظهر بشكل كبير عقب التطورات الأخيرة في ملفات سوريا وليبيا وشرق المتوسط، وسط جهود حثيثة متسارعة من باريس لتحشيد الموقف الأوروبي ضد أنقرة، وصولاً للمطالبة بفرض عقوبات «مؤثرة» عليها، خلال قمة الاتحاد الأوروبي المقررة نهاية الشهر الجاري.
ومنذ أسابيع، يطلق ماكرون تصريحات حادة جداً ضد تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان ويقود جهوداً حثيثة لمعاقبة تركيا داخل أطر حلف شمال الأطلسي «الناتو» والاتحاد الأوروبي، وصولاً للقيام بتحركات عسكرية وإرسال طائرات وسفن حربية للوقوف إلى جانب اليونان في نزاعها مع تركيا شرق البحر المتوسط، عقب الاتهامات التركية لماكرون بتقديم الدعم العسكري لأطراف ليبية لمواجهة التواجد العسكري التركي هناك.
وفي أحدث تصريحاته، دعا الرئيس الفرنسي، أوروبا إلى أن ترفع «صوتاً أكثر وحدةً ووضوحاً تجاه تركيا التي لم تعد شريكةً»، وقال: «نحن كأوروبيين علينا أن نكون واضحين وحازمين مع حكومة الرئيس (التركي رجب طيب) أردوغان التي لديها اليوم تصرفات غير مقبولة ويجب عليها أن توضح نواياها».
ومنذ أيام، يقود ماكرون حراكاً مكثفاً داخل الاتحاد الأوروبي لتحشيد أكبر عدد من دوله لدعم توجهه بفرض عقوبات «مؤثرة» على تركيا في قمة الاتحاد المقبلة، ولهذا الهدف ترأس ماكرون، الخميس، قمة لسبع دول أعضاء في الاتحاد لـ«البحث عن موقف مشترك للاتحاد تجاه تركيا»، تمهيداً لموقف أوسع في قمة الاتحاد المقررة في الرابع والعشرين من الشهر الجاري في بروكسل. كما يقود ماكرون منذ أشهر طويلة مساعي للتشكيك بمكانة الناتو في محاولة لتشكل قوة أوروبية أو «جيش أوروبي» لا تكون تركيا عضواً فيه.
ورداً على تصريحات ماكرون الأخيرة، قالت الخارجية التركية إن «الرئيس الفرنسي أدلى مجدداً بتصريحات وقحة، بفكر استعماري ويهاجم تركيا بحرقة بعدما أحبطنا كافة مخططاته الخبيثة وأفسدنا ألاعيبه في السياسة الخارجية»، معتبرة أن «ماكرون يعرض مصالح أوروبا والاتحاد الأوروبي للخطر».
كذلك، قال وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، للبرلمان الأوروبي الخميس، إن الاتحاد الأوروبي لا يتمتع بالاختصاص القضائي لنظر مسألة الحدود البحرية، وإن عليه أن يلتزم الحياد في نزاع شرق المتوسط مع اليونان.

باريس تواصل التحشيد وتسعى لعقوبات ضد أنقرة

وفي كلمة أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي عبر رابط فيديو، بين أن تركيا مستعدة لحوار «غير مشروط» مع اليونان والتكتل.
وتصاعدت الخلافات بين فرنسا وتركيا تدريجياً خلال العام الأخير حول ملفات مختلفة كان أبرزها الدعم الفرنسي للوحدات الكردية شمالي سوريا، والدعم التركي لحكومة الوفاق في ليبيا، والتحركات العسكرية التركية شرق الفرات، ومواقف الرئيس التركي من معاداة الإسلام في أوروبا، والتظاهرات التي عمت فرنسا مؤخراً.
وكانت فرنسا أبرز الدول الداعمة عسكرياً لوحدات حماية «الشعب الكردية» الناشطة على الحدود التركية شمالي سوريا وتعتبرها تركيا امتداداً لتنظيم بي كا كا، وعارضت فرنسا العمليات العسكرية التركية في المنطقة وآخرها عملية «نبع السلام»، التي اعتبرتها تركيا إفشالاً لمخطط فرنسي لإقامة كيان انفصالي على حدودها مع سوريا. وفي ليبيا، كانت فرنسا تقدم الدعم السياسي والعسكري لمليشيات خليفة حفتر على أمل تمكنه من حسم المعركة عسكرياً على الأرض والسيطرة على كامل ليبيا، وبالتالي عودة النفوذ الفرنسي في ليبيا أقوى من السابق، لكن الدعم التركي لحكومة الوفاق وتمكن الأخيرة من طرد حفتر من محيط طرابلس وصولاً لحدود سرت أفشل المخطط الفرنسي وأغضب باريس التي قادت حملة واسعة ضد التدخل العسكري التركي في ليبيا.
وفي السنوات الأخيرة، عززت تركيا نشاطها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري في إفريقيا، وإلى جانب نفوذها الكبير في الصومال وتدخلها العسكري في ليبيا وتقاربها مع دول مهمة هناك، عززت تركيا علاقاتها بكثير من الدول التي تعتبر مستعمرات فرنسية سابقة، ودعت الشعوب الإفريقية إلى علاقة مبنية على الاحترام والتعاون والكسب المشترك بعيداً عن الاستعمار ونهب ثروات البلاد، وهو ما أغضب فرنسا التي رأت في ذلك تحركاً ضد مناطق نفوذها التاريخية.
ومؤخراً، جاءت أزمة شرق المتوسط لتشكل محطة خلاف كبيرة بين تركيا الطامحة لنفوذ اقتصاد وعسكري أكبر شرق المتوسط وفرنسا التي أعلنت دعمها السياسي والعسكري الكامل لليونان وأرسلت سفناً وطائرات حربية إلى المنطقة، معتبرة أن النفوذ التركي بشكل خطراً على مستقبل أوروبا.
وتخشى فرنسا من تعاظم نفوذ تركيا في المنطقة وصولاً لتأثيره على السياسة الأوروبية ويتهم ماكرون، أردوغان بـ«ابتزاز أوروبا» من خلال ملفات الأمن واللاجئين، كما يرى في توجهات الرئيس التركي الإسلامية ومواقفه المستمرة من الإسلاموفوبيا المتصاعدة في القارة تحريضاً على أوروبا. يضاف إلى الأسباب السابقة جميعها رغبة ماكرون في تعزيز موقع بلاده حول العالم ومحاولة الظهور بمظهر الزعيم القوي الذي يعيد أمجاد فرنسا ويحاول ملء الفراغ الذي أحدثته سياسات ترامب الأخيرة في الشرق الأوسط، إلى جانب محاولاته لكسب أصوات اليمين وكسب مزيد من الأصوات في الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية