تركيا تفتح أبوابها أمام الأوليغارش الروس وتدافع عن موقفها السياسي ورفضها المشاركة بالعقوبات 

إسماعيل جمال  
حجم الخط
1

إسطنبول- “القدس العربي”: جددت تركيا عبر أعلى مستوياتها السياسية، رفضها المشاركة في العقوبات الغربية على روسيا، مؤكدة أن أبوابها مفتوحة أمام المواطنين ورجال الأعمال الروس وحتى المقربين من الرئيس فلاديمير بوتين “الأوليغارش” الذين تركزت عليهم العقوبات الغربية، بالتزامن مع تأكيد مسؤولين أتراك على “صوابية” موقف أنقرة بالحفاظ على قنوات الاتصال السياسي مع روسيا في محاولة للتوصل إلى حل سياسي للحرب في أوكرانيا والتي دخلت شهرها الثاني. 

وعلى الرغم من بدء ظهور بعض الانتقادات الغربية سواء للاتصالات السياسية التركية مع روسيا أو رفض أنقرة المشاركة في العقوبات، إلا أن المستوى السياسي التركي جدد التأكيد بشكل قطعي وعلني على أن أنقرة لا تنوي المشاركة في أي مستوى من العقوبات الغربية على روسيا سواء فيما يتعلق بالاتصالات السياسية أو واردات الطاقة أو رجال الأعمال المقربين من الرئيس بوتين الذين وصل جزء منهم بالفعل إلى تركيا. 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال في تصريحات له على متن الطائرة في طريق عودته من بروكسل إلى إسطنبول عقب مشاركته في قمة الناتو، إن “العديد من الشركات الأمريكية والعالمية تغادر روسيا وأبوابنا مفتوحة لكافة القادمين إلى بلادنا”، وذلك عقب تصريحات سابقة أكد فيها أن بلاده لن تكون جزءا من العقوبات الغربية على روسيا لأسباب مختلفة. 

هذه الأسباب شرحها وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو خلال كلمة له في منتدى الدوحة، السبت، حيث أكد أنه بإمكان المتمولين الروس الاستمرار في القدوم وممارسة نشاطهم التجاري في تركيا “طالما أنهم يحترمون القانون التركي والدولي”، موضحاً: نحن لا نشارك في العقوبات. نحن نطبق فقط تلك التي تقررها الأمم المتحدة. يمكن للمواطنين الروس زيارة بلادنا. 

وقال جاويش أوغلو: “إذا سئلت عما إذا كان بإمكان الأوليغارش القيام بأعمال تجارية في تركيا، فيمكننا تقييم (هذه الطلبات) إذا كانت متوافقة مع القانون (التركي) والقانون الدولي.. في بلدنا، نسمح بكل ما هو قانوني ولا يمكن القيام بأي شيء مخالف للقانون. جوابي واضح للغاية.. إذا كان الوضع مخالفا للقانون الدولي، فهذا شيء آخر”. 

والأسبوع الماضي، وصل يختان يملكهما الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش إلى ميناءين في تركيا، حيث رسا اليخت إكليبس” البالغ طوله 160 مترا في ميناء مرمريس بجنوب غرب تركيا، فيما وصل يخته الآخر “سولاريس” البالغ طوله 140 متراً في منتجع بودروم التابع لولاية موغلا. كما وصل آلاف الروس إلى تركيا يعتقد أن بينهم عددا كبيرا من رجال الأعمال.

وفي أكثر من مناسبة، شددت تركيا على أنها لن تنضم للعقوبات الغربية التي شملت مصادرة طائرات خاصة ويخوتا وفللا سكنية، وتجميد أرصدة بنكية لرجال أعمال روس مقربين من بوتين، وفسرت التصريحات التركية الجديدة على أنها تتجاوز فكرة التأكيد على رفض المشاركة بالعقوبات، حيث حملت في طياتها إرسال تطمينات لحث رجال الأعمال الروس على اختيار تركيا كمقر جديد لأعمالهم من أجل تحفيز الاقتصاد التركي. 

وبسبب العقوبات الغربية القاسية والمتصاعدة على الاقتصاد الروسي رداً على الهجوم العسكري المتواصل ضد أوكرانيا، يُتوقع أن تمثل تركيا ملاذاً محتملاً لمواطنين ورؤوس أموال من روسيا، وهو ما قد يعود بالفائدة على الاقتصاد التركي، إلا أنه قد يسبب إحراجاً كبيراً لتركيا التي يمكن أن تواجه اتهامات غربية بمساعدة روسيا للتحايل على العقوبات التي رفضت أنقرة حتى اليوم المشاركة فيها.  

وتبرر أنقرة موقفها برفض العقوبات بأنه موقف “مبدئي” يرفض سياسة العقوبات بشكل عام، وتعتبر أنها أداة تضر بالشعوب ولا تحقق أي ردع سياسي، وبالتالي فإنها لن تكون جزءا من أي عقوبات غربية ضد موسكو. وبينما تحدث أردوغان بشكل صريح عن أن بلاده لا يمكنها اتخاذ أي خطوة اتجاه روسيا فيما يتعلق باحتياجاتها للطاقة، شدد على أن قرارات بلاده تتخذ بناء على المصالح الوطنية التركية. 

وعلى الصعيد السياسي أيضاً، دافع إبراهيم قالن، المتحدث باسم الرئاسة التركية عن موقف بلاده، بالتأكيد على أنه يتوجب على تركيا والدول الأخرى التحدث مع روسيا للمساعدة في إنهاء الحرب في أوكرانيا، وقال قالن الأحد في كلمة على هامش منتدى الدوحة: “إذا أحرق الجميع الجسور مع روسيا، فمن سيتحدث معهم في نهاية المطاف.. الأوكرانيون بحاجة إلى الدعم بكل الوسائل الممكنة حتى يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم.. لكن يجب الاستماع إلى الموقف الروسي بطريقة أو بأخرى”. 

وتخشى تركيا أن يؤدي أي صدام سياسي مع روسيا إلى أزمة اقتصادية صعبة، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي إلى قرابة 30 مليار دولار، كما يعتبر ملايين السياح الروس الذي يزورون تركيا سنوياً أكبر داعم لهذا القطاع المهم، وبالتالي الاقتصاد التركي، إلى جانب اعتماد تركيا الكبير على روسيا في تأمين جانب مهم من احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، وبدل التفكير في تجنب الصدام فقط، يبدو أن تركيا تسعى بقوة لأن تصبح وجهة لرجال الأعمال الروس والشركات الغربية التي أجبرت على الخروج من روسيا، لفتح فرص وآفاق اقتصادية جديدة. 

واعتبر تقرير للتلفزيون الرسمي التركي، أنه عقب انتشار جائحة كورونا حول العالم وما خلفته من تغييرات سياسية واقتصادية والحرب الروسية على أوكرانيا، فإن الشركات الدولية المتأثرة بهذه التحولات ستكون وجهتها تركيا التي وصفها التقرير بأنها “ميناء المنطقة الآمن” و”قاعدة التجارة بالمنطقة”. وأوضح التقرير أن شركات أمريكية وغربية بشكل عام بدأت لقاءاتها ودراساتها في تركيا من أجل التحضير لنقل مشاريع كبيرة من روسيا إلى تركيا، لافتاً إلى أن شركات عديدة تتجه نحو تركيا لأسباب مختلفة أبرزها الفرص الاستثمارية وأسعار الطاقة وأسعار النقل الدولية والقوى العاملة.  

كما يتوقع أيضاً أن ينعكس ذلك على قطاع العقارات في تركيا، والمرتبط بشكل أساسي بالحصول على الجنسية التركية، حيث يسمح القانون التركي بمنح الجنسية لمن يشتري عقاراً تتجاوز قيمته 250 ألف دولار أمريكي وهو مبلغ زهيد لرجال الأعمال الذي سيبحثون عن تأمين سكن وجنسية في نفس الوقت تتيح لهم التهرب من العقوبات الغربية وممارسة أنشطتهم التجارية بحرية أكبر، حيث أظهرت بيانات رسمية أن الروس احتلوا المرتبة الثالثة بين أكثر الجنسيات تملكاً للعقارات في تركيا في شهر فبراير الماضي.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية